بسم الله الرحمن الرحيم

ينبغي أن نكون أيها الإخوة صرحاء فلا وقت للمجاملة ولا وقت للمداهنة، ونحن جميعا نعلم أننا في واقعنا السياسي والإعلامي نتعرض لحملة ضخمة من التزييف، تزييف الوعي وتزييف الحقيقة فلنكن صرحاء ، أوضاعنا متردية وبائسة لا تسر صديقاً ولا تضر عدواً، وقضيتنا تدهورت أو كما يعبر الكثير رجعت إلى الوراء فجبهتنا الداخلية منقسمة، والتراشق الإعلامي السب والشتيمة والهجاء ما زال قائماً، ومرجع ذلك هو الأنانية الحزبية، أن المصلحة العامة نؤخرها ونقدم مصالحنا الخاصة، ما زلنا نستجدي الكل يستجدي على طريقته منا من يستجدي علناً ومنا من يستجدي سراً، العدو يطالبنا أن نعترف بحقه التاريخي في فلسطين و العجوز اليهودي بيريز يخطب أمام برلمان دولة إسلامية كبيرة ليؤكد أن القدس عاصمة أبدية لدولتهم، فيما نحن ما زلنا نصرخ ونستجدي الشرق والغرب أو ما زلنا عاجزين عن فتح معبر ومع ذلك يطل علينا من يريد أن يزيف وعينا وأن يزيف الحقيقة علينا ينبغي أن نكون قاعدة وقيادة أمناء, يكفي تزييفاً ويكفي خداعاً ويكفي كذباً، أوضاعنا متردية سمعت بعض المتحدثين في وسائل الإعلام يتكلم فكان مما قاله إن العدو يتراجع إلى الوراء منذ الانسحاب المذل والله كلنا يتمنى أن يغمض عينه ثم يفتحها فلا يجد شيئًا اسمه إسرائيل، لكن نريد أن نتناول أمورنا بجدية ومسئولية لا بتهريج وغوغاء وكذب، نحن محاصرون وما زال عدونا يزيد من سقف مطالبه ومازلنا عاجزين عن تحقيق أهداف صغيرة ما زلنا نتكلم عن ضرورة استمرار إدخال البضائع، عن ضرورة استمرار التيار الكهربائي ,المياه ,الأدوية والأغذية إلى آخر ما تعرف.

على كل حال مهما كانت الصفحة مكفهرة فإن يوم الإسلام قادم لاشك في ذلك، القرآن قرر ذلك والسنة والتاريخ وهذا الواقع لن يحل مشكلاتنا إلا بالعودة الحقيقية لهويتنا الإسلامية, لهويتنا الحضارية والثقافية أما الذين يهربون من مواجهة المشكلات ويصورون لنا الأحوال كما قال القدماء: ليس بالإمكان أبدع مما كان، هم يريدون أن يهربوا من مسئولياتهم أن الطبيب الذي يكتم المرض على مريضه إما إنه طبيب فاشل وإما إنه طبيب خبيث وخائن , لكن نرغب عن الطبيب في مهنته المعهودة أن يكون خبيثا أو أن يكون مريضاً حاشاه، فالأطباء ذوو عهد وميثاق المسئولون عن الأمة وعن الشعوب ينبغي ألا يخدعوها وألا يكذبوا عليها ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يقول:"والذي نفسي محمد بيده لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم" إن الرائد لا يكذب أهله ينبغي أن تتوقف هذه الحملة من تزييف الوعي وتزييف الحقيقة في واقعنا السياسي والإعلامي وينبغي أن نواصل جميعاً العمل الجاد والملتزم والمجتهد من أجل التغيير الإسلامي الحقيقي عقلاً وقلباً وأداءً وسلوكاً، ولذلك في لقائنا هذا سنعود مرة أخرى إلى السيرة العطرة إلى سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس وسيرة الصالحين ترطب القلوب وتهدئ النفوس وتشحذنا بالعزيمة الماضية من اجل النظام في سبيل القيم العليا وفي سبيل الحق وفي سبيل إزهاق الباطل والظلم، والحكم الصالح هو الحكم الذي يحقن دماء الناس وهو الذي يحفظ أموال الناس وهو الذي يؤمن الناس وكما قلت مراراً المسألة ليست في الشعار والله سبحانه وتعالى يقول {  لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ }القول سهل لم يقل القران لِمَ لا تقولون مالا تفعلون ,اللغة الألفاظ سهلة, الواقع شيء أخر, الشعارات لا تبني أمم ولا تحقق أهداف, نحن أمام تجربة إصلاحية رائعة تجربة عمر بن عبد العزيز, وأهمية هذه التجربة, إنها جاءت في سياق حكم استبدادي حكم حول النظام الإسلامي من خلافة وشورى إلى ملك يحصر الحكم في حزب واحد أو في أسرة واحدة ومن أهم مظاهر الاستبداد أنه يوزع منافعه بعد أن يحول الحكم إلى مغنم على من حوله ويقذف من مغارم على الآخرين كقول القائل :

  وإذا تكون كريهة ادعى بها                وإذا يحاس الحيس يدعى جنده

فكان هذا الحكم في صورته العامة استبدادياً ومظاهر استبداده في أمرين في أنه حول النظام أو أحدث تحولا كبيرا في نظام الإسلام في الحكم ,من خلافة إلى ملك وكذلك في ظاهرة أخرى أنه تعامل مع معارضيه بالعنف والإرهاق والبطش فكمم الأفواه وأعمل السيف في المعارضين ولكم أن تراجعوا تجربة عبد الله بن الزبير وتجربة الحسين رضوان الله عليه وسعيد بن جبير كلهم هؤلاء قتلوا واستشهدوا على يد ذلك النظام الاستبدادي وهو ما له وما عليه, لكن هذا النظام رغم أن الصورة العامة كانت صورة ظلم واستبداد إلا أن روح الإسلام كانت تسري في المجتمع وكم هناك علماء وفقهاء ومناضلون يقفون بين الفينة والفينة في وجه هذا الاستبداد، على كل حال الحديث أيضا يطول عن هذا العصر وعن هذا الحكم نحن يهمنا أن نقتبس بعض القبسات من هذه المرحلة المشرقة التي تمثل ثمرة من ثمرات محمد وشعاعاً من أشعة الإسلام العظيمة ممثلة في عمر بن عبد العزيز اذكر وأنا لا استطيع أن أتجاوز هذه الرواية لأضعها أمام كل المسئولين في زماننا هذا وبالأخص من ينتسبون إلى الدين والإسلام دخلت  عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك فوجدته يبكي فقالت له: يا أمير المؤمنين ما بك ما الذي يبكيك فقال لها عمر رضوان الله عليه يا فاطمة ويحك إني وليت من أمر هذه الأمة ما وليت , فتذكرت الفقير الجائع والمريض الضائع والغازي أي المجاهد المجهود والأرملة الوحيدة واليتيم المكسور والمظلوم المقهور والغريب والأسير والشيخ الكبير وذا العيال الكثير والمال القليل وعلمت أن الله سائلي عنهم جميعا وان خصمي دونهم محمد فخشيت إلا تثبت لي حجة فرحمت نفسي فبكيت.

استقصاء عجيب جدا لشرائح المجتمع الذي ولي عليه ليس هناك تفكير انتهازي أو تفكير حزبي أو تفكير نفعي شنيع على كواهل هؤلاء إلا أبكى الرجل أبكي من للفقير؟ ومن للمريض؟ من للأرملة؟ ومن للمظلوم ؟ومن للغريب؟ ومن للأسير؟ وبعد ذلك قال وأمثالهم كثير في الأرض , سال رجل عن عصر عمر بن عبد العزيز وهذا الرجل هو حفيد أبو بكر الصديق القاسم بن محمد بن أبي بكر قيل له كيف كان عصر عمر بن عبد العزيز انظر إلى هذا الجواب قال ذاك يوم أصبح ينطق فيه كل من كان لا ينطق, عصر عمر بن عبد العزيز يوم ينطق فيه من كان لا ينطق في إشارة إلى إن العصر الذي جاء في سياقه بن عبد العزيز كان يكمم الأفواه كان أهل هذا العصر يحبسون كلماتهم في صدورهم , تضيق صدورهم ولا تنطلق ألسنتهم , لأنهم في حكم إرهابي استبدادي يخافونه, حرية الكلمة أن تنطق بكل ما يهجس به ضميرك أن تقول كلمتك غير خائف على يومك ولا غدك هذه إمارة الأمة المنتصرة هذه إمارة المجتمع المؤهل لدورة الحضارة المجتمع الذي يحبس أهله كلماتهم في صدورهم وتضيق صدورهم بها ولا ينطقون، كيف سيواجه عدوه هذا المجتمع المهزوم وجدانيا الذي كسر وجدانه وسحقت مشاعره وأهينت كرامته ،هذا المجتمع الذي يضطر أن يكون جبانا كيف سيحقق أهدافه الكبرى، هذا يوم ينطق فيه كل من كان لا ينطق، الأفواه المكممة نطقت وتحركت بالحق , يقول عمر بن عبد العزيز وهو يعبر عن أمنيته عن أمانيه يقول وددت لو عدلت يوما واحدا، ثم توفى الله نفسي، أماني الكبار كبيرة أيها الإخوة ،وأماني الصغار صغيرة، الذي يرى أن الحكم مغنم أمنيته محصورة في هذا الهدف الصغير، لكن الكبار تتعلق قلوبهم ومشاعرهم بالأفاق العليا، وددت لو عدلت يوما واحد ،انظر إلى هذه الأمنية ،ثم توفى الله نفسي، وينظر إلى رجل اسمه عمرو ابن مهاجر ويقول له يا عمرو يا عمرو إذا رأيتني ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي ثم هزني ثم قل لي ماذا تصنع.

يرسخون الشجاعة في نفوس الناس، أتعلمون الناس الذل والجهل والخوف والرعب؟ وهذه نقلة بعيدة نقل الناس إليها الخليفة الراشد الخامس قارن بين كلامه إلى عمرو ابن مهاجر إذا رأيتني ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي ثم هزني ثم قل لي ماذا تصنع ،وبين ما قاله سلفه عبد الملك ابن مروان عندما قال في بيانه الشهير من قال لي اتق الله قطعت عنقه ،نقلة بعيدة0 العدل قيمة عليا في الإسلام ،كيف كان يتعامل عمر ابن عبد العزيز مع المظالم  ؟كيف ،هل ينام قرير العين أم انه يتابع مظالم الناس؟ ليس هذا فقط بل كان يرصد مكافئات لمن يبلغه عن مظلمة من مظالم الناس كما يرصد الاستبداديون مكافئات لمن يتجسس لهم عن أخبار الناس، كان عمر يرصد المكافئات لمن يبلغه مظلمة من مظالم الناس انظر إلى هذا النص وهو يقول في موسم الحج يقول: أيما رجل قدم علينا بمظلمة أو أمر يصلح شانا من شؤون الدين خاصا أو عاما فله ما بين مئة دينار وثلاث مئة دينار هذه التفرقة بين المكافئات لها علاقة بطول السفر من جاءنا من مصر غير من جاءنا من البصرة والعراق المهم انه يشجع الرأي العام على تتبع المظالم لا يبقى في مجتمعه مظلمة .

بعث إليه واليه على البصرة أرسل إليه رجلا اغتصبت أرضه واحد من المهرجين الظلمة الإرهابيين استولى على أرض هذا الرجل فالوالي أرسله إلى عمر ابن عبد العزيز قال له اذهب إلى الخليفة فذهب إلى الخليفة فرد له أرضه ثم قال له كم أنفقت في سفرك هذا من البصرة إلى المدينة كم أنفقت قال يا أمير المؤمنين إني لا أريد شيئا أني أخذت ارضي فقال له لقد رددنا عليك حقك ولك حق آخر نفقتك في السفر من البصرة إلى المدينة وأعطاه ستين درهما كتعويض عن نفقات سفره كانت له نفس تكره البطش والإرهاب والعنف بعث إليه واليه في خراسان وهو يقول له إن الناس عندي يحبون الفتنة وان الناس عندي يحيون حياة البطر وان الناس يمنعون من حق الله وأنا أريد أن أخذهم بالسيف فما رأيك فقال له الخليفة المثقف العالم المؤمن وهذا مفتاح شخصية عمر بن عبد العزيز الثقافة الوعي والإيمان انظر ماذا قال له انظر إلى هذا الرد العجيب هو قال أن الناس يحبون الفتنة ويعيشون حياة بطر والخ.

قال له العلامة عمر بن عبد العزيز: أنت أحرص منهم على الفتنة، أنت فتان وهذه اذكرها بقول الله تعالى{وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا}ْ.

أنت أحرص منهم على الفتنة ،لا تضربن رجلا مؤمنا أو معاهدا من أهل الكتاب سوطا إلا بحق واحذر القصاص، واعلم انك صائر إلى من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنك تقرأ كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها, هذا هو مفتاح شخصية الزعيم المؤمن، الثقافة الوعي العلم والإيمان يرتبط قلبه بالآخرة ،ويربط قلوب رعيته، ولا عجب من زعيم يرفع شعار دولته وهو الهداية وليس الجباية نحن هداه لسنا جباه، نحن هداة نريد أن نغير عقول الناس وسلوك الناس وثقافة الناس نريد أن ننتقل بالناس من مرحلة إلى مرحلة واستغفر الله لي ولكم.

جميل أيها الإخوة أن نعود للتاريخ واحمد شوقي يقول :

وإذا فاتك التفات إلى الماضي                     فقد غاب عنك وجه التأسي

فقدت العبرة وفقدت العظة، لكني وجدت أناسا يعودون إلى التاريخ ليبحثوا عما يصوغ أخطاءهم أو ما يصوغ بعض المآسي التي يقعوا فيها، فإذا حدث اقتتال أو حدث ظلم أو حدث قهر في مجتمع الإسلام ،عادوا للتاريخ ليقولوا لنا أن الصحابة اقتتلوا، حصل قتال في يوم كذا وكذا، ويحك!! أن الأمم يا أخي تنظر إلى الوراء إلى التاريخ لتتجنب المآسي التي وقع فيها أسلافها وأجدادها لا لتأخذ من مآسي السالفين مبررا لمآسي المعاصرين هذا غير مفهوم أبدا هذا كما أقول أنا اعتذار سمج وعندما تقاتل الصحابة في معركة الجمل أو في صفين هل كان قتالهم سنة مؤكدة حتى تحييها أنت؟ ان قتالهم كان خروجا عن القاعدة  {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } فينبغي أن تفهم الأسباب التي دفعتهم للقتال هناك وأن تتجنب ما دفعهم للمواجهة لا أن تجعل من فعلهم عذرا لك واعذروني أيضا أنا أحب الأدب وأحب الاستشهاد به فأحمد شوقي أيضا يقول بيتا معبرا يقول :

إذا أراد الله اشقاء القرى                      جعل الهداة بها دعاة شقاق

جعل الذين من المفروض أن يكونوا دعاة هداية هم دعاة الفرقة والانقسام هذه مصيبة إذا أصيب بها المجتمع، إذا المجتمع أصيب في طلائعه ورواده ومثقفيه ويقول أيضا:

إذا كان الرماة رماة سوء                      أحلوا غير مرماها السهام

بدلا من أن تتوجه سهامهم الوجهة الصحيحة أحلوها في مواقع أخرى فيا أخي لا تعتذر لما حدث في الماضي بل يجب أن يكون ما حدث في الماضي عبرة لك ليس عذرا، ما الذي يحدث؟ هذا مقياس على غير مقياس اختلفوا متأولين كما يقول أهل السنة والجماعة الكل يقول ان الحق معه، والكل ينطلق من مصلحة الأمة مصلحة الدين ليس من مصلحته الشخصية هل يجوز أن يقتتل الفلسطينيون؟ أو أن يقسو بعضهم على بعض؟ أو أن يقتل بعضهم بعضاً؟ واليهود على بعد أمتار هل يمكن أن نقيس هذه الحالة حتى على الحالات الأخرى؟ لا يا أخي العزيز.

من الأقوال المأثورة التي أتمنى أن تفهموها وتحفظوها يقول القدماء (ان من البلاء أن يكون الأمر لمن يملكه لا لمن يبصره) أن يكون الأمر لمن بيده القوة والسلطة والعنفوان لا لمن يفهمه، طبائع الاستبداد تقضي بأن تبتعد الكفاءات وأن يقرب أصحاب الولاء، لا يعتمدون على الكفاءة إنما يعتمدون على الثقة فمن البلاء الذي يصيب الأمم أن يكون الأمر اما في يد أسرة حاكمة أو حزب يحكم بأمره أن يكون الأمر لمن يملكه لا لمن يبصره لمن يحكم لا لمن يفهم , هذا معنى الكلام نريد أن تتقدم الكفايات نريد أن نتحرر من ولائنا الحزبي نريد من يخدم المحاور الأساسية في حياتنا، الله والوطن والإنسان , الإسلام والمجتمع والوطن، هذه المحاور التي تدور حولها أهدافنا إسلامنا ووطننا وإنساننا فمن تقدم لحماية هذه الأهداف والعمل من أجلها فهو ولينا ونحن أولياؤه أما من دار حول نفسه وحزبه ومصالحه فأنا أعتقد أن كل بداية لها نهاية ، أمر صغير جدا وأختم حديثي أيها الإخوة  ،ينبغي ألا نخلط كما يفعل بعض الخبثاء بين الإسلام وبين مطبقيه ،هناك من يطبق الإسلام بطريقة سيئة أو غبية أو حمقاء ويسيء إلى الإسلام, الإسلام شيء وحملة الإسلام شيء آخر يجب أن يحاكم حملة الإسلام بناء على مقررات الإسلام أما نتخذ موقفا من الدين نفسه كما سمعت من يقول والله أنا اكره أن أصلي في المسجد ،والله أنا أصبحت أشك في كذا وكذا ،لا يا أخي العزيز الإسلام هو حجة على الناس وليس هناك من هو حجة على الإسلام .