بسم الله الرحمن الرحيم   

أيها الإخوة الإسلام سبيلنا , سبيلنا للتحرر والاستقلال والنهوض والوحدة والتقدم, هو السبيل للقضاء على تناقضاتنا الداخلية , وهو سلاحنا في مواجهة ما يهددنا من تحديات خارجية ,هو سبيلنا في تكوين عقولنا وقلوبنا وسلوكنا وتنشئة أبنائنا وأسرنا لا سبيل إلا الإسلام, ذلكم أمر الله خالقنا ومالكنا, "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين", وذلك هو منطق التاريخ, الذي يؤكد أنّ هذه الأمة ما كانت رقما مهما في دنيا الناس إلا بالإسلام, وما تحولت كالأيتام على موائد اللئام إلا بعد أن استدبرت هذا الإسلام, هناك من اخذ الإسلام شكلا و ظاهرا وشعارا وهناك من نبذ الإسلام شكلا وباطنا .

           الإسلام أيّها الإخوة الأعزاء من أهم مزاياه, أنّ الإنسان فيه مكرّم ومحترم, طالما نشبت بهذا المنهج وطوى قلبه على هذه العقيدة, ولا ينبغي لأحد كائن من كان أن يتعرض لهذا الإنسان الذي كرّمه الله وأعلى قدره لمنهجه الرباني أن يتعرض له بإهانة أو إذلال, ولذلك نجد أن الإسلام اقرّ حق الاحتجاج وجعله أمرا مكفولا وليس لأحد أن يقيد هذا الحق إلا بضوابط الإسلام وأخلاق الإسلام. أنّ الإسلام لا يريد أن يتحول الناس إلى قطيع, يسير حيث يشار إليه, إنما يريد منهم أن تتفجر ملكاتهم ,وأن تنطلق إبداعاتهم دون أن يتصدى لهم احد ,سواء أكان هذا المتصدي حاكما أم غير حاكم, قال الله تعالى{لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً } فالقاعدة أنّ الله لا يحب أن يجهر الناس بالسوء قولا أو فعلا, لكن منْ وقع عليه الظلم ولم ينتصف له احد, فلا ينبغي أن يخنع للظالم, لا يأمره الإسلام أن يرذخ للظالم, إنما لابد أن يرفع صوته , وأن يطالب بحقه, هذا هو مضمون الآية القرآنية الكريمة,"لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ألا من ظلم" وهذه الآية أصل في حق الاحتجاج ,الذي كفله الإسلام ولا يسمح لأحد كائن من كان أن يقيده أو أن يحول دون الناس وهذا الحق.

           الغريب في الأمر أن الناس أحيانا يسكن الرعب قلوبهم, فيستمرؤون حياة الظلم, ويصبح المظلومون هم المصوغ لأن يمارس الظالم ظلمه , ولقد قال العقاد:

 أنصفت مظلوما فأنصف ظالما                         ففي ذلة المظلوم عذر الظالم

هذا المظلوم الذي خنع و استسلم ,هو الذي شجّع الظالم على ظلمه استخف قومه فأطاعوه يقول القران عن فرعون, حق قول احتجاجي مكفول بضوابطه الإسلامية والشرعية

              لا يقيم على ضيم يُراد به إلا                الأذلان عير الحي والوتد

 الوتد الذي يدق في الأرض والحمار الذي يضرب فلا يرثي له أحد, لا يمكن أن يقبل الإسلام الذي يعلّم أمته أن تبدأ يومها بتكبير الله, وتختم يومها بتكبير الله ,أن تقبل الدنية, أو أن تستسلم للجبروت والظلم ,من حقها أن تحتج ,من حقها أن تصرخ إذا مسها الظلم,إنّ لصاحب الحق مقالا " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا رسول الله إنّ جاري يؤذيني, فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب فاصبر, ثم جاءه مرة أخرى يا رسول الله أنّ جاري يؤذيني فقال له اذهب فاصبر, وجاءه الثالثة فقال له صلى الله عليه وسلم خذ متاعك وضعه على ظاهر الطريق, طالما لم يحفظ هذا الجار حق الجوار ونغص على جاره عيشته, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسم له سبيلا للاحتجاج, خذ متاعك وضعه في الطريق, فعندما اخذ متاعه ووضعه في ظهر الطريق, كلما مر عليه ملأ من الناس سألوه ما هذا؟ قال إنّ جاري يؤذيني فيسبون جاره ويلعنونه ثم جاء هذا الجار المؤدي الذي كان سببا في هذه الممارسة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ماذا لقيت من الناس؟ قال وما لقيت منهم؟ قال إنّهم يلعنوني قال: قد لعنك الله قبل أن يلعنوك قال يا رسول الله: إنني لن أعود فذهب إلى جاره وقال له خذ متاعك واذهب إلى دارك فاني لن أؤذيك.

           وهنا لا بد أن أُعرج على مسالة مهمة ,هناك من يتلاعب بنصوص الدين وبنصوص القرآن, لابدّ أن نأخذ القرآن كله أيها الإخوة لا نكون كمن قال لهم القرآن الكريم{ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } لا يجوز يا أخي أن تأخذ النص, وان تطير به كل مطار إذا وافق هواك وإذا أعجبك, وإذا عارض هواك ولم تكن فيه مصلحتك, نبذته وتناسيته لا يجوز الكفار كانوا يفعلون كذلك بالنسبة للأشهر الحرم وعلق القران الكريم عليهم عندما قال يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله ,هناك من يحلّ اليوم ويحرّم غدا ويحرّم اليوم ويحلّ غدا ,هذا التلاعب لا يرضاه الإسلام.

                انظر إلى هذا النموذج الذي يتحدث إليه القران في سورة النور يقول الله تعالى{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ  وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }هذا البيان الإلهي, هذا البيان القرآني يصور هذا النموذج من البشر الذي يسير مع النص إذا سار معاه , أما إذا خالفه النص فإنه لا يلتفت إليه ولا ينتبه له, هذا نوع من التطفيف "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون, وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون " هذا تجزييء للإسلام إذا حق الاحتجاج, حق مكفول في الإسلام بكتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم ,مضبوط بضوابط الإسلام, التي لا تسمح للمظلوم أن يعالج ظلمه بظلم الآخر, أو أن يعالج الخطأ بخطأ آخر, أو أن يعالج السيئ بالسيئ, إنّ الله لا يمحو السيئ بالسيئ إنّما يمحو السيئ بالحسن ولا يجوز أن نعالج الخطأ بالخطيئة.

         هذه هي الضوابط التي يرعاها الإسلام, وهو يكفل حق الاحتجاج لمن مسّه ظلم أو لحقه ضيم, ولقد قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه :عجبت لمن سيم خُطة خسف كيف لا يقول بملء فيه لا".

        الإنسان مكرم, لا ينبغي أن يضرب الإنسان وان يُهان , الإسلام ضد ذلك, وإنّ عمربن الخطاب في أشهر أقواله كان يقول: لا تضربوا الناس فتذلوهم ولا تمنعونهم حقوقه فتكفروهم, وان النبي صلى الله عليه وسلم رأى صنفين من الناس في النار يراهم في حياته قال صنفان في النار لم أراهما من قبل, نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات , ورجال معهم سياط كأذناب البقر, يضربون بها وجوه الناس.

        للأسف مشايخنا وعلماؤنا اخذوا الشطر الأول من الحديث, فتخصصوا في الحديث عن المرأة وزيّها وحجابها ونقابها وما ينبغي أن تفعله, لكنهم لم يتكلموا عن الشطر الثاني, لم يتكلموا عن الظلمة, لم يتكلموا عن أدوات القمع, لم يتكلموا عن أدوات الظالمين. عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم :ورجال معهم سياط كأذناب البقر سياط "كرابيج "أو عصي يضربون بها وجوه الناس.

        في عهد عمر ابن عبد العزيز ولي البصرة في العراق رجل اسمه عدي ابن ارطئة, فبعث عدي ابن ارطئة كتابا عجيبا جدا لعمرين عبد العزيز يقول له فيه وقد ولي البصرة يقول لأمير المؤمنين يقول له: يا أمير المؤمنين إنّي قد وجدت أناسا من العمال قبلي أي من الولاة, اقتطعوا من مال الله مالا عظيما ,ولست أرجو استخراجه من أيديهم, ألا أن أمسّهم بشيء من العذاب, فان رأيت يا أمير المؤمنين أن تأذن لي في ذلك فعلت, يستأذن أمير المؤمنين في أن يعذب الناس, الذين اخذوا المال العام, إني وجدت أناسا من العمال قبلي اقتطعوا من مال الله مالا عظيما ولست بقادر على استخراجه من أيديهم, إلا أن أمسهم بشيء من العذاب فان رأيت يا أمير المؤمنين أن تأذن لي فعلت , فماذا رد أمير المؤمنين- الفقيه-, كانوا الحكام فقهاء لأنه كان يتم اختياره بناء على أهل الحل والعقد. الضمانة لكرامة الإنسان ليست مجالس نيابية ولا إجراء انتخابات فقد تفرز هذه المجالس وهذه الانتخابات ظلمة.

          إنّ الضمانة الحقيقية لحرية الإنسان وكرامته أن يحدد مصدر التشريع, منْ الذي يشرع؟ حتى لو صارت انتخابات حتى لو صارت مجالس نيابية.... طالما المشرع غير الله فهناك عبودية زائفة أو مقنعة, إنّما عندما يكون الحاكم هو الله يكون الجميع عبيدا لله, فالضمانة إذا ليست انتخابات وليست المجلس , المجالس النيابية فقط .إنما الضمانة الحقيقية أن نحدد مصدر التشريع ,الحكم لمن؟ للهوى أم لله رب العالمين؟ "إنّ الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا لله" فيكون الناس عندئذ جميعا عبيدا لله وحده حكاما ومحكومين, ولذلك ردّ أمير المؤمنين الفقيه عمر بن عبد العزيز قال له -اسمعوا أيها الناس, اسمعوا أيها الإخوة, هذه ساعة نلتقي فيها نذكر الله سبحانه وتعالى نجدد انتمائنا نجدد إيماننا نتوجه لله بالدعاء أن يرفع عنا الظلم, وان يكشف عنا الغمة وان يوحّد صفنا وان يقيم في حياتنا العدل وان يحرر أرضنا وان يحقق استقلالنا, ينبغي أن نستذكر هذه الساعة ,التي نلتقي فيها في بيت الله سبحانه وتعالى في مجلس ذكر كبير لله رب" إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله" إذا كنا نستكثر دروسنا في بيت الله ساعة من الزمن هذا يعني أننا على خطر عظيم- ردّ عليه عمر ابن عبد العزيز يقول له, العجب كل العجب في استئذانك إياي أن تعذب بشرا من الناس, أنت تستأذنني أن تعذب الناس وكأني جُنة  لك من عذاب الله أي وقاية وكان رضاي عنك ينجيك من سخط الله,انظر فمن قامت عليه البينة فخذه, بما قام عليه من بينة, وانظر من اقّرّ بشيء من ذلك فخذه بما اقرّ به, فو الله الذي لا اله إلا هو لأن يلقوا الله بخياناتهم, أحبّ إليّ من أن القي الله بدمائهم.خونة ..خونة ,

       هناك سيلقون الجزاء عند الله, فكيف أتورط في دمائهم, وأنا مسلم وهذا ورع واحتياط, هذا عدل, هذا حكم بالإسلام, انظر قال: "العجب كل العجب استئذانك إياي في تعذيب الناس انظر فمن قامت عليه البينة فخذه بالبينة ومن اقرّ فخذه بإقراره فو الله الذي لا اله إلا هو لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم" , لا يحتاج إلى تعليق هذا الكلام ,وال آخر بعث إلى عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه- الخليفة الفقيه الحاكم العالم- قال: له لقد قدمت إلى الموصل في العراق فوجدت أهلها من أكثر الناس سرقا ونقبا- يعني لصوص- حرمية- فوجدت أهلها من أكثر الناس سرقا ونقبا, فأذن لي أن آخذهم بالظنة أي بالشبهة الصالح مع الطالح وان أضربهم بالتهمة فإنهم لن يصلحهم ألا ذلك, فقال له عمر بن عبد العزيز في رسالة جوابية قال له: خذ الناس بالبينة وما جرت عليهم السنة, فان لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله .

     الإسلام يا حضرات عدالة وامن وطمأنينة ومساواة لا محاباة ولا تمييز بين الناس, كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا نهى عن شيء, كان يصعد المنبر ويجمع أهله ويقول لهم إني قد نهيت الناس عن فعل كذا وكذا واقسم بالله العظيم أن وجدت أحدكم فعل شيء من ذلك  لأضاعفن له العقوبة, يبدأ بأهله يبدأ بقرابته يبدأ بقبيلته, هكذا تبنى الأمم, وهكذا تبنى الشعوب. العدل قامت عليه السماوات والأرض كان يأتي إلى عثمان ابن عفان فيقول له يا عثمان إن ولاك الله أمر هذه الأمة, إياك أن تحمل بني أمية عن رقاب الناس يا علي إن ولاك الله أمر هذه الأمة, إياك أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس , الناس سواسية, لاينبغي أن توضع عقبات في طريق حقوقهم طالما التزموا أن يعالجوا مظالمهم دون أن يقعوا في ظلم الآخرين بضوابط الإسلام وأحكامه وتشريعاته. إن نبينا صلى الله عليه وسلم في خطبته العظيمة خطبة الوداع عندما ركز على الدماء والأموال والأعراض ماذا قال , قال كلاما ينبغي أن نتبصره وأن يستقر في قلوبنا, أعلن أن الربا لا قيمة لها أو انه ممنوع ومحرم لكن بدأ بمن قال ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع انتهى انتهت عقود الربا لا قيمة لعقد ربوي لا تظلمون ولا تُظلمون يوم بقي من الربا ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع وأول ربا ابدأ به ربا عمي العباس ابن عبد المطلب ألا وان كل دماء الجاهلية- الثارات -موضوعة وأول دم ابدأ به دم عامربن الربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب, الحاكم في الإسلام يبدأ بنفسه يبدأ بقبيلته يبدأ بأهله يبدأ بذي قرباه                 هذه هي عدالة الإسلام, وهذا الحق الذي يكفله الإسلام حق الاحتجاج والحق مضمون بكتاب الله وسنة رسوله أيها الإخوة الأعزاء أنا ربما اعترض على الأداء في العملية الانتخابية وعلى ما يدخلها من عوامل أخرى تفسدها, عامل الدعاية وعوامل المال لكن على كل حال ليس الوقت مناقشة هذا الأمر, المهم أنّ الضمانة لكرامتك وكرامتي ليست مجرد الانتخابات ولا تشكيل مجلس نيابي إنّ الضمانة لكرامتي وكرامتك هو أن يحدد مصدر التشريع فإن كان مصدر التشريع البشر فسوف يكون هناك ظلم سواء جرت انتخابات أم لم تجر وان كان التشريع مصدره الله سبحانه وتعالى عندئذ ينعم الناس بالعدل," فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" , إنّ تحكيم الله وإن الانقياد لشريعة الله هي دليل الإيمان ,لا يصح إيمانك إن رفضت حكم الله أو تلاعبت هنا وهناك , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم

.

        فهناك قضية عجيبة واجهها عثمان بن عفان بعد أن ولي الخلافة بعد مقتل عمر رضوان الله عليهم أجمعين, الذي حدث بعد مقتل عمر أن ابنه عبيد الله ذهب فقتل الهرمزان الفارسي, وجفينة النصراني, وابنة أبي لؤلؤة قاتل أبيه, قتل الثلاثة لأن الثلاثة راجت عليهم الإشاعة والدعاية, أنّهم خططوا معا لقتل أبيه وأبو لؤلؤة قتل عمر ثم انتحر, وبقي الهرمزان وجفينة وابنة النصراني, ويقول المؤرخون إنّ الدنيا أظلمت بالناس ثلاثة أيام ,لا يعرفون ماذا يفعلون, لقد قتل عمر بالأمس وثبت القصاص, وقتل ابنه اليوم, هذه فاجعة كبيرة, فهناك من أشار على عثمان بأنه غير مسئول لأنّ هذه الحادثة وقعت قبل أن يتولى الخلافة فعلا, لكنه رفض هذا الرأي وقال أنا مسئول وواجه الأمر بشجاعة نادرة فعلا, وأوتي بعبيد الله فقال له لقد فتقت في الإسلام فتقا لم يفتقه احد قبلك, ما الذي فعلته؟ الدولة الإسلامية يا حضرات السادة, دولة قانونية لا تسمح للفوضى والمزاج ولا للهوى.

         إنّ رعاية شئون الناس وانّ رعاية شئون الأمة, تحتاج إلى إخلاص والى صدق نية, والى معاناة حقيقية بقدر ما تحتاج إلى حسم في المواقف أيضا,  لقد فتقت في الإسلام فتقا لم يفتقه احد قبلك , أظلمت الدنيا بالناس ثلاثة أيام لماذا؟ لهذا التجاوز القانوني ,هناك تجاوز قانوني لعبيد الله, فقتل ثلاثة أشخاص بلا محاكمة وبلا إجراء قضائي وبلا استجواب ,هذا شيء شنيع في التصور الإسلامي.

         اسمعوا يروي القصة ابن الهرمزان الفارسي الذي قتل قال فدعاني عثمان ابن عفان فجئت وإذا بعبيد الله عنده القاتل ابن الخليفة المقتول, ابن رئيس الدولة عمرابن الخطاب فقال لي عثمان= يقول الرجل ابن الهرمزان الفارسي-:هذا يا بني قاتل أبيك خذه فاقتله, فأنت أولى به منا, وقد جعلنا لوليه سلطانا, الطاعة في الإسلام لله والرسول فقط, ليس هناك آية واحدة مستقلة تقول أطيعوا الحاكم هكذا مهما فعل, إنما هناك أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم أنا قلت أكثر من مرة لم يتكرر فعل أطيعوا مع أولي الأمر, لان طاعة أولي الأمر, طاعة تابعة لطاعة النبي ولطاعة الله سبحانه وتعالى, قال يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا خذه فاقتله أول قضية يباشرها عثمان بعد خلافته, لم يتلكأ لم يعتذر, لم يأخذ ماله ويترك ما عليه ,لا يا أخي.

        الأمم شعوبا وحكومات التي تعيش مرحلة النهضة والتغيير ينبغي أن تفكر دائما فيما عليها بقدر ما تفكر فيما لها, إن فكرت دائما في ما لك ونسيت ما عليك, فأنت مطفف ظالم ,هذا قاتل أبيك وأنت أولى منا خذه فاقتله, فيقول ابن الهرمزان فخرجت به وما من أحد في الأرض إلا وهو معي, أي خرجت جماهير المدينة كلها ترجوه في أن يعفو عن ابن الخليفة المقتول, قال وما من احد في الأرض إلا وهو معي يطلبونه مني, فوقفت وقلت لهم أيّها الناس أليّ أن اقتله, قالوا نعم والتفتوا إلى عبيد الله يسبونه ويشتمونه ,الذي أوقعهم في هذا الحرج القانوني, ثم قال لهم هل يمنعني احد منكم عنه, قالوا لا, والتفتوا إلى عبيد الله يسبونه ويشتمونه, فقال لهم لقد تركته لله ثم لكم فاحتملوني, فو الله ما بلغت منزلي إلا على رؤوس الناس وأكفهم من الفرحة التي عمت المدينة باستقرار وبإنقاذهم من هذا المأزق القانوني.

      الدولة الإسلامية دولة قانونية أيها الإخوة ليست دولة فوضى ولا مزاج ولا أهواء ولا محاباة ينبغي أن نفهم ذلك جيدا أيها الإخوة الأعزاء.

      نحن بعد أيام قليلة سنستقبل ضيفا عزيزا سنستقبل شهر رمضان المبارك فبما نستقبله؟ في زمن الضياع وزمن الانحراف, أخذ هذا الشهر عندنا مظهر اللهو  والتكاسل, إنه شهر الجد والالتزام والاجتهاد والتجديد, ينبغي أن نستقبل هذا الشهر أيها الإخوة الأعزاء بسلامة الصدر من الأحقاد, انزع من صدرك كل سخيمة..... انزع كل حقد.... جدد حياتك.... جدد روحك...., الناس يفكرون في تجديد ثيابهم وأثاثهم وسياراتهم وبيوتهم هل نفكر أيها الناس في أن نجدد أرواحنا وعقولنا وقلوبنا..... جددوا عقولكم...جددوا قلوبكم.... جددوا أرواحكم...... جددوا سلوككم.... هذا شهر التجديد والاجتهاد والتوبة وسلامة الصدر وصدق اللسان,أما انتم يا أمراء المسلمين هنا وفي كل مكان اذهبوا فتحسسوا من آلام الناس ومظالمهم واعملوا لله ورسوله والمؤمنين قبل أن تعملوا لأنفسكم, أقيموا العدل بين الناس حتى تتبدل الأرض وحتى يأذن الله سبحانه وتعالى بالنصر يا أمراء المسلمين أقيموا العدل ولو ساعة في النهار في هذا البلد وفي كل بلد لتروا أثار هذا العدل وأثار هذه الرحمة نصرا ومحبة ووحدة وحرية واستقلالا.