بسم الله الرحمن الرحيم
فيا أيها الإخوة المؤمنون، الإيمان له تكاليف وأعباء، تكاليف في المال وتكاليف في النفس، وإلا كان صورة لا معنى لها، عندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يبايعه على الإسلام واعتذر عن الجهاد وعن الصدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قبض يده الشريفة عنه وأبى أن يبايعه قال له: يا بشير كان اسمه بشير يا بشير لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة؟ لا صدقة ولا جهاد، لا تبذل المال ولست على استعداد لبذل نفسك في سبيل الله فبم تدخل الجنة؟ أيظن أحدنا ببعض ركعات أو بتقليب أوراق من المصحف أو بصلوات نافلة في الليل أو في النهار أنه بذلك تفتح له أبواب الجنة ويصبح مؤمناً، الإيمان له تكاليف وأعباء، أنا أعرف أن أكثرنا يتعلق ببعض مظاهر التدين غير المكلفة التي لا تحمله مسئولية وأعباء فهو كما قال الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } والله تعالى يقول {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } هناك تكاليف يا أخي، لابد أن يكون لديك الاستعداد لقول الحق وقول الحق قد تطير في سبيله رقاب، لابد أن يكون لديك الاستعداد للانحياز للمظلومين في وجه ظالميهم، فما معنى صلاتك؟ وما معنى صيامك؟ وما معنى تلاوتك للقرآن؟ للإيمان تكاليف وأعباء لابد أن يكون لديك الاستعداد لحملها وأدائها والله جل جلاله يقول {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } سل نفسك كم تدفع لدنياك؟ وكم تدفع لآخرتك؟ كم تبذل من جهد ومن مال لهذه الدنيا الزائلة الفانية؟ وكم تبذل من جهد من ذات نفسك ومالك في سبيل مآلك في سبيل مصيرك عند الله، إننا نفر من التكاليف والأعباء، إننا نحب التدين غير المكلف الذي لا أعباء له0
حدثتكم ذات يوم عن الرجل الذي يوقظ ولده لصلاة الفجر بسكب الماء على وجهه وسألني عن رأيي في ذلك قلت له: هذا حرص مشكور على أداء العبادة وعلى أداء الصلاة لكنني أسألك لو طلب ولدك هذا منك أن يؤدي شهادة ينصر بها حقاً ويهزم بها باطلاً أتشجعه على الذهاب لأداء هذه الشهادة أم تقول له لا دخل لك في هذا؟ قال لي: لا أقول له: لا دخل لك قلت له: فما هذا التدين الذي يحيي أمر الله في جانب ويميته في جانب آخر؟ إن الذي أمرك بقيامك بالقسط بالشهادة بالحق هو الذي أمرك بالصلاة، لكن الصلاة لا أعباء وراءها، لا كلفة فيها ما ذا تخسر؟ لا تخسر شيئاً، الإيمان له تكاليف ونحن أيها الإخوة الأعزاء نحتفل كل عام بذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معك من مكة إلي المدينة والهجرة تأكيد للحفاظ على المبدأ والعقيدة في مواجهة الواقع والمصلحة ومن الغرائب أن أكثر الناس تفريطاً في المبادئ يحتفلون بذكرى الهجرة لماذا؟ لأن ذكرى الهجرة عندهم شبح لا روح فيه هذه الاحتفالات أشباح لا روح فيها، لأن الهجرة قبل أن تكون هجرة من مكان إلى مكان هي هجرة نفس هي هجرة قلب هي هجرة عقل، غادر الخرافة والأسطورة وتشبث بالحقيقة والبرهان، هجرة قلب احتضن عقيدته ومبدأه وفكرته وضحى بماله وولده وبحياته لان ذكرى الهجرة أيضاً لا تكلفهم شيئاً إنهم يقيمون كما قلت أشباحاً بلا روح، احتفالات جامدة إن الذي يحتفل بذكرى الهجرة عليه أن يتشبث بالمبدأ والعقيدة والحق وأفكار النهوض وشروط الانتصار نحن محتاجون أيها الإخوة الأعزاء في زمن التراجع وفي زمن المساومات وفي زمن التفريط أن نقف ملياً ملياُ عند سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لم هاجر النبي؟ وكيف هاجر؟ كيف تحدث القرآن عن الهجرة أيها الناس؟ {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ } تكاليف يا أخي تكاليف، ليست تقليباً لأوراق مصحف بلا وعي وليست شقشقة ألسنة بلا ضمير وليست حركات بلا مضمون {فَاسْتَجَابَ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ } الهجرة أمل في المستقبل، الهجرة مقاومة لمشاعر اليأس والإحباط {وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الهجرة أيها الإخوة نصر في مواجهة حملات الظلم والاضطهاد {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } الهجرة نقلة من مرحلة إلى مرحلة، الهجرة صناعة لدولة الإسلام ولمجتمع المسلمين {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} لا تنس التكاليف يا أخي حتى لا تغرق في الوهم والخيال، لابد أن نتحرر من هذا الفهم البارد للدين، الدين تضحية وبذل وانحياز للحق وشهادة بالحق ومقاومة للظلم والظالمين {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } هذا هو الدين، هذا هو الإيمان، هذا الذي جعل بعضهم يقول يا له من دين لو كان له رجال، المبادئ والعقائد لا تتحرك بشكل خارق بين الناس لابد أن يحملها بشر، لابد آن تتشبث بدينك، لابد أن تتشبث بإيمانك، ولابد أن تتشبث بهذا القرآن الذي تذيعه إذاعات أعداء الإسلام والمسلمين، ولو علم هؤلاء أن القرآن لا يحرك ساكنا في ضمائر المسلمين لما أذاعوه، ما الذي يحدث أيها الإخوة؟ للإيمان تكاليف وأعباء هذا ما تؤكده الهجرة، الهجرة خط فاصل بين من يعيش لذاته وأنانيته ومصلحته ولنفسه وبين من يعيش لعقيدته ودينه ومبدأه وأفكاره وثوابته، الهجرة خط فاصل بين الثابتين والصامدين في وجه المساومات والمداهنات وبين المفرقين المنهارين {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً } هذه هي الغاية وهذا هو الهدف { وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهذه هي الوسيلة، { أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }هذه شريحة من شرائح المجتمع الإسلامي الذي شكله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد الهجرة {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } الحب أساس من أسس المجتمع الإسلامي لأن الجبهة الداخلية لابد أن تكون متينة ومتحابة، لابد أن تكون موحدة ومتآلفة لأنها جبهة رسالية ليست جبهة همل يعيشون على هامش الحياة، إنما هي جبهة مؤمنين يحملون رسالة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فلن ترضى لنفسك أن ترعى مع الهمل
الأمة الإسلامية ليست مجموعة همل يعيشون على هامش الحياة، هكذا أراد لهم أعداؤهم في الداخل والخارج، هكذا أراد لهم المستبدون الذين سلبوهم حرياتهم وكراماتهم إن الأمة الإسلامية قطعان من الأسود تسير وراء قائد فذ
ليست قطعان من الغنم تسير وراء مستبدين تافهين نصبوا عليها على حين غفلة من الزمن {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا } لا غل ولا حسد ولا حقد كل ذلك مناف للإيمان أيها الناس، طهروا قلوبكم أيها الناس، طهروا عقولكم أيها الناس، وحدوا صفوفكم أيها الناس
{ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } يؤثرون الآخرين ولو كان بهم حاجة، ربما انقطعت خصلة الإيثار بعد ذلك الجيل العظيم الذي غير وجه التاريخ، لكن بقى لك أن تحب لأخيك كما تحب لنفسك، إن كان الإيثار أن تؤثر غيرك عليك ليس في مقدورك يا أخي أليس في مقدورك أن تحب لغيرك كما تحب لنفسك { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ }هذه الشريحة الثالثة { يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } الهجرة أيها الإخوة جاءت بعد مرحلة مليئة بالعناد من الكفار والمعاناة التي لحقت بالمسلمين والمساومات التي عرضت عليهم لكنهم صمدوا في وجه كل ذلك اسمع كيف يصور القرآن طرفاً من العناد الذي ووجه به النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين يقول الله جل جلاله {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ} لاحظ هناك تكاليف {حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ } (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ) معاناة النبي، هل الإسلام وصل إليكم أيها الإخوة بعد جهاد وبعد معاناة وبعد صمود وصبر بعد نضال مرير {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } هذا هو القرآن الذي نقرأه يحدثنا كم كان يعاني النبي ومن كان معه وهم يواجهون طواغيت قريش وهذه سنة الله في خلقه أن الإيمان لابد أن يواجه الجحود والكفار، الحق لابد أن يواجه الباطل ولا بد أن يحتضن أصحاب الحق حقهم وان يقاوموا هذا الباطل حتى يفتح الله بينهم والله خير الفاتحين.
اسمع ماذا يقول القرآن وهو يصور لنا عناد الكافرين في مواجهة النبي حتى تتخيل بذهنك كم عانى النبي ومن معه
{وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ } قلوبهم في أكنة هكذا كان عنادهم وتشبثهم بالباطل {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } بالله عليكم أيها الإخوة هل تتصورون كرهاً للحق يبلغ هذه الدرجة {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } كبرياء ونرى هذا النموذج في كل زمان ومكان تحيط به براهين الحقيقة وتسطع بين يديه أدلة الحق ومع هذا يلتوي لماذا؟ لماذا تلتوي عن الحق؟ لماذا تكره الحق؟ لأنك عبد نفسك، لأنك عبد مصالحك، إن الذي يعبد الله يبحث عن الحق أينما كان، يبحث عن الحقيقة {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } أما الذين يتكبرون على الحق ولا يعرفون إلا مصالحهم ولا يعرفون إلا أنانيتهم هؤلاء هم عبيد أنفسهم وعبيد أهوائهم، هؤلاء هم خلف هذا النموذج البشع الذي يتكلم عنه القرآن وَإِذْ قَالُواْ( اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) والمنطق يقول ينبغي أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأهدنا إليه وشرح صدورنا له {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } هذا في مكة المكرمة ، تنازل قليلاً ،اقرأ القرآن يا أخي وسوف تجد آيات كثيرة في مواضع متعددة وحديثاً متكرراً عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه عن طاعة الكافرين عن الانحناء، لا تفرطوا في الحق الذي معكم، لا تفرطوا في ثوابت عقيدتكم، لا تفرطوا في مبادئكم {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } لأن ذكر الله في هذه المواطن يهون عليك المعاناة، يهون عليك المصيبة( وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } الهجرة أيها الإخوة نصر وتأييد وتضحية، الهجرة تكاليف إيمانية ونحن نحتفل بالهجرة ونتذكرها ينبغي أن نتذكر هذه المعاني الجليلة التي اشتملت عليها الهجرة المشرفة، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
كان النبي صلي الله عليه وسلم قبل الهجرة يتحرك من مكان الي مكان يبلغ كلماته ربه،ويجاهد في سبيل إبلاغها للناس أجمعين فكان يعرض نفسه علي القبائل فعرض دعوته ذات مرة علي بني عامر بن صعصعة أراد أن يدعوهم الي الدين الي العقيدة التي كلفه الله بها فتبين أن هؤلاء الناس قلوبهم ليست مهيأة لهذا الإيمان، لكنهم تجار سياسة يبحثون عن بعض الوسائل والأساليب للوصول إلي السلطة ،انظر ماذا قال النبي صلي الله عليه وسلم؟ وماذا كان موقف النبي صلي الله عليه وسلم؟ قاله له عندما عرض عليهم الإيمان: أرأيت إن بايعناك علي أمرك وأظهرك الله علي من خالفك فيكون لنا الأمر من بعدك؟ أن بايعناك علي أمرك أي آمنا بك وبايعناك ، وأظهرك الله علي من خالفك انتصرت ، أي يكون لنا الأمر من بعدك فأدرك النبي صلي الله عليه وسلم أن هذا الصنف من الناس لاتستقيم بهم الرسالة ولا ينتصر بهم دين،منطق انتهازي منافق تجار سياسة يريدون أن يتخذوا من مظاهر الإيمان وسيلة وأسلوبا للوصول الي السلطة فهم عرضوا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يؤمنوا وافقوا علي الإيمان لكنه إيمان شكلي اشترطوا عليه أنهم بعد وفاته أن يكون الآمر لهم ماذا تكون عبادة النفس إن لم تكن هذه؟ فقال النبي صلي الله عليه وسلم إن الأمر لله ليس لي ولكم ، إن الأمر لله يضعه حيث يشاء فكشفوا عن خبيئة نفوسهم وقالوا له انستهدف نحورنا للعرب دونك وتجعل الأمر لغيرنا من بعدك؟لاحاجة لنا بك، والنبي قال لاحاجة لي بهذا الإيمان الشكلي وهذا الإيمان الانتهازي،إنهم عبيد دنيا والله يقول {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } عندما عرض علي الرسول صلي الله عليه وسلم المال والجاه والسلطان إن أردت ملكا ملكناك علينا ، إن أردت مالا جمعنا لك من أموالنا ما تشاء ، إن أردت كذا وكذا... قال قولته المشهورة والتي هي درس بليغ في التشبث بالمبدأ والعقيدة أمام الإغراءات أيها الإخوة .
يا أيها المؤمنون الدنيا هذه قصيرة وتافهة ولا قيمة لها في ميزان الله حافظوا علي مبادئكم وعلي عقائدكم وأخلاقكم إياكم أن يتلجلج في صدوركم ميل لمداهنة علي حساب الحق، إياكم إن تضربوا في دروب النفاق لمن بيده القوة والسلطان هناك منافقون يغيرون جلودهم في كل مرحلة يميلون مع النعماء حيث تميل لا يهمهم دين ولا يهمهم عقيدة ولا يهمهم قرآن ولاتهمهم آخرة، هؤلاء لا ينجحون هدفا ولا ينصرون دينا ولا تستقيم بهم رسالة،عرض النبي نفسه علي قوم آخرين من بني شيبان بن ثعلبة هؤلاء كانوا أصدق من الأولين، الأولون قبلوا الإيمان لكن كوسيلة للوصول الي السلطة هؤلاء لم يقبلوا الإيمان لكنهم عرضوا الحماية فقط قالوا له عندما عرض عليهم الإسلام قالوا له: إن إتباع دينك وإن ترك ديننا زلة في الرأي وقلة نظرا في العاقبة نحن لا نؤمن بما تدعوننا إليه لكن إن أحببت أن نؤويك ،أن نحميك وان ننصرك مما يلي مياه العرب نحن لا طاقة لنا بتأييدك إلا في محيطنا مما يلي مياه البحر دون مياه كسرى لا دخل لنا خارج هذه الحدود فإننا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حدثاً ولا نأوي محدثاً وإننا نرى أن ما تدعوا إليه من الأمر ما تكره الملوك، هناك اتفاقات دوليه وهناك التزامات عليك أن تحترمها نحن لا نستطيع أن ننصرك في كل مكان إنما نحميك في هذه المنطقة فقط، لو كان النبي صلى الله عليه وسلم زعيماً سياسياً حاشاه، لو كان النبي طالب سلطة لوافق لقال: لا بأس صوت معك خير من صوت عليك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند ربه والمرسلون لم يأتوا ليكونوا ملوكاً، ليكونوا جبابرة (وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد،ذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) جاءوا ليغيروا عقول الناس وقلوب الناس لم يأت الأنبياء ليكونوا زعماء جبابرة أو سلطويين أو جباة إنما بعثهم الله هداة دعاة يغيرون عقول الناس وقلوب الناس وأداء الناس فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم رداً رقيقاً ولطيفاً قال لهم ما أسأتم الرد إن أفصحتم بالصدق أنتم صادقون وواضحون لكن الإيمان لا ينتصر بكم ثم قال لهم: إن دين الله لا ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه، إياك أن تنحني من أجل الدنيا إياك أن تذل أيها المسلم،أنا اعلم أن الإنسان له حاجات وله مطالب لكن الله سبحانه وتعالى طمأننا على الرزق وطمأننا على الأجل وأمرنا بالأخذ بالأسباب والسعي لكن لا يجوز لمسلم يعرف جلال الله وقدر الله وكمال الله ويعرف أن هذه الدنيا قصيرة وتافهة أن يساوم على مبادئه وعلى دينه، انه لا ينصر هذا الدين إلا من أحاط به من جميع جوانبه هذه بعض دروس الهجرة وسنكمل إن شاء الله في لقاءات أخرى بتوفيق الله وعونه.
بقيت مسألة أيها الإخوة هذه المسألة تتعلق بشعوبنا في المنطقة العربية ونحن منها هذه الشعوب المسكينة متى تنهض أيها الإخوة، هذه الشعوب التي تكلف بالمغارم دائماً، المغارم من نفسها ومالها وحياتها هي التي تدفع أما المغانم فإنها تذهب لأولئك،المال والجاه والنفوذ والسلطة، الغريب أيها الأعزاء إن هذا كله يتم باسم الشعب مسكينة هذه الشعوب عليها المغرم، ندفع من أنفسنا ومن حياتنا وهم يغنمون الجاه والمال والسلطان والنفوذ لقد كان الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كان أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة وهو خير الناس بعد النبي يقول لجماهير المسلمين إني وليت عليكم ولست بخيركم أطيعوني ما أطعت الله فيكم، هل فهمتم المعنى أيها الإخوة؟ ألا ترون أن هناك فرقاً بين هذا الرجل الكبير الذي يقول وليت عليكم ولست بخيركم فقد كان خير صحابة رسول الله ومن يأتينا من بعده يقول لنا إني وليت عليكم لأني خيركم ويقول وليت عليكم ولست بخيركم، يتكلم الناس عن الحصار وهو حصار بشع وشديد بلا شك حرمنا حريتنا وعطل أعمالنا واثر تأثيرا سيئاً وسلبياً على كل حياتنا لكن كيف نفك الحصار أيها الإخوة هل نفك الحصار بالوسائل التي نسمعها في وسائل الإعلام، وسائل الإعلام بالمناسبة هذه للأسف سأقولها إنها تخفض النابهين وترفع التافهين، الوسيلة التي نراها لفك الحصار هي الاستجداء لكنني أقول إن فك الحصار يبدأ من عندنا نحن، نحن نستطيع أن نفك الحصار فلنفك الحصار عن أنفسنا ولا يحاصر بعضنا بعضاً ،إذا أردنا فك الحصار فالخطوة الأولى تتمثل في أمرين، الأمر الأول أن ننهي مظاهر الفرقة والتنازع فيم بيننا كيف نطالب العالم بفك الحصار عنا ونحن نحاصر بعضنا بعضاً بالدعاية واللعنة والشتيمة والاتهام والإشاعة والقتل وسفك الدم والخطف وما شابه ذلك كيف؟ فلنكن منطقيين أيها الناس فلننه مظاهر التجزئة والتفرقة فيما بيننا لنسر خطوات حقيقية نحو توحيد الموقف وكما قلت مراراً إن عجزنا عن توحيد الصف فلنتوحد على الهدف، الأمر الثاني نتكلم عن الحصار وعن الجوع وأنا اشهد أن هناك طوائف في مجتمعنا قد أوذيت كثيرا، من العمال والتجار وأصحاب الأعمال، لحقهم أذى كبير لكن هناك أيضاًُ مظاهر ترف هناك سيارات فاخرة تركب، هنا مواكب فاخرة تمخر الطرقات، كيف نقنع الناس وكيف نقنع أنفسنا إننا محاصرون؟ إن عمر بن عبد العزيز عندما ولى الخلافة قدمت له مراكب الخلافة مجموعة خيل قال: ما هذا؟ قالوا هذه الخيل مراكب الخليفة قال: بيعوها وضعوا أموالها في بيت مال المسلمين، ولما خرج سار بين يديه رجل قال: من أنت؟ قال أنا رئيس الشرطة أسير بين يديك قال: إليك عني إنما أنا رجل من المسلمين واستطاع عمر بن عبد العزيز بهذه السياسة الأخلاقية سياسة الهداية وليست سياسة الجباية أن يحل مشكلات الأمة وان يسعد الأمة، لا تنتظروا من الأمة شيئاً ابدؤوا من أنفسكم أيها الناس لا تعتمدوا على احد غير أنفسكم ابدؤوا فكوا الحصار عن أنفسكم، انهوا مظاهر الترف ثم أزيلوا مظاهر الفرقة فيما بينكم وانظروا ماذا يفعل الله في أعدائنا فيما بعد.