بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:

فلقد جاء الإسلام بالحق، بالحق الكامل، بالحق في العقيدة والحق في الشريعة ،جاء الإسلام ليجيب على الأسئلة التي استعصت على كثير من الفلاسفة والمفكرين، على أسئلة الإنسان عامة، قدم رؤية كاملة للإنسان والكون والحياة فالإسلام هو الحق، ومن ابتغي غيره ضل، ومن ابتغى العزة في غيره ذل وهذه الحقيقة تكررت في القرآن الكريم، تحدث القرآن في مواضع كثيرة عن هذا الحق الذي جاء به للناس جميعاً وأشار إلى هذه المعاني التي أزالت الشبهات أمام الباحثين عن الحقيقة وعندما نقرأ في كتاب الله {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } وهنا حق من أعرض عنه فلقد استحب العمى على الهدى، الحق الذي جاء به الإسلام في عقيدته وشريعته، حق يحيي القلوب وينير العقول ويهدي السبل أمام التائهين  {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } من بحث عن الحق بعيدأً عن القرآن فلقد استحب العمى على الهدى  {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ } من شركائكم من تدعونهم من دون الله الأصنام والحكام والطواغيت والنظريات والفلسفات  {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } هذه إثارة للعقل لكي يفكر، يا أيها الباحثون عن الحق وعن الهدى وعن السكينة النفسية والطمأنينة العقلية   {فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } إما هدى وإما ضلال، إما هدى وأما عمى، إما جاهلية وأما إسلام  {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ } لكن مما يؤسف له أن أتباع الهوى يعترضون طريق الحق ويحاصرونه ويطاردونه ويضعون في طريقه العقبات حتى لا يحقق هدفه ولا يبلغ مراده لماذا؟ لدوافع كثيرة هناك التعصب في الأفكار السائدة والبائدة والتشبث بها تجعلهم يكرهون الحقيقة المحددة في نظرهم وهناك المصالح والأوضاع الباطلة التي تدر عليهم السمن والعسل لذلك يقفون هذا الموقف الكاره للحق والله سبحانه وتعالى في بيانه القرآني يوضح لنا ذلك فهو يحدثنا عن الأنبياء وكيف وقف في وجههم أتباع الهوى الجامدون والمتخلفون وأصحاب المصالح وفي مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم  {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } انظر كيف تكون مواقف الناس أمام الحق؟  {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } لماذا كل هذا؟ لماذا هذه الاكنة؟ وهذه الحجب ولماذا في آذانكم وقر؟ هذا حق واضح يرسم العقيدة أمامكم ويبين لكم  الشرائع التي ينبغي أن تتبعوها ويقدم لكم نظرية ورؤية كاملة متكاملة حول الإنسان والكون والحياة لم؟ لم كل هذا العناد؟ هذا كبرياء كما قلت دافعك التعصب للأفكار القائمة السائدة والبائدة والارتباط بالمصالح والأهواء والكراهية للتغيير الذي سيحدثه الحق مما يهدد هذه المصالح في نظرهم، انظر كيف يتحدث القرى عن نبي الله نوح جاء على لسان نوح  {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً } كراهية عجيبة للحق انظر إلى هذه الصورة  {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ } كنايات عن كراهيتهم للحق وعن صدودهم عنه { وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً } يكرهون الحق،  وفي موضع آخر يصور موقف إتباع الهوى من الحق أيها الإخوة  {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِين أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ َ } {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} والكلام هنا عن العرب أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ أي بما فيه فخرهم وشرفهم وذكرهم بين الأمم، ومن حماقتهم وكبريائهم تولوا عن هذا الحق وكرهوه وهناك صور أخرى منها {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } يبطشون بهم، إن إتباع الهوى، إن إتباع المصالح، إن الأنانيين ، إن الحريصين على الأوضاع الراكدة أن تستمر من ارتبطت مصالحهم بأوضاع تدر عليهم سمناً وعسلاً لا يريدون الحق  {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } لكن الله سبحانه وتعالى هيأ للحق جنوداً وأنصارا حبب إليهم الحق وكره إليهم الباطل وطمأنهم على أن المستقبل لهم وعلى أن الباطل لا مستقبل له  فاستمات أنصار الحق وجنوده في الدفاع عنه كما قال القائل :

أن الذي خلق الحقيقة علقما                          لم يخل من أهل الحقيقة جيلا

هناك جنود وقفوا أنفسهم للدفاع عن الحق واستماتوا في الدفاع عنه وحمايته يعيشون للحق وبه يحيون.

قيل لأحد العلماء ما لذتك؟ ربما تكون لذتي ولذتك في أكلة شهية أو في نومة هنية كما يقولون أو خزنة مليئة بما تحب، عندما قيل لهذا العالم ما لذتك؟ قال: لذتي في حق يتضح اتضاحاً وفي باطل يفتضح افتضاحاً، حق تكتنفه الأدلة وتبدد الباطل كما تبدد أشعة الشمس الغيوم ،هذه هي لذة العلماء والصالحون والمدافعون عن الحق يستميتون في الدفاع عنه في مواجهة أولئك الذين يعادون الحق وأهله عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل ليحكي معه ما جرى معه قال له الرجل: ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، استغرب النبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل صلوات الله عليه استغرب وقال: أو مخرجي هم قال: نعم، والله ما جاء رجل قط بمثل ما جئت به إلا أوذي، هناك نفر تضيق صدورهم بالحقيقة، إياك أن تكون من هؤلاء يا أخي، ابحث عن الحق دوماً وقف في دائرته استمت في الدفاع عنه، هذه الحياة ليست باقية، هذه المصالح زائلة، ليكن الحق أحب إليك من كل شيء في دنياك.

عندما نعيد النظر في قصة الهجرة وفي سيرة آل البيت الذين وقفوا في مواجهة الظالمين من الحكام الذين أرادوا أن ينحرفوا بالإسلام بعيداً بعيدا ودفعوا حياتهم في الدفاع عن الحق الإسلامي عندما نقرأ مصابهم وآلامهم وكيف ضحوا بكل شيء يملكونه، عندما نقرا سيرة آل البيت نقرأ قصة الهجرة نقف عند هذه المعاني التي ينبغي أن نستشعرها دوماً، أن الحق ينبغي أن نحتضنه أيها الناس، أن عبيد المصالح لا تتغير بهم أحوال، إن الأنانيين لا ينهضون بمجتمع ولا أمة، إن عبيد الأهواء والشهوات لا يحررون وطناً ولا يقيمون دولة، اقرؤوا قصة الهجرة أعيدوا النظر فيها واقرؤوا سيرة آل البيت والحسين بن علي رضي الله عنه ما الذي أخرجه؟ ما الذي كان ينقصه أيها الإخوة؟ كان ممدود المال، عريض الجاه، زكي النسب، جميل الوجه، صالحا، عابدا، صواما، قواما جمع الله له الدنيا والآخرة لكنه خرج ليدافع عن الحق الإسلامي في مواجهة الحاكم الأموي الذي ما كان أهلا للموقع الذي استلمه، فدفع حياته ثمناً لهذا الموقف هو ومن معه من آل بيته الكرام حتى قال القائل فيهم وهو يشير إلى ما أصاب بيت النبوة على أيدي هؤلاء الطغاة من ظلم وجبروت

مجالس آيات خلت من تلاوة                           ومنزل وحي مقفل الهرصات

 بنات زياد في القصور مصونة                        وآل رسول الله في الفلاوات

لكن هذا قدر محبي الحق الذين حبب الله إليهم الحق وكره إليهم الباطل وطمأنهم أن المستقبل لهم ، من هو قاتل الحسين؟ ذهب في خبر كان كما يقولون طواه الزمن وباء باللعنة في يومه وغده ،أما الحسين فقد ارتفع ذكره  رمزا للدفاع عن الحق والدفاع عن الإسلام ، صهيب الرومي في الهجرة خرج ليلحق بركب النبي صلي الله عليه وسلم ولحقه الكبراء أتباع الهوى الذين يكرهون الحق فالتفت إليهم الرجل المؤمن وقال لهم والله إنكم لتعلمون أنني من أرماكم أي من أكثركم إصابة في رمي السهام، والله سوف أرميكم بكل سهم معي فإذا انتهت سأضربكم بسيفي هذا ما بقي في يدي وان أردتم مالي ، هذا كلام لعبيد المال والمصالح الذين يدوسون علي المبادئ والعقائد وعلي الحق في سبيل المال والمصالح والله سوف أرميكم بكل سهم معي فإذا انتهت سأضربكم بسيفي هذا ما بقي في يدي وان أردتم مالي دللتكم عليه ، قالوا إنما نريد مالك قال اذهبوا إليه في المكان الفولاني ، جهاد بالمال والنفس لأن الإسلام تغلغل في عقولهم وأرواحهم، أيها الناس غيروا عقولهم غيروا قلوبهم  جعلوه خلقا آخر يعيشون لهدف ، أم سلمة  المرأة المسكينة التي تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم فيما بعد خرجت مع زوجها للهجرة ومعها ابنها سلمه وهناك اعترضهم أهلها وقالوا للرجل لزوجها هذه نفسك غلبتنا عليها فلماذا تأخذ صاحبتنا معك تسير في البلاد اذهب، وفرقوا بينها وبين زوجها ورجعوا بأم سلمه منعوها من اللحاق بزوجها الذي أراد أن يلحق بالنبي صلي الله عليه وسلم في المدينة وهي امرأة ، أي يقين  كان يملا قلوبهم أيها الناس أي عقيدة كانت تنضح بها أنفسهم في عهد المرأة المسكينة فاعترضها من أهل أبي سلمه واخذوا ابنها منها وقالوا لأهلها إما وقد رجعتم بابنتكم فوالله لا نترك ابننا عندكم واخذوا ابنها منها وفرق بينها وبين زوجها وبين ابنها ، تقول أم سلمه رضوان الله عليها أم سلمه نصيرة الحق نصيرة اليقين تقول فبقيت سنة أو قريبها اخرج كل يوم إلي الابطح مكان هناك من الصباح حتي المساء وأنا ابكي سنة كاملة أو قريبا منها وهي تخرج من المكان الذي فرقت فيه بينها وبين زوجها وابنها تبكي من الصباح إلي المساء. هذا ما تكلم القرآن عن مثل من جاءوا إلي الرسول صلي عليه وسلم ليحملهم ليهيئ  لهم ما يقاتلون عليه وبه فقال لهم { لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ } لماذا أبكي أنا ولماذا تبكي أنت؟ على أي شيء نبكي أيها الإخوة؟ نبكي على حقوق الله المهدرة، نبكى على الإسلام المحارب، نبكي على الحقيقة أم أننا نبكي على الأوهام في هذه الدنيا، نبكي على مصالحنا، ما الذي يؤثر فينا؟ مالذي يهز مشاعرك؟ لماذا تحزن في الدنيا؟ تحزن على هذه الدنيا وما فيها أم تحزن على آخرتك وعلى ما يرفع مقامك عند الله، ولقد ذكرت الرواية أن أهلها وأهل زوجها تجاذبوا ابنها حتى خلعوا يده ولما رق أهلها عليها ورحموها وسمحوا لها بالهجرة أخذت ابنها ورحلت ببعيرها وغذت السير لتلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، الحق يحتاج إلى أنصار أيها الإخوة، الحق يحتاج إلى مدافعين عنه، إلى محبين له وليطمئن أنصار الحق وجنوده فالعاقبة لهم، القاعدة الإلهية أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ  لقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو فرد طارده الطغاة والجبارون، ثم عاد وتحولت دعوته إلى حضارة عمرت ربوع الأرض أيها الناس وما استطاع الباطل أن ينال منه، المستقبل للحق، جاء في وصية أبى بكر رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه يقول له يا عمر: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة بإتباعهم الحق والحق ثقيل على النفوس وإنما خفت من خفت موازينهم يوم القيامة بإتباعهم الهوى والهوى خفيف على النفوس والله يقول {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ }  والله يقول {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ } ثقلوا موازينكم أيها الناس عند الله بالحق وإتباع الحق وحب الحق وأهله، ابحثوا عن الحق وقفوا بجواره، لا تتركوا الحق وحيداً، قفوا مع الحق أينما كان مهما كلفكم ذلك لتثقل موازينكم عند الله سبحانه وتعالى ،أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 الحمد لله غياث المستغيثين، الحمد لله صريخ المستصرخين، الحمد لله وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } وأشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين أما بعد:

أيها الإخوة أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته وانه {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ } يقول القائل : أن البطولة أن تموت على الظمأ ليس البطولة أن تعب الماء، ما فائدة أن تأكل وان تشرب وأنت مقيد

رقدوا وغرهم نعيم زائل                ونعيم قوم في القيود بلاء

إن البطولة أن تموت على الظمأ، فالمهاجرون مع النبي صلى الله عليه وسلم ضحوا بكل شيء ، وهكذا فعل ابن بنت رسول الله أبي عبد الله الحسين رضي الله عنه وهو يواجه ظلم الظالمين وفي الهجرة مفارقات نعرضها بإيجاز أن علي بن أبي طالب نام في مكان النبي ليظلل الكافرين من ناحية ومن ناحية ثانية لماذا؟ قالت كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخره عنه في هجرته ليرد الودائع إلى أصحابها، انظروا أيها الإخوة هذا التناقض الكبير أنهم يتآمرون على النبي ويطردونه ويريدون قتله ويريدون أن يسجنوه ومع ذلك لا يجدون غيره ليأتمنوه على أموالهم فكانوا يضعون ودائعهم وأماناتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  مفارقة عجيبة جداً، يطاردون النبي ثم يضعون آماناتهم عند فلماذا يحاربونه إذن؟  كما قلت كراهية للحق وحرصاً على مصالحهم وتعصبا لمبادئهم وأفكارهم القديمة، الثانية في قوله تعالى لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا هذه صيحة العزاء لكل من أحاطت به الهموم، لكل من نزل بساحته الضيق والعنت لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا هذه كانت صيحة العزاء في ضيق الغرض وفي مطاردة الكافرين للنبي الله وصاحبه الصديق رضوان الله عليه لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ما أحوجنا أن نستشعر هذا المعنى أيها الإخوة، لكن ماهي الأمة التي يقف الله معها؟ إنها الأمة التي تقف مع الله لقد قال أحد الصالحين لتلميذه إن أردت إن تعرف ما لك عند الله اعرف ما لله عندك، هذا حق أيها الإخوة، إن أردت أن تعرف مكانتك عند الله فاعرف مكانة الله في قلبك، الثالثة سراقة بن مالك الذي سال لعابه للجائزة والمكافأة التي رصدها الكافرون إن قبض على محمد وصاحبه، لقد لحقهم بالصحراء لكن الأقدار هزمته، هزمته الأقدار فكبا جوداه وكبا هو، ثم كبا جواده مرة أخرى، انظروا أيها الناس، فماذا فعل؟ إنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليعود سالماً وهو يطارد النبي كان صلى الله عليه وسلم ينضح الصدق من كل نواحيه {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } ثم قال: إني أعرف إن أكبو ويكبو حصاني فمن دعائك، فأدع لي،  وعاهد النبي ألا يتابعه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى، يقين أيها الإخوة، وعقيدة وحق يملأ القلب ونور يشحن به العقل هذا هو الإسلام، رؤى متفائلة للمستقبل، كيف بك إذا لبست سواري كسرى، سمع الرجل الكلمة وعاد كالمجنون مما سمع أين هو وأين كسرى؟

تقول بعض الروايات إنه استغرب فقال للنبي كسرى بن هرمز فقال صلوات الله وسلامه عليه كسرى ابن هرمز ومرت الأيام والسنوات وتواجه المسلمون مع الفرس وهزموهم الهزيمة الكبرى في القادسية ونادى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه نادى سراقة بعد أن أسلم وقاتل مع المسلمين ناداه وألبسه سواري كسرى تحقيقا لنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم .

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ}.  

قبل الخطبة استحلفني رجل أن أتكلم في موضوع ليس فيه علاقة ماسة بالموضوع ،حقوق الزوجين كلاهما على الأخر، وأنا أعدكم سأتكلم في هذا الموضوع بالتفصيل مرة أخرى إن شاء الله لكنني أقول هنا إن الحقوق بين الزوجين حددها الله عندما قال {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

هناك تكافؤ في الحقوق والواجبات إنما نلخص هذه الحقوق بشعار نرتضيه في العلاقة الأسرية لا تمرد من المرأة ولا تسلط من الرجل لا يجوز أن تتمرد المرأة على رجلها وعلى زوجها , وتضع هموم بيتها وراء ظهرها ولا يجوز للرجل أن يتسلط على زوجته إن الأسرة وإن البيت لا ينفع معه الحياة البوليسية أو الحياة القانونية الصارمة إنما كما قال القرآن , { وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.

لا تسلط من الرجل ولا تمرد من المرأة وبعد ذلك أيها الأعزاء أنا لست من رجال السياسة لكنني أقول ما أرى وما أحس به أن قضيتنا الفلسطينية تدحرجت كثيرا، تتدحرج في كل بضع سينين كانت إسلامية تهم جميع المسلمين قطعة من ارض الإسلام قطعها اليهود فهي قضية المسلمين تهم جميع المسلمين لأن الخطر على وجه الأرض ليس مقصورا على الفلسطينيين وحدهم لكنها بإيجاز أيضا تدحرجت حتى أصبحت قضية عربية ورفعت أناسا وخفضت آخرين وأحيت أقواما وأماتت آخرين واقترب منها الخائن والأمين ثم تدحرجت وأصبحت قضية فلسطينية وانتم تعلمون ما يجري حتى في هذه الساحة عندما وصلت إلى هذه الدرجة، الذي أخشاه أيها الإخوة الأعزاء أن تتحول هذه القضية إلى قضية إنسانية بحتة، الناس جائعون الناس يريدون أن يأكلوا , الناس عراة وعندئذ يهب الأجواد والكرماء من كل مكان يقدموا العون إلى هؤلاء المساكين لهؤلاء الجياع ألا ترون إلى أن تصريحات العدو تتطابق مع تصريحات الآخرين الكل يقول لن نسمح بكارثة إنسانية , لكن لا أحد يقول إنما نريد أن نعيد الحقوق إلى أصحابها لن نسمح بكارثة إنسانية , لن نسمح بأزمة إنسانية هذا أمر خطير وأنا أوجه ندائي إلى جماهير المسلمين في هذا البلد والقوى العاملة والمجاهدة أن تحذر وهناك شباك تنصب لكل العاملين وهناك خطط تحاك أيها الإخوة لتصفية هذه القضية لا سمح الله وان تتحول من قضية تحرر وطني إسلامي إلى قضية إنسانية ،قوم جائعون لا بد أن يشبعوا وعراة لابد أن يكتسوا, وكما تعرفون انتم أيضا إنهم يمررون علينا كل بضع سنين كما قلت اصطلاحات جديدة عندما دخل اليهود إلى قطاع غزة والضفة الغربية في سنة سبع وستين كنا ما زلنا نقول قطاع غزة والضفة الغربية والأرض المحتلة اصطلاح على فلسطين التي أخذها اليهود من قبل لكن بمرور الزمن فنحن اليوم نقول الأرض المحتلة وإسرائيل هذه اصطلاحات خطيرة جدا على الذهن العربي والذهن المسلم والفلسطيني يجب أن نحذر وان نتنبه كيف نحذر وكيف نتنبه؟ يجب أن نتحرر من مشكلتنا الأبدية من انحيازنا لأنفسنا ولذواتنا وقديما قال أجداد العرب تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها علينا أن نحدد أهدافنا ورؤانا وان نصبر عليها حتى يفتح الله بيننا وبين أعدائنا وهو خير الفاتحين.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.