بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:

فلو انك محصت كل ما تسمع من أخبار وأحاديث وأقوال يرددها الناس سوف تجد أن معظمها مبني على ظنون وأوهام، كثير من الناس يبني مواقفه ويحدد علاقته من الناس بناء على ظن وعلى وهم تشكل لديه واستقر في عقله وقلبه، فهو يكره ويحب ويقاطع بناء على هذا الظن أو هذا الوهم، وكذلك هو يردد هذه الأقوال كما لو كانت مسلمات ومنشؤها الظن الإسلام لا يحترم الظن وإنما يحترم الحقائق المدعمة بالدليل والبرهان والنبي صلى الله عليه وسلم يقول إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث فالإسلام لا يحترم الظنون والأوهام إنما يأبه ويحتفي ويهتم بالمواقف والحقائق والمعارف المبنية على أدلة وعلى براهين وعندما واجه المشركون الإسلام أول مرة واجهوا حقائق الإسلام بظنون وأوهام لديهم وحمل القرآن الكريم حملة كبيرة على هذه الظنون يحرر الناس منها وليدفع الناس نحو البحث عن الحقيقة ونحو البحث عن اليقين {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } .

انظر كيف واجه المشركون هذه الحقائق العقائدية الكبرى بظنون وهذه مأساة أن تطمس الحقائق لصالح أوهام أو ظنون أو يطوح بالأدلة والبراهين من أجل خرافات وشائعات طالما كان ما عندكم ظن فلماذا تتبعون الغيوم والظلمات وتتركون الشمس ساطعة وان {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ } لماذا، إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يخمنون يحددون مواقفهم واختياراتهم في الحياة بناء على ظنون كذلك عندما واجههم الإسلام ليردهم إلى خالقهم إلى الله تعالى كانوا يعتبرون اعتبارات لا دليل لهم عليها {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } في مقابل هذه الظنون والأوهام يريد أن يحتشد الناس حول الحقيقة أيها الإخوة الإسلام لا يريد شخصا تائها يتبع كل ناعق إنما يريد من يتجرد للحقيقة ويبحث عنها هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ يناقش القرآن هذه المسالة ويرد الناس إلى العلم والى المعرفة القائمة على الدليل ما دليلك على ما تقول ما دليلك؟ لا يقدس قول لا دليل عليه , {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى }.

الهدى هنا الحقيقة والدليل والبرهان يقابل هناك الظن وهو النفس ولذلك كما ذكرت احتفى القرآن الكريم بالدليل والبرهان وأطلق على البرهان اصطلاح السلطان , السلطان في اصطلاحنا يعني القوة المادية لكن الإسلام يقول لا هناك سلطان أكبر القوة العقلية الدليل بالعلم والبرهان الساطع على ما تقول انظر في سورة النمل والقرآن يتحدث عن سليمان وما مكنه الله فيه {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ }. الهدهد من جنود سليمان {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ } {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }. السلطان المبين هنا البرهان وهو هدهد إما أن يعاقب على غيابه وإما أن يقدم سلطانا أي حجة ودليلا وبرهانا هذا شيء مهم في تشكيل عقل الإنسان المسلم لأن الله تعالى لا يريد من المسلم أن يكون خرافيا وان يكون تابعا لكل ناعق وان يبني مواقفه على ظنون وبرهان وإنما يريد منه أن يبني مواقفه وان يحدد علاقاته على الدليل والبرهان وليس على الظن وهوى النفس الظن والعواطف الكاذبة {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ,  لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }.

السلطان المبين في منطق الإسلام البرهان ينبغي أن ينقذ صاحبه ومن اهتمام الإسلام بالدليل والبرهان انه كان يطالب بالدليل والبرهان على قضايا ثبت فسادها أو الأقل بالنسبة له يعني انه يكون هناك اله مع الله هذه قضية فاسدة وباطلة يقينا ورغم هذا يقول الله تعالى {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ }. فوضع قيدا وكأنه يقول من قدم على دعواه برهانا مهما كانت هذه الدعوى خارجة عن الإسلام فهو خارج التهديد والوعيد هذا من احترام الإسلام للدليل أيها الإخوة الإسلام يريد إنسانا يكون لسانه وراء عقله وقلبه لا يكون لسانه كالحد المرخى في يد الشيطان حسبك من الإثم أن تحدث بكل ما سمعت هل سمعت هل رأيت {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }. لا تتبع أمر أنت لم تحط به، اعلم لماذا تريد أن تتحدث في كل شيء؟ بالظن والوهم انظر هذه الآية العظيمة {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }.

هل سمعت؟ هل رأيت ؟هل استيقنت؟ تحدث إذا، إما أن تتوقف عن الكلام هكذا وان تنشره بين الناس بناء على الظن والوهم فهذا ما يرفضه الإسلام  {أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ }. وفي الأسئلة المهمة في العقيدة واليقين من سورة النمل أإله مع الله، أكثر من صفحة يتحدث فيها القرآن في شكل أسئلة موجهة لهؤلاء الذين يشركون مع الله آلهة أخرى في آخر هذه الأسئلة يقول {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }. العقلية الإسلامية عقلية برهانية لا عقلية خرافية وليست عقلية قبلية، ما تحبه وتهواه تضخمه وتعلي شأنه وما تبغضه وتكرهه تطمسه وتخفض شأنه ولا قيمة للدليل والبرهان هذا أمر لا علاقة له بالإسلام ولا علاقة له بالدين ولذلك جاءت النزاعات القرآنية بضرورة التبين والتثبت والبحث والتمحيص {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }. إن الظن، إن إهمال التبين والبرهان وان إهمال ينبني عليه تقاطع وينبني عليه كراهية ويبني عليه تفريق بين الأحبة والأصدقاء والأزواج لا ينبني عليه إلا القتل وسفك الدماء كم من دماء سفكت بناء على ظن بلا دليل ولا برهان، كم من بيوت هدمت بناء على ظن وأوهام كم من فرقة وقعت بين زوجين أو بين صديقين بناء على ظن وأوهام، كم من كراهية تحققت بناء على ظن وأوهام ولو أننا تبينا وتتبعنا البرهان كما أمرنا القرآن الكريم لنجونا من كل ذلك، عندما وقعت حادثة الإفك في المدينة عقب اتهام  أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها قال الله تعالى  {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ } إذا كان الظن سيئ لا بد أن تحمل أخيك المسلم على الصلاح والخير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال  ( لا تظن بكلمة خرجت من أخيك إلا خيرا ولا تحملها إلا على الخير ما وجدت لها محملا) لماذا يسبق الظن السيئ عندنا الظن الحسن؟ لماذا تسبق الظنون والأوهام الأدلة والبراهين؟ لماذا لا نتشبت باليقين والحقيقة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } وماذا ينفع الندم بعد أن تقع في جريمة القتل بناء على ظن؟ وماذا ينفع الندم بعد أن تهدم بيتاً على رؤوس أهله وبين أن تفرق بين الزوجين بناء على هذه الظنون {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيم وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } لماذا لا تعمل هذه الآيات عملها في حياتنا وعقولنا؟ لماذا لا نبني مواقفنا وعلاقاتنا على أسس علمية وعلى الدليل والبرهان؟   {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا } قال المفسرون لماذا عطف قوله وَلَا تَجَسَّسُوا على قوله اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ هناك ارتباط كبير جداً إذا نشأ الظن في ضميرك لابد أن يدفعك للتجسس وهناك ارتباط كبير بين التجسس وبين تتبع أخبار الناس وبين الظن السيئ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا } ولذلك قال صلى الله عليه وسلم )  ثلاث لازمات في أمتي الطيرة والحسد والظن) معنى الطيرة التشاؤم، فقال رجل: يا رسول الله وما يذهبن فيم هن فيه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إذا تطيرت فامضي أي إذا تشاءمت فلا تأبه بهذا الشعور العارض، امض وتوكل على الله ، وإذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فتحقق أي إذا سبق الظن السيئ إلى ضميرك في موقف ما أو حول شخص ما {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة يقول: ما أطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما أعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن يظن به خيراً، هذا هو الأساس الذي يريد أن تقوم عليه العلاقات فيم بيننا الظن الحسن أن يختفي الظن السيئ، أن نبني المواقف على الأدلة والبراهين والمعارف العلمية وفي حديث عن أسامة عندما قتل الرجل الذي قال لا اله إلا الله لماذا قتله؟ بناء على الظن فعلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أقتلته بعد أن قال لا اله إلا الله؟ فقال أسامه: لعله قالها يا رسول الله خوفاً من السلاح فقال صلوات الله وسلامه عليه: هلا شققت عن قلبه حتى تعرف قالها قناعة أو خوفاً قال أسامة: وما زال يكررها صلى الله عليه وسلم حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ حتى تمنى أنه لو لم يسلم إلا يومها حتى يجب هذا الإسلام ما قبله،  الظن السيئ يترتب عليه كراهيات ويترتب عليه ظلم وسفك للدم، أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب نعامل الناس على ظاهرهم، وإذا أردنا أن نتخذ موقفا أو أن نقول قولا و أن نحدد مع الآخرين علاقاتنا فلابد أن يكون بين أيدينا أدلة وبراهين وإلا خالفنا نهج القرآن وخالفنا هداه أسأل الله أن يشرح صدورنا وأن ينور قلوبنا وأن يحرر عقولنا  من الظنون والأوهام أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله غياث المستغيثين، الحمد لله صريخ المستصرخين، الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } وأشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه والتابعين أما بعد:

مخططات اليهود ومكرهم لا ينتهي، في الزمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينشرون الأكاذيب والإشاعات حول الإسلام وكانوا يفكرون دوماً كيف يخرجون الناس من هذا الدين فلقد سجل القرآن بعض محاولاتهم هذه فقال تعالى عن اليهود {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }آمنوا أي تظاهروا بأنكم مسلمون ثم انسحبوا ليتشكك الناس بهذا الدين، فما زالوا أيها الإخوة يخططون ويمكرون وربما لا يلامون على ذلك هم مقتنعون وهم يعرفون أنهم في حالة صراع ومواجهة معنا لكن نحن الذين نلام إذا وقعنا أو سقطنا ضحايا  لهذه المخططات، إنهم من دهائهم ومكرهم ربما جعلوا من أهدافهم ومخططاتهم ما نعتبر نحن انجازات مهمة لذلك لابد أن نحظر من الأطروحات المسمومة التي تبدو في ظاهر الأمر كما لو كانت نصراً أو انجاز، في يوم من الأيام كان يحشد طلاب المدارس في الساحات العامة ليحتفلوا بأعياد النصر في هذا البلد المنكوب وهذه الأعياد وهمية لا حقيقة لها لكن الساسة الذين لا يخافون الله لأهداف تخصهم يحولون الهزائم إلى انتصارات ويعتمدون على الدعاية وعلى وسائل الإعلام والترويج، أنا أريد من أبناء وطننا ومن أبناء أمتنا أن يكونوا يقظين وان يعملوا عقولهم جيدا في كل ما يقولون وفي كل ما يسمعون وأن يراعوا الله أولا ثم المصلحة العليا للوطن والناس، إن الانتصار الذي ننتظره هو أن يتحرر وطننا وأن نمتلك إرادتنا وأن تحل مشكلاتنا وأن نتمتع بإرادات حرة وبكرامات لا يجرأ عليها أحد من الحاكم الأعلى إلى أصغر مقام أما الانجازات الحزبية هنا وهناك وتصوغ لنا كما أنها انتصارات فهذا ضياع للوقت وطمس للأهداف والحقائق.

أمر آخر أعجبني هذا الحوار بين الحق والباطل كما صوره أحد الأدباء يقول قال الباطل للحق: أنا أرفع منك رأساً  فالباطل قد يكون مدججاً بالسلاح والإمكانات ويحمي مواقفه بالقوة المسلحة قال الباطل للحق: أنا أرفع منك رأساً، فقال الحق: لكني أثبت منك قدماً ،فقال الباطل: إنا أقوي منك فقال الحق: لكني أنا أبقى منك , لقد حدثنا القرآن عن الشجرة المنبثة التي لا قرار لها هذا مثال الباطل قد تراها شجرة عظيمة ومرتفعة لكن لا جذور لها أنا ارفع منك رأسا قال أنا اثبت منك قدما قال أنا أقوى منك قال أنا أبقى منك فقال الباطل أنا معي الأقوياء والمترفون معي القوة والثروة فقال الحق {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }. فقال الباطل للحق أنا استطيع أن أقتلك الآن فقال الحق لكن أبنائي سيقتلونك ولو بعد حين وهذا مصداق الحكمة الشائعة دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة فعلينا جميعا أن نعمل من أجل دولة الحق ليس بالمفهوم السياسي بل من أجل أن يروج الحق فيما بيننا وأن يختفي الباطل مهما كان مدججا بالقوة والسلطة والثروة .

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.