بسم الله الرحمن الرحيم                                   

إن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بين الفينة والفينة، في جملة من الشدائد والمحن ليعودوا إليه، ليعودوا إليه تضرعاً وإنابة وخشوعا وعبودية وتوبة، لكنَّ الناس في أكثر الأحيان لا ينجحون في هذا الامتحان، تحلّ بهم الكوارث وتحلّ بهم الشدائد ويبقى أكثرهم في غيّه، لا توقظه الشدائد ولا ترجعه المحن إلى الله ربه, تأمل قول الله تعالى  {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } التضرع إلى الله ,هو جوهر العبودية, أن تُحسّ بالذلّ والانكسار والخشوع بين يديه، أن تعود إليه, كلما زلت بك القدم, وكلما انحرف بك الفكر، وكلما زاغ قلبك هنا أو هناك، أن تعود إليه  {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } هل فعلاً تعيدهم المحن والشدائد إلى الله ربهم, فتطهرهم مما وقعوا فيه من آثام {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } السبب في أنّهم لم يتضرعوا يرجع إلى أمرين اثنين: قسوة القلب والإعجاب بالذات، لاحظ الآية وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ, جبروت، قسوة وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } رأوا صالحاً ما ليس بصالح ورأوا حسناً ما ليس بحسن لأنهم فقدوا الميزان، لأنهم فقدوا الرؤية الصحيحة { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً } ولقد وصف الله جل جلاله قوما آخرين بقوله تعالى { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} والنبي صلى الله عليه وسلم عندما تكلم عن أسباب حياة المجتمعات وفنائها ,تكلم عن إعجاب كل ذي رأي برأيه, تأمل ولا تنسى يا أخي, وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ به  من آيات ودلائل ومحن وابتلاءات   فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ, نعم من كل ناحية ورخاء فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ انظر إلى العاقبة, حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ } فإذا هم يائسون نادمون ومتحسرون, لكن للأسف بعد فوات الأوان {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }.

          نحن اليوم مع ضراعة إبراهيم لربه ولقد وصفه الله في موضع آخر من كتاب الله بقوله {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } وفي حواره مع أبيه وقومه رأينا, أنّ دعائه وضراعته لله مثلت عنصراً أساسياً من هذا الحوار {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }, هذه الفقرة الأولى من دعائه {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } ما الحكم؟ يطلب إبراهيم من ربه أمرين, أن يهب له حكماً وأن يلحقه بالصالحين, الحكم في أرجح أقوال المفسرين "الحكمة"، والحكمة أمر في غاية الأهمية والضرورة للبشر، إنّ الناس في غياب الحكمة يضلون ضلالا بعيدا والله يقول {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } الحكمة:- الميزان الذي تميز به بين الحق والباطل، في غياب الحكمة يضلّ الناس, فإبراهيم يطلب من ربه أن يهب له الحكمة, ليعرف الحق من الباطل، لينحاز إلى الحق، ليقف في وجه الباطل,

   أخطر ما تصاب به الأمم أفرادا وجماعات غياب الحكمة "الضلال" من الأدعية المأثورة (وأرنا اللهم الأمور على ما هي عليه) كونك ترى الأمور على غير ما هي عليه, فإنّ هذا يقلب الأشياء والموازين، الحكمة ضرورة للشعوب، وضرورة للقيادات, القيادة غير الحكيمة تورث شعبها المهالك، والقيادة الحكيمة هي التي تقود أهلها وأتباعها إلى النجاة {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } إنّ إبراهيم كان إمام الصالحين وانّ الله يقول عنه {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } ومع ذلك أيّها الإخوة الأعزاء يقول وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } مَنْ الصالحون الذي يدعو إبراهيم ربه أن يلحقهم به؟، هذا قمة التواضع والإشفاق والخوف والتحرج من الله سبحانه وتعالى، قلت في نفسي, إن كان إبراهيم- خليل الرحمن وأبو الأنبياء- يطلب من الله أن يلحقه بالصالحين، فماذا نقول نحن أيها الإخوة؟....... ألا يدعونا هذا أن نكفكف من غرورنا وهذا بالمناسبة دأب الأنبياء جميعاً، سليمان الذي وهب الله له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده يقول في دعائه { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } ينبغي أ ن يكفكف المغرورون من غرورهم ,وان يتعلموا من أنبياء الله التواضع، قلنا إنَّ حوار الأنبياء مع أقوامهم يقفنا على أساليب الدعوة. ويقفنا على معالم الإيمان والعقيدة الصحيحة, ويقفنا على ملامح التدَّين المطلوب والمرضي من الله.

            من ملامح التدين الفاسد ,الغرور والاستعلاء في هذا التدين على بقية خلق الله, لكنَّ إبراهيم أبو الأنبياء يقول: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }  وسليمان يقول وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ }, وانظر يا أخي, إلى دعاء يوسف , بعد أن مَلكَ مصر قال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }  تواضعوا أيّها الناس ولا تغتروا, ليكن أملنا دائما في رحمة الله, وان ندعو, كما كان يدعو أنبياء الله, أن يلحقنا بالصالحين .

       مسالة أخرى أريد أن ألفت النظر إليها, إنَّ يوسف يدعو هذا الدعاء وهو في قمة المُلك, ليس هذا ملكا, الملك الحقيقي توفني مسلما وألحقني بالصالحين, هذا أمر في غاية الغرابة, في تفكيرنا المحدود والمادي, لو أنَّ يوسف دعا هذا الدعاء وهو في قاع البئر لرأينا له وجها,انّه في شدة ,انه في محنة, انه يريد أن يتوفاه الله ليستريح, لكنَّ يوسف استحى من ربه, أن يدعو هذا الدعاء وهو في قاع البئر, وإنّما دعا هذا الدعاء وهو في قمة المُلك, ليعدل عن شوقه الحقيقي لله سبحانه وتعالى ولا يدعو وهو في ضائقة ومحنة, هو يدعو وهو يقول :{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }, هذا هو المُلك بعينه, أن يختم الله له بخاتمة الإسلام, {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ }, هذه الفقرة الثالثة من دعاء إبراهيم عليه السلام, واجعل لي لسان صدق, "الصدق" يا سادة , "الصدق" أيُّها الإخوة, أساس هذا الإسلام ,لا يمكن أن يكون كذابا, ثمَّ ينتسب إلى الإسلام ،الإسلام نقيض الكذب ولذلك صلى الله عليه وسلم عندما قال له الرجل :أيكون المؤمن بخيلا قال نعم , أيكون جبانا قال نعم , قال أيكون كذابا قال لا. لا حظ لمن يكذب ويتخذ الكذب وسيلة لخداع الناس وأسلوباً من أساليب حياته, لا حظ له في الإسلام, واجعل لي لسان صدق في  الآخرين, هنا لسان الصدق, أن يذكره المتأخرون بحق, أن يثنوا عليه بحق وهذا المعنى الذي أميل إليه, أن يدعو ربه, أن تمتد دعوته, وان يمتد دينه بالصدق حلقة وراء حلقة, ولعل هذا ما أشار إليه القران على لسان إبراهيم وهو يدعو فيقول {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } فاستجاب الله له, فبعث سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وكان أعظم لسان صدق لإبراهيم ومن سبقه من الأنبياء, ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول أنا دعوة أبي إبراهيم {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } الصدق أساس الإسلام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } ولاحظ معي أن القران هنا تكلم عن لسان الصدق, ثم تكلم عن مقامات للصدق أخرى, فقال: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } وقال وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ويقول {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}  ووعد المؤمنين بإنَّ لهم مقعد صدق يوم القيامة , { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ } فالمقعد صدق, والمدخل صدق, والمخرج صدق, واللسان صدق, والقدم صدق ,لا مجال للكذب, {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ }ألا تلاحظون أن القران الكريم عبَّر عن استحقاق المؤمنين بالجنة بالوراثة في أكثر من موضع في سورة الأعراف يقول الله تعالى { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وفي سورة مريم يقول تعالى {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } وفي سورة الزمر يقول على لسان المؤمنين { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء } وفي سورة المؤمنون {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } فهي وراثة, لإنَّ الجنة هي البقية, والإرث لهؤلاء العاملين, عندما تنقطع أعمالهم, وعندما تنتهي هذه الدنيا, فهي ملك حقيقي لا منازع لهم فيه, فهم وراث حقيقيون ,هذه الوراثة الحقيقية { وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ } على ما رأى من أبيه من غلوه ومن شدّة ومن فضاضة, وفي سورة إبراهيم يقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } لكن هنا لابد أن ننبه كما ذكر المفسرون أنَّ هذا الدعاء قبل أن ينهى عن الاستغفار للكافرين والمشركين, لأنَّه وعد أباه أن يدعو له وان يستغفر له {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } لكنَّ الله قال في سورة أخرى { ُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } وهذا يؤكد لنا حقيقة إسلامية و إيمانية ,أنَّ آصرة الالتقاء في الإسلام العقيدة وليست النسب, إذا تناقض النسب مع العقيدة, فلا قيمة لهذه الأنساب, ولا قيمة لهذه الأعراق, ولا قيمة لهذه الوشائج, القيمة للعقيدة فقط , إنَّما المؤمنون إخوة, فإذا اجتمع النسب والعقيدة لقد اجتمع أمران خيران وعظيمان ,ولدلك ابتلي إبراهيم بابيه وابتلي نوح بابنه, وابتلي الأنبياء بأقوامهم ,فالآصرة التي يلتقي عليها الناس آصرة العقيدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وليس معنى هذا, الفظاظة والغلظة مع مَنْ اختار خطا أخر, وصاحبهما في الدنيا معروفا ,هكذا يقول القران, لكن لا مجاملة ولا مهادنة,لإنَّ الآصرة التي أراد الله لها أن تكون دينا للمسلمين, هي آصرة العقيدة وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } كلما قرأت مثل هذا الدعاء {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } أقول: إن لم يرحمنا الله سبحانه وتعالى فلنكونن من الهالكين.

         نحن المقصرون في أعمالنا المخطئون بالليل والنهار, أحاطت بنا أخطائنا وخطايانا, مَنْ الذي يجرؤ أن يقف بين يدي الله ,وهو يعلم انه لا خطأ له ؟!!من الذي ما أ ساء قط؟!!, ومن له الحسنى فقط؟!! ألا نكذب صباح مساء! ألا نرتكب الأخطاء والخطايا سرا وعلانية؟!! ألا ننتهك ما حرم الله؟!! أبو الأنبياء أيُّها الأعزاء يقول وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ, قلق من ذلك المصير, يوم لا ينفع مال ولا بنون. القيم التي يحرص عليها الناس في الحياة الدنيا, علام يحرص الناس: على المال والعزوة والعصبة والحزب والقبيلة والعشيرة, على الأموال والأولاد, إنَّ الله يقول إنَّ هذه قيم زائلة زائفة, لا قيمة لها {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً } إنَّ يوم القيامة خافض رافع {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } تخفض أقواما, وترفع أقواما, الناس يعتزون  بالمال, ولذلك الناس يدورون حول الأغنياء, ومن بيدهم المصالح, و مَنْ بيدهم القوة ,مَنْ بيدهم المال, مَنْ بيدهم الكثرة. الإسلام يريد أن يحرر وجدان المسلمين من هذه القيم الزائفة, الإسلام يريد أن يربط الناس بالقيم الثابتة الباقية الراسخة, الإسلام يريد أن يحرر الناس من الجبن والخوف والنفاق والطمع والحرص والأثرة  الإسلام يريدان يوجد كيانا حرّا ًشجاعاً كريما مستقلا يدور حول المبدأ والفكرة والعقيدة قال صلى الله عليه وسلم : ألا إن القران والسلطان سيفترقان, فدوروا مع الإسلام حيث دار, ألا إنهم سيولون عليكم أمراء, إن أطعتموهم أضلوكم,  وان عصيتموهم قتلوكم, فدوروا مع الإسلام حيث دار, يوم لا ينفع مال ولا بنون {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }القلب السليم لا غش فيه ولا خديعة ,القلب السليم, قلب فيه محبة الله وفيه محبة خلق الله ,القلب السليم, ينطوي علي العقيدة الصحيحة،وهناك قلب مريض, وهناك قلب قاس, وقد تكلم القرآن عن هذه القلوب الثلاثة في تضاعيف سوره وآياته عن القلوب القاسية وعن القلوب المريضة, وعن القلوب السليمة التي هي أساس البناء السليم للمجتمع،لكني أريد أن أسألكم أيها الإخوة بعد ما سمعتم دعاء إبراهيم {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } هل تجدون في هذا الدعاء أي اثر أو أي طلب لعرض من أعراض الحياة الدنيا؟ لم يطلب صحة البدن...., ولم يطلب الرزق الوفير في هذه الدنيا....., ولم يطلب من أن ينتقم من فلان ,وان ينتقم من الآخر...., وإنما كان دعائه متوجهاً إلى المصير الأعلى إلى المستقبل، إلى قضية الآخرة، إنَّه دعاء خاشع، عابد، رخي يتوجه إلى الله سبحانه وتعالى                                                          

           فلنصلح أيها الناس على ضوء ما نرى من حقائق الإيمان ومن خلاصات العقيدة على رسالات الأنبياء, لنصلح من عقولنا وقلوبنا, ويغفر لله لي ولكم.  

    لكل شعب على وجه الأرض حكومة واحدة, مهما كثر عدده وامتدت أرضه, ونحن لنا حكومتان, وما لا ينقضي له العجب, أنَّنا شعب صغير ومحاصر وأرضنا محتلة, والحكومتان لا تعترف إحداهما بالأخرى, ولا تذكر إحداهما الأخرى أن تضل، بل الطعن واللعن, الذي يطالعنا صباح مساء، بل ربما ودت كل حكومة منهما, أن تضل الأخرى, حتى تجد مادة للتشهير أمَّا الناس!، أمَّا الجماهير!، أمَّا فلسطين!، أمَّا الإسلام!............... هذا شيء آخر أيُّها الإخوة، إنَّنا نعيش حالة من العجز.

             ليس بالشعارات وحدها تبنى الأمم, إن أمامنا تحدياً كبيرا يطرح أسئلة عدة، إنَّ أهلنا وإخواننا المكدسين على حدودنا, يمثلون أسئلة وتحديات, لمن أراد أن يتصدى لقيادة الناس ,وان يتحمل مسئولياتهم، إنَّ تكدس الناس هناك يسألنا.....يتحدانا ...هل نحن عاجزون أم قادرون؟... هل نحن محررون أم محتلون؟.... هل نحن أقوياء أم ضعفاء؟..... هل نحن متحدون أم متفرقون؟... هذه الأسئلة التي ينبغي أن نجيب عليها, وهذه الأسئلة تأتي من أهلنا وإخواننا الذين يقفون على حدودنا ويعجز الجميع، العرب والمسلمون عاجزون ومتواطئون، المجتمع الدولي طاغ وظالم ومتآمر, وعدونا يفرك يديه ما الذي بهمه؟! ونحن أصحاب الشأن, لطالما تكلمت وتكلم غيري من المخلصين والصادقين وهم كثر,- ان شاء الله -عن ضرورة مواجهة القضايا الأساسية والجوهرية, وأنَّ الأمم كما قلت, لا تنهض بمجرد الشعارات وأنَّه لا يجوز أبدا, أن نقدم مصالحنا الفردية والحزبية على المصالح الحقيقية للأمة، هناك مصالح حقيقية للأمة يا أيها الإخوة لابد أن ينتبه إليها الجميع، المجتمع الذي لا يعرفُ المظلوم فيه باباً يطرقه ما طبيعته؟ أنا أقول لا يمكن أن يكون هذا مجتمعا إسلاميا ......المجتمع الذي لا يعرف صاحب الحق أن ينال فيه حقه ،..... المجتمع الذي يكتم كل شخص أو يبتلع كل شخص رأيه في داخله،..... إن الإسلام مجتمع عدل ومجتمع امن ومجتمع شجاعة.

        نريد من يأخذنا إلى طريق الإسلام، نريد عودة حميدة للإسلام ظاهرا وباطنا، نريد حكم الإسلام، نريد حكم القرآن، نريد دولة الإسلام، نريد دولة القرآن، لماذا التلعثم والتردد والتلكؤ؟ لا ظلم بل عدل، لا خوف بل أمن، لا كبت للحريات, إنَّ لصاحب الحق مقالاً, هل الإسلام يقبل أن يُقتلَ مسلمٌ ولا يُعرفُ فيما قُتل ولا يُعرف قاتله؟!!! أنا اقرأ في الإسلام واقرأ في الفقه الإسلامي, أنَّ الإسلام لا يسمحُ أن يذهب دم  أحد هدراً أبدا,لابد من إحقاق الحق، تقول لي كيف نخرج من هذا المأزق، لابدَّ من التغيير أيُّها الإخوة، لابد أن نغير من أنفسنا، لا مناص أمام أهلنا وإخواننا من الالتقاء, لكن الالتقاء على أرضية لا غالب ولا مغلوب, ثم نحرر مواضع النزاع فيما بيننا، إنَّ عدونا يحيط بنا، إننا وقعنا في الوهم، من الذي أوقعنا في وهم "أننا محررون" وان مشكلتنا السلطة, مَنْ يتسلمها؟ هذه ألهيه خبيثة وفي غاية التعقيد أيُّها الإخوة، إنَّهم رموا لنا هذه العظمة وتجارينا عليها ثم ماذا؟ لابد أن يلتقي بعضنا مع بعض لا غالب ولا مغلوب وان نحرر موضع النزاع ,وان نحدد أدواتنا في المواجهة وان نحدد أهدافنا أيها الإخوة، شغلونا في أنفسنا, ونحن محاصرون مسجونون، سدت المظاهرات الشوارع وهي تهتف بالتحرير بالنصر المسموم، في كل مرحلة يقدم لنا أعداؤنا وجبة مسمومة, تارة بالسلطة, هذه وجبة مسمومة، تارة بانسحابات وهمية, لنعيش في ظل انتصارات كاذبة, هذه وجبة مسمومة، تارة بصراعات وانتخابات وما شابه ذلك هذه وجبة مسمومة، إلى متى أيها الإخوة نأكل السمَّ؟ إلى متى نبقى نأكل السمَّ؟، إنني أدعو بالتوفيق للجميع وإنني أتمنى أن يقودنا الصالحون الأتقياء المؤمنون الذين يحبون الله ورسوله والمؤمنون، الذين يحرصون على دماء أهلهم وعلى امن أهلهم وعلى حقوق أهلهم.