بسم الله الرحمن الرحيم

فنحن في شهر الصيام والقيام والقران, في شهر التوبة وفي شهر المحبة والرحمة وإصلاح ذات البين, في شهر الجد والالتزام والتجديد التجديد للعقل والروح والنفس والسلوك ,هذه بعض خصائص هذا الشهر, لكن لماذا أراد البعض أن يكون هذا الشهر شهر الطعام والخصام؟ أن يكون هذا الشهر, شهر الأكل والمتع والتسلية واللهو والخمول والنوم والاستسلام للعادات. إنّ الله أراد منا في هذا الشهر أن نتحول إلى خلق آخر, أن نرتفع بمستوياتنا العقلية, ولذلك أنزل المعجزة العقلية القران في هذا الشهر, أن نرتفع بمستوياتنا الروحية والسلوكية ,أن نتعامل مع هذا الشهر بما يليق به, أيها الإخوة, الالتزام الأخلاقي والسلوكي والانتفاع كما قلت بمستوياتنا العقلية والروحية والسلوكية, فيكون شهر صيام وقيام ومحبة وإصلاح لذات البين ,لا شهر خصام وطعام ومتع.

                      هذا إفساد وتخريب ما تقوم به وسائل الإعلام في عالمنا العربي العزيز, هو تخريب وإفساد ما تتحكم به فينا كثير من العادات الفكرية ,هو أيضا إصرار على أن نبقى على ما نحن عليه من فساد وخراب وضلال فكري وسلوكي. هذا موسم التجارة مع الله ,هذا موسم العودة إلى الله ,موسم التوبة والأوبة ,موسم البشريات, يقول الله في الحديث القدسي" ياا بن ادم انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي " . الدعاء والرجاء انك ما دعوتني ورجوتني باا بن ادم لو بلغت ذنوبك عنان السماء, ثم استغفرنني لغفرت لك , يا ابن ادم لو انك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة .

إما تفترون هذه البشريات, بان نطير إلى الله بأجنحة من الشوق والعبادة والالتزام ثم أيها الإخوة الأعزاء, هذا الشهر المبارك على مدار تاريخنا المديد, شهد أحداثا كبرى لم يكن المسلمون فيه كسالى ولا خاملين, شهد انتصار بدر الذي فرق بين الحق والباطل, فكانت المواجهة المسلحة الأولى بين عسكر الإيمان والإسلام وبين عسكر الطاغوت والكفر, في هذا الشهر كان فتح مكة وصُفبت جيوب الوثنية والشرك وأعليت راية التوحيد راية الإسلام, راية لا اله إلا الله ,وبعد ما يقرب من ثمانين سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى, كان فتح الأندلس اسبانيا, وصل الإسلام إلى هناك بعد اقل من ثمانين سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكان في رمضان , وفي رمضان كانت المعركة الشهيرة بين الفرنجة والمسلمين في الأندلس معركة الزلاقة, وكان القادة قادة المعركة من المسلمين يوسف ابن تاشيفين والمعتمد ابن عباد, عندما هدد قائد الفرنجة بأخذ قرطبة واستعان المعتمد ابن عباد بأخبه ملك المغرب يوسف ابن تاشفين, لان جيوش الفرنجة كانت ضخمة فاستعان بأخيه يوسف, فوزراء المعتمد خوفوه من يوسف ابن تاشفين, خشية أن يطمع في ملكه ويضم الأندلس إلى المغرب, خوفوه قالوا له كيف تستعين بيوسف ابن تاشفين, هذا سيطمع فيك ويأخذ ملكك, فقال الرجل قولته المشهورة- حتى يعرف أذناب الغرب وحتى يعرف أتباع الكافرين- قال المعتمد ابن عباد :

والله لان أرعى الجمال في الصحراء, خير لي من أن أرعى الخنازير , أكون تابعا ليوسف ابن تاشفين, ولا أكون أسيرا عند ملك من الفرنجة, لكن وانتصر المسلمون في المناسبة انتصارا عظيما بعد أن ابلو بلاءا حسنا في هذه المعركة, وكان من أحداث شهر رمضان المهمة معركة عين جالوت, وهي بلدة فلسطينية بالمناسبة والتي هُزم فيها التتار" الجيوش المتوحشة" التي غزت شرقنا الإسلامي وهزمهم القائد المظفر قطز, كما تعرفون ذلك ,كل ذلك كان في رمضان فلم يعرف المسلمون الكسل والخمول والنوم, إنما كان شهر تجديد وثورة وتغيير وارتفاع بالمسلمين على كل المستويات أيها الإخوة العزاء, لكنّ الحدث الأكبر في هذا الشهر الذي ينبغي أن نقف عنده هو نزول القران الكريم الذي خصّ الله به هذا الشهر, فكان الصيام والقران مرتبطين {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وهناك ارتباط بين الصيام والقران حتى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم في حديث له يقول :-"الصيام والقران يشفعان للعبد يوم القيامة, أما الصيام فيقول ياربّ منعته الطعام والشهوة فشفعني فيك ويقول القران يا رب منعته النوم بالليل, فشفعني فيك فيشفعان ", لكن كبف أتعامل مع القران أيها الإخوة بعدد الختمات التي نختمها في رمضان بترتيل الكلمات؟!  آم أنّ هناك أمرا آخر. ينبغي أن نوقر القران فيه, وان نتعامل فيه مع القران,إنّ الله لم يقل لنا اقرؤوا القران هكذا قراءة عابرة أو تلاوة مجردة, إنّما قال تعالى{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }.

إذن هنا عملية عقلية عملية, وعي وانفتاح عقلي وقلبي على آيات الله, ليست تلاوة مجردة ولا قراءة عابرة, يا من تحرصون على ختم القران بلا تدبر! لابدّ أن نفتح عقولنا وقلوبنا, وما معنى قوله تعالى{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }. أولو الألباب أولو العقول, إنّ روح القران في معانيه, وعندما تقرا معاني القران, قلبك فلا ينفتح عليها, أو تقرا معاني القران عقلك فلا يتفاعل معها, إنّما هي حركة لسان فحسب, فهنا مشكلة كبيرة أيها الإخوة, يقول الله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }. هذا القلب الذي لا ينفتح على الآيات, هذا العقل الذي لا يتفاعل مع البيان الإلهي ,{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً }. أن تقرا معاني القران قلبك وعقلك ثم لا يتفاعل العقل ولا ينفتح القلب ,إنما يحسب مرات الختم في شهر رمضان ,أنا ختمته خمس مرات , أنا ختمته عشر مرات, ماذا فعلت به ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "لان تغدو فتعلم أية من كتاب الله فتعلم- أن تتعلم- لان تغدو فتعلم أية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مئة ركعة" لا قيمة للتدين البارد ,لا قيمة للتدين الشكلي الوقاف عند الحروف, الوقاف عند الرسوم الخارجية. اسمع لان تغدو فتعلم أية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مئة ركعة ولان تغدو فتعلم بابا من أبواب العلم عمل به أو لم يعمل, خير لك من أن تصلي ألف ركعة, هذا هو الإسلام ,هكذا التعامل مع القران لا شكلية ولا حرفية, إنما هو تدبر إنما هو إعمال للعقل, إنما هو تغيير وتجديد للحركة الدائبة يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير فهو أجود من الريح المرسلة, وكان أجود ما يكون في شهر رمضان, حين يلقاه جبريل, وكان بلقاه جبريل في كل ليلة من ليلي رمضان فيعرض عليه القران, وفي رواية فيدارسه القران مدارسة, كان يقرا النبي تارة ويستمع جبريل, وكان يقرا جبريل ويستمع النبي صلى الله عليه وسلم, إذا هي مدارسة ليست حفظا للحروف ولا ترتيلا للكلمات ولا تلاوة مجردة ولا قراءة عابرة, إنما هي تدبر ودراسة وانفتاح على معاني القران, لتعرف ماذا يريد الله منك.

                          إنّ المسلمين عليهم أن يعرفوا عظمة كتابهم, الذي شرفهم الله به, والذي أعزهم الله به, ماذا كانت امة العرب قبل أن يأتيها القران؟ ماذا كانت؟ لقد كانت امة على هامش الدنيا ,منْ الذي أحيا مواتها الأدبي ومواتها العقلي ومواتها الحضاري؟! هذا هو كتاب القران إنّه القران {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }. من ظلمات الجهل وظلمات الخرافة وظلمات التخلف وظلمات الطغيان والبغي إلى النور ,كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ,هذه الأمة ظلت ببركة القران العالم الأول لالعدة سنين بل لعدة قرون, العالم الأول في دنيا الناس لبركة هذا القران, الذي أيقظ عقولهم وأرواحهم وقلوبهم, لكن كما قال القران الكريم {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }. انظر إلى هذه السورة العجيبة تخيل قلب عليه مجموعة من الأقفال ليست أقفال حديد, إنما هي أقفال شهوات الحياة الدنيا, إنما هي شهوات, الحقد قفل والطمع قفل, والغش قفل , الكذب, التفرقة, قطع الأرحام, المعاصي, قفل وراء قفل هذا الذي يحول بيننا وبين تدبر القران الكريم ,الأقفال التي تغلق هذا القلب, فان تحرك اللسان لاقيمة لهذه الحركة لا قيمة, بل ينبغي  أن ينفتح هذا القلب وتنزع هذه الأقفال ,أقفال الكراهية والحقد والانتقام والثار والتعصب والجهل والتخلف, ونتفاعل بعقولنا وقلوبنا مع كتاب الله {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}.

من أراد الهداية ففي القران الهداية, إن هذا القران يهدي للتي هي أقوم , للتي أقوم عقيدة وشريعة وسلوكا وأخلاقا, هداية القران لا تحصى, ومن أراد الحق ففي القران أمله وبغيته {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ }. من أراد العزة فالعزة هنا في كتاب الله, من كان يريد العزة فالعزة لله جميعا. القران هدى ونور وحياة{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }. أنا لا اعرف بحمد الله اليأس, وكلي أمل في الله ورجائه, لكن أحيانا أشعر باليأس يدخل قلبي, كل ما رأيت نائما أو خاملا أو بليدا. أيها الناس إن نام الناس جميعا, فلا ينبغي أن ننام, إن عاش الناس في غفلة, لاينبغي أن نغفل والسكين على أعناقنا ونحن محاصرون كما ترون ونعيش المحنة الداخلية والمحنة الخارجية ,لكن كل ذلك يمكن أن يزول ,إذا اشتدت عزيمتنا وصدقت نياتنا وتطهرت قلوبنا {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }. الا دون أن نعيش في ظلام, يوم حال بيننا وبين القران, اخذوا منا روحنا.... اخذوا منا هدانا أيها الإخوة الأعزاء...... هذا كتاب الكون ,هذا كتاب الملك ,هذا كتاب الدنيا, هذا كتاب الحياة كلها. انظر كيف يربط القران, أو كيف يتحدث الله عن نفسه في القران, قال أنا الذي أنزلت القران, وتارة يقول أنا الذي خلقت هذا الكون, فهناك ربط كما هو واضح بين الكون وبين الآيات الكونية وبين آيات الله المقروءة {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }

ماذا قال بعد ذلك قال {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً }  {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } ثم يقول  {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } ويثني الله على نفسه بخلق الكون وما فيه من عظمة وجلال، ويثني على نفسه بإنزال هذا القرآن, وفي هذا إشارة إلى أنّ هذا الكون لا يصلح الا بهذا القرآن، هذا الملك لا يهتدي الا بهذا القرآن إن غاب عنه القرآن فسد، إأن غاب عنه القرآن, تحققت نبوءة الملائكة عندما قالت { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} وكما أن القرآن كتاب الله المقروء, فانّ هذا الكون كتاب الله المنظور {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }  {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ثم {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } فهو خالق الكون، وهو منزل القرآن، هو يستحق الحمد لأنه أنزل القرآن، ويستحق الحمد لأنه خلق الكون وما فيه, {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } ينبغي أن نعرف عظمة كتاب الله أيها الإخوة {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } إنّ آيات العبادات محدودة في القرآن, الوضوء، الصلاة، الصيام لكن عمّ يتحدث القرآن؟ يتحدث عن الفلك وعن السموات والأرض وعن الشمس وعن القمر وعن النجوم وعن البحار وعن الأنهار وعن الحديد  { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } وعن النباتات وعن الفلك، ما موقف المسلمين من ذلك؟ ما موقف المسلمين من كل ذلك, الذي تحول التدين عندهم إلى همهمة، بتمسك بجملة من الأشكال، لم تحدث القرآن عن الكون؟ ما علاقة المسلمين بعلم الفلك؟ ما علاقة المسلمين بالعلوم الكونية؟

لاحظ معي أمر آخر, عندما أراد الله أن يؤكد ربانية القرآن وكرامة القرآن وعظمة القرآن أقسم على ذلك بم أقسم أيها الإخوة؟ أقسم بآياته الكونية فقال جل جلاله {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } اقسم بمواقع النجوم ,ولعلماء الفلك أحاديث مذهلة في الحديث عن السنين الضوئية وفي الحديث عن المسافات بين الكواكب وما شابه ذلك {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ } فأقسم بالكون واقسم بأبعاده وبما فيه من دلائل على وحدانيته هذه واحدة، هناك فسم ثان{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ } أنتم لا تعرفون كل شئ، انتم تعرفون شيئاً وغابت عنكم أشياء {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } أيضا بالكون أقسم، بأبعاد الكون أقسم، بآيات الكون أقسم {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ } للأسف إيمانكم قليل رغم هذه الآيات {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} ثم أقسم قسما ثالثاً فقال  {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ } وفي الحالات الثلاثة أقسم على عظمة القرآن وعلى شرفه وعلى كرمه وكرامته وربانيته بآيات كونية ,وكأنه يقول لنا: أنتم يا أتباع القرآن لا ينبغي أن تكونوا متخلفين في معرفة هذا الكون وفي الإحاطة بما فيه، أنتم يا أتباع القرآن لا ينبغي أن تكونوا عالة على الآخرين, الذين لم تنزل عليهم هذه الآيات، لم تنزل عليهم هذه الآيات ومخروا عبار البحر ووصلوا أعباق الأجواء وصنعوا لنا أدويتنا وطعامنا وشرابنا وملابسنا وسلاحنا الذي نقاتل به ونتقاتل به. هذا هو القرآن الكريم أيها الإخوة حياة ونور وهداية، هل نقبل على القرآن بهذه الروح، هل نجعل من هذا الشهر فرصة مناسبة للتعاهد مع الله ,أن نقرأ القرآن وأن نندفع كما قلت بعقولنا وأرواحنا وسلوكنا إلى المستوى الذي أراد الله أن يرفعنا إليه, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

                       فالسبيل أمامنا واضح وبين أيها الإخوة, قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة, السبيل بيّن, إن أردنا مواجهة التحدي الذي يواجهنا, وإن أردنا أن نخرج مما نحن فيه فأمامنا ثلاثة أمور الأول ,أن نحقق شخصيتنا وهويتنا الإسلامية ,الإسلام شخصيتنا المعنوية, الإسلام هويتنا الحضارية , الإسلام عقيدتنا وشريعتنا ونظامنا, بغير ذلك نكون مائعين, نذوب في هؤلاء مرة وفي اؤلئك مرة {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ }. التحقق بالشخصية الإسلامية والهوية الإيمانية, كذلك لابد أن نتحرر من تبعيتنا ومن إلحاقنا بالآخرين, إننا امة لها رسالة امة رائدة, فلا ينبغي أن نكون ملحقين بالآخر تابعين له, قال الله تعالى {وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }.

ولا بد أن نحقق عزتنا وكرامتنا التي أشار إليها القران في قوله تعالى {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ }.

هذه أمور أن تحققنا بها أيها الإخوة, بدأنا السير على طريق النجاح ,كم شعرت بالخجل وأنا اسمع أخبار العدو, وهو يعلن عن تشكيل لجنة لتحقق في استشهاد الشهيد صلاح شحادة -عليه رحمة الله -ليروا ماذا حدث فيما قاموا به من تجاوز وخرق قانوني, والشهيد عليه رحمة الله استشهد منذ خمس سنين وما زالوا يحققون ويبحثون, لا تقول لي أنهم كاذبون, لا تقول لي إنهم دعائيون, ليكن, لكن هذا ما يلقى على مسامعنا هناك لجنة يشكلها العدو لتحقق في خروق قانونية وفي تجاوزات حصلت, فهل يمكن أن نشكل هذه اللجان في ديارنا , ألم يسقط أبرياء؟ّّ , ألم يسقط أطفال؟ , أين هذه اللجان يا قوم؟! ثم تنتظرون أن ننتصر عليهم..... بالعنتريات.... والشعارات..... والخطابات كخطابات هذه ....لا أيها الإخوة, هنا قوانين... هنا سنن والحمد لله أنّ فقهاءنا كانوا في قمة الوعي, وهم يقولون أنّ الله ينصر العدل ولو كان كافرا على الظلم ولو كان منتسبا للإسلام, يشكلون لجنة لتحقق في تجاوزات قانونية صاحبت عملية خطيرة رهيبة استشهد من خلالها الشهيد الكريم صلاح شحادة- عليه رحمة الله -ونحن أذن من طين وأذن من عجين كما يقولون, لماذا ألم ينزل علينا كتاب القسط والعدل؟ّ من أولى بالعدل والقانون؟ّ من يجبر خواطر الثكلى؟ّ من يجبر خواطر الآباء المكلومين؟! ليس هناك إلا العدل أيها الإخوة, فهل نطمع أيضا أن تتشكل لجان لترد المظالم.... لتنصف المظلومين..... لجان تحقق منْ الذي اعتدى على الأبرياء والأطفال؟ لقد روعنا بمقتل أطفال أبرياء, أين قضيتهم؟! أين ملفهم؟! من الذي سيحقق في كل ذلك أيها الإخوة الأعزاء؟! يحققون أيها الأعزاء في تجاوزات قانونية صاحبت حالة من حالات الحرب إن شئنا. أيها الإخوة الأعزاء مسالة أخيرة أريد أن أتحدث عنها, أريد أن أتحدث عن علاقة الأحزاب بالمساجد, الأحزاب التي أفسدت وما أصلحت, هذه المساجد أيها الإخوة لكم انتم, للأمة تلتقي فيها وتجتمع فيها إنها جوامع, ليست بؤر صراع, إن أعداءنا أدركوا, أن المسجد هو الجدار الأخير لوحدة الأمة, فلابد من هدم هذا الجدار. في العدوان الثلاثي على مصر لم يجد جمال عبد الناصر مكانا ليخاطب فيه الناس والجماهير ليحثهم على الصمود إلا منبر جامع الأزهر, المساجد في الثقافة الإسلامية جوامع وعوامل الوحدة, ليست بيئة للترويج الحزبي. إنّ الإسلام منع الإعرابي صاحب الناقة, أن يسال عن ناقته في المسجد ,فكيف نسمح لغير الأحزاب أن تجعل من المساجد مجالا للترويج الحزبي والدعاية الشخصية؟!إأن المسجد يجب أن يكون وسيلة وحدة, يجب أن يكون منارة للعلم والوحدة والعبادة.

             ما زلت اذكر الرواية التي يذكرها التاريخ لهارون الرشيد ,عندما اقسم أو عندما طلق زوجته وقال لها أن بتِ في مملكتي فأنت طالق! وكان يملك الرجل المشرق والمغرب, كان يخاطب السحاب يقول للسحابة أمطري حيث شئتِ فان خراجك آت إليّ, فلما قال لزوجته أنت طالق أن بتِ في مملكتي, أين تذهب المسكينة فذهبت إلى فقيه مستنير, سألته قالت له: لقد اقسم عليّ هارون يمينا عجيبا وقال لي أنت طالق أن بتِ في مملكتي ,فأين أبيت ومملكته كما تعرف المشرق والمغرب؟ قال لها لا عليك نامي في المسجد الذي بجوار المنزل" وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا". أفلا تستحي الأحزاب إذا كان المسجد لم يكن من نصيب هارون الرشيد أفيكون من نصيبكم؟! أيها الأحزاب حيدوا المساجد...... ابتعدوا عن المساجد..... علقوا إعلامكم وأوراقكم على مقراتكم الحزبية وعلى مكاتبكم السياسية, لماذا تقتحمون مساجدنا ؟!ولماذا تحولون مساجدنا إلى بؤر صراع والى بؤر دعاية وترويج ؟!عودوا إلى مكاتبكم ومقراتكم واتركوا بيوت العبادة للناس للوحدة والعلم ,إن كنتم مخلصين للوطن والدّين, فابذلوا جهودكم في توحيد الصفوف, ضحوا في سبيل الناس ولا تتقاتلوا مع من مزّع ورقة من أوراقكم!!!! أنكم عبيد ذواتكم, إنكم خدم أحزابكم..... اتركوا المساجد لله.... أننا نناشد القائمين على أمر المساجد وعلى أمر الناس, أن يصدروا أوامر واضحة وصارمة, لإنزال هذه الرايات التي تفرق ولا تجمع وتهدد ولا تصون, أن يصدروا أوامر صارمة بإخلاء المساجد من كل الأوراق الحزبية والشعارات الحزبية وليكن المسجد مؤسسة من مؤسسات الأمة.

                            على الأحزاب أن تستحي وان تذهب إلى ميادين عملها الحقيقي, أم أنها لا تجد أمامها إلا مؤسسات المساكين من الناس, المساجد التي يذهبون إليها ليعبدوا الله فيها فيفسدوا عليهم عبادتهم, لا خير منهم ولا هم كفانا شرهم أن هذه المساجد أيها الإخوة كما قلت ,هي جوامع وعوامل توحيد, أن الناس ينبغي أن يتركوا أهواءهم ونزاعاتهم وخلافاتهم خارج المسجد ,وان يأتوا ليتخففوا قليلا مما بهم من التوتر,أمّا أن يأتي أحدنا مطمئنا فيتوتر في المسجد !!!!!فهذا نقيض ما أراده الإسلام. أيها الإخوة ارجوا أن تجد كلماتي موقعا في نفوس الحزبيين من هؤلاء وهؤلاء .