بسم الله الرحمن الرحيم                                   

ففي مكة المكرمة والصراع محتدم بين النبي صلى الله عليه وسلم والكافرين الذين كانوا يكذبونه ويتصدون لدعوته، في ظل هذا الصراع الفكري المحتدم كان يتنزل قول الله تعالى  {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } ففي قصص النبيين, وحوارهم مع أقوامهم ومع الطغاة الذين كانوا يواجهونهم, كما ذكرنا من قبل, في قصصهم جملة من القيم, تتعلق بوسائل وأساليب الدعوة إلى الله والتبليغ عنه، كيف نبلغ كلمة الله؟ كيف نحمل دعوة الله إلى الناس؟ هذا يتضح من خلال قصص الأنبياء, كذلك هناك قيم لها علاقة بمعالم الإيمان.

          الإيمان ليس كلام يقال قي الهواء, هناك قضايا وقيم إيمانية كبيرة تتعلق بالتوحيد، تتعلق بالتوكل، تتعلق بهيمنة الله على الكون كله، تتعلق باليوم الآخر, هذا أيضا نلمحه ونراه من خلال حوار النبيين مع أقوامهم ,وهذا كله يثبّت الفؤاد في مراحل الصراع المحتدم مع القوى الضالة, أو القوى الكافرة أو القوى الكارهة للتوحيد وللإسلام ,وكذلك نستطيع أن نرصد من خلال هذه الحوارات ملامح التدين الصحيح، فهناك مشكلة عند المتدينين في كل مكان وزمان, أنذهم ربما يبالغون في دائرة أو يفرطون في دائرة ويفرطون في آخرة أو ربما يضخمون أمرا على حساب أمر آخر، أو ربما يسيئون فهم الدين ويسيئون تطبيقه.

         في حوار إبراهيم مع قومه الذي بدأتاه في الجمعة السابقة, رأينا أنّ هذا الحوار يشتمل على عناصر مهمة, رأينا انه قد اشتمل على سؤال قذفه في وجوههم إبراهيم عليه السلام عندما قال  { مَا تَعْبُدُونَ } ما هو مصدر التلقي في حياتكم؟ لمن تخضعون وتنقادون؟ وسألهم عن هذه الآلهة هل تسمع؟ هل تنفع؟ هل تضر؟ لكنهم لم يجيبوا أيها الإخوة بل {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } وفي هذا إشارة إلى أنّ التعصب والتقليد بلا دليل, هو سبب الضلال الفكري والانحراف العقلي ,أن تتعصب لشيء أنت لا تعرفه، أن تتعصب وأنت لا تعرف الدليل هكذا عصبية، قبلية, تسير مع القطيع حيث صار{ بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } ثم بعد ذلك بدأ يعرّفهم إبراهيم بربّه بأسلوب فيه الحنان وفيه الرحمة, قال: أهذه الآلهة التي تعبدونها وهي لا تسمعكم ولا تنفعكم ولا تضركم وليس لديكم دليل يسوغ ما تقومون به, هؤلاء {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } وبدأ يعرّف برب العالمين  {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } والله سبحانه وتعالى يقول{ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } هل يليق بك أن تعبد غير خالقك, الخالق هو المالك {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } هل يجوز في حكم العقل أن تتوجه بالخضوع والانقياد والعبادة والتذلل لجهة غير خالقة؟! أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْر هو الذي خلق, ُفالأمر أمره والخلق خلقه والحكم حكمه, ولذلك ربط الخلق بالهداية {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } فأنا لا أتبع في حياتي هداية ولا نظاماً ولا تشريعاً غير هداية و تشريع {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ }, {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ } , {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } وهذا دليل منتزع من يدي الناس, هل تطعم نفسك؟! من الذي يطعم مليارات الأفواه على وجه الأرض من كائنات حية, بشر وغير البشر؟! {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ }.

           لله عليك نعمتان، نعمة الإيجاد أوجدك من عدم، ونعمة الإمداد أمدك بنعمه التي لا تحصى {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ },  الإنسان بظلمه وكفره وفساده يحول نعم الله إلى نقمة, ولقد أُمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يشير إلى هذا الدليل وهو يصارع كفار مكة {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ } هذه نعم الله تحيط بك {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } السؤال هنا أنه قال خلقني وقال يهديني وقال يطعمني وقال يسقيني لكن هنا قال إذا مرضت ولم يقل إذا أمرضني مع انه قال {فَهُوَ يَشْفِينِ } لماذا هذا الاختلاف في التعبير؟ هذا لون من ألوان من ألوان الأدب في التحدث عن الله سبحانه وتعالى وما ينبغي أن يُنسب إليه وما لا ينبغي أن يُنسب إليه سبحانه وتعالى أنت لا تمرض ولا تصح إلا بإذن الله، لكنّ المرض شيء مكروه فإنّ أدب إبراهيم جعله ينسب هذا الشيء المكروه إلى نفسه ,ولا ينسبه لله ولم يقل إذا أمرضني إنما قال وَإِذَا مَرِضْتُ لكن هناك قال {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } ثم قال {وَإِذَا مَرِضْتُ} ولم يقل إذ أمرضني, وهذا الأسلوب في الأدب, هو دأب سيدنا إبراهيم عليه السلام, فمن يقرأ حواراته الأخرى، خذوا مثلا حواره في سورة مريم وهو يخاطب أباه , وهذا أيضا فيه دليل أو تكريس لأسلوب الدعوة والخطاب حتى لا نكون منفرين، وحتى لا نكون معسرين، وحتى لا يكون موقفنا هو موقف الاتهام والإدانة فقط, إنّما نحن لأننا نحمل أعظم دعوة أرسل الله بها رسله, إنّها دعوة التوحيد، فلابد أن نتحبب إلى خلق الله لنوصل هذه الدعوة سليمة نقية بعيدة عن المواقف النفسية والمشاعر السلبية التي تتشكل لأسباب كثيرة.

       في سورة مريم يخاطب إبراهيم أباه ويريد أن يقول له إنّ لدي من العلم ما ليس عندك أو يريد أن يلفت نظره إلىّ جهله انه جاهل لكنه مخير بان يقول يا أبت انك جاهل وبين أن يختار أسلوب آخر يهيئ قلب أبيه للإيمان والإسلام فماذا قال له؟ قال له {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } ألا ترى أنّ هناك فرقاً بين هذا التعبير الذي اختاره إبراهيم {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ } وبين قوله  يا أبت أنّك جاهل, هذا أيضاً أدب، لو أنّك رجعت إلى سورة الكهف, وقرأت المقطع الذي يتحدث عن موسى والعبد الصالح عندما تحدث عن الغلامين اليتيمين قال { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا } وعندما تحدث عن السفينة التي خرقها قال { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أيضا هذا أدب في الحديث، الأدب في الحديث والتعبير شيء مهم في حمل الدعوة، الجن المؤمنون عندما سمعوا القرآن وعلقوا وعقبوا على سماعهم هذه الآيات قال قائلهم {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً }   {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ} هنا بني الفعل للمجهول، لا يليق أن ينسب الشر إلى الله سبحانه وتعالى وأن ينسب عيب السفينة إلى الله سبحانه وتعالى وان ينسب المرض إلى الله سبحانه وتعالى، تأدباً مع مقام الذات الإلهية وهنا { أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } وهنا أسند الفعل للمعلوم  وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ }.

            أيّها الإخوة الأنبياء معصومون لا يخطئون، إنّ الله يعصمهم لكنّ الأنبياء هم أكثر خلق الله معرفة, بما يليق بالله وبمقام الله, فلذلك يحسون دوما أنّهم مقصرون بحق الله, فمن فرط  التواضع ومن فرط معرفة إبراهيم بربه, قال وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } وهذا درس لنا نحن المساكين نحن الذين أحاطت بنا خطايانا وأخطاؤنا، من منا يعترف بخطئه؟ من منا يعترف بخطيئته؟ إنّنا نعاني من مرض عضال, هذا ا لمرض هو تبرئة الذات وتقديس الذات، لا احد يعترف بخطئه, الكل لا يعمل إلا الصواب!، الكل لديه الحق والحقيقة المطلقة وأبو الأنبياء يقول {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } هذا تواضع من إبراهيم وإلا فالأنبياء معصومون {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} , وهنا لفتة أود أن تنتبهوا إليها أيضا لماذا أدخل الضمير بين الأفعال السابقة ولم يأت بالضمير هنا {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } لكن هنا لم يقل والذي هو يميتني ولم يقل الذي يميتني ثم هو الذي يحيين ولم يقل أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ,هناك في الأفعال الأولى هناك بعض الشبهة,  بعض الناس يدعي أنّه يمتلك الهداية وأنّه يمتلك التشريع, فهنا لابد من قصر هذه الصفات والخصائص على الله وحده الذي خلقني فهو يهدين لا انتم, لا من يدعي امتلاك الهداية والذي يطعمني هو الذي يطعمني هو يطعِم ولا يطعَم, لا من يدعي إنّه يطعم الناس, وإذا مرضت فهو يشفين, هو الذي يشفين, لا من يدعي انه يملك شفاء الناس, فأراد أن يكشف الغشاوة عن اعين الناس , لكن في الإماتة والإحياء ليس هناك مجنون على وجه الأرض يدعي انه يميت ويحيي, فليس هناك ضرورة لهذا القصر في التعبير أو هذا الحصر في التعبير, وهذا يذكرنا أيضا بحوار إبراهيم في سورة البقرة مع الملك الجبار عندما قال: -اسمعوا أيها الناس هذا قص قراني مهم جدا جدا في العقيدة والدّين, نحن لابد أن نعيد تقييم أنفسنا , لابد أن نحاسب أنفسنا أخلاقيا وعقائديا وتشريعيا, التشريع الذي نحتكم إليه, ما مصدره؟ العقيدة التي تملأ عقولنا وقلوبنا, ما هي ؟السلوك الذي نسلكه ونمارسه ما مصدره؟ الشعوب الحية في فترات التحول والتغير, هذه أسئلة أساسية لابد أن نسألها لأنفسنا ,ما هي عقيدتنا؟ ما الذي يملا عقولنا وقلوبنا؟ ما هو التشريع الذي ينظم حركتنا في هذه الحياة؟- في سورة البقرة قال {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ } انظر إلى الثقة, الله وحده الذي يحيي ويميت, لكن الملك لا يستطع أن يقول أنا الذي احيي وأميت إنّما {قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ } ظنا منه انه إذا حكم على احد الناس بالموت انه أماته وإذا حكم عليه بالبراءة أحياه, لكنّ إبراهيم قال: ربي الذي يحيي ويميت, هو الذي يملك هذا الأمر أنت لا تملكه ,كان هناك فيه شبهة ,كان في ملك يدعي يملك حياة الناس وموتهم بلغ من الغباء والجنون إلى هذا الحد والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين, ثم انتقل الحوار لهذا الدعاء العجيب الغريب الذي لهج به لسان موسى إلى ربه ولنا عند هذا الدعاء وقفة أخرى أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.      

        الحمد لله نكال الظالمين الحمد لله غياث المستغيثين الحمد لله صريخ المستصرخين, واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له, القائل وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولتصبرن على ما آذيتمونا وعلى فليتوكل المتوكلون واشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان وقاوم الظلم والاستكبار اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه والتابعين أما بعد,

          نص الدعاء لا باس أن أتلو الآيات التي ذكرته, قال { رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ } دعاء مبدئيا نقول لا اثر للدنيا فيه, دعاء كله متعلق بقضية المصير, كيف يكون عند الله سبحانه وتعالى, ربما نقف وقفة عند هذا الدعاء, لنحلل ما فيه أيضا من قيم إيمانية, ومن ضوابط تضبط أخلاقنا وسلوكنا في هذه الحياة.

         أيها الإخوة الأعزاء هناك حديث للنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه (حد من حدود الله يقام في الأرض بحقه خير من أن يُمطر الناس أربعين يوماً) ما معنى هذا الكلام؟ أنا أرجو أن ننتبه أيها الإخوة وأن يصحو الغافي، (حد من حدود الله يقام في الأرض بحقه خير من أن يُمطر الناس أربعين يوماً) ما معنى هذه المقارنة بين العدل وغيره؟ الحد الذي يُقام ,هو الذي يقطع دابر الظلم ,وهو الذي يقيم العدل، والمطر الذي ينزل على الناس أربعين صباحاً, يورثهم طعاما وشراباً ويورثهم غذاء وكأن الحديث يلفت النظر إلى مسألة مهمة ,وهي إلى أهمية العدل، إلى أهمية قيمة العدل بذاتها, وأنها قيمة لا توازيها قيمة الطعام والشراب والغذاء، ما قيمة أن تأكل وأنت فاقد لحريتك؟ ما قيمة ذلك؟ أو كما قال أمير الشعراء:

رقدوا وغرهم نعيم باطل                            ونعيم قوم في القيود بلاء

كالدابة التي تعلفها وهي مقيدة من يديها ورجليها، يريد أن يلفت الإسلام نظرنا إلى قيمة العدل، وأن الحياة بمرافقها جميعاً التي تقوم على العدل, هي الحياة السليمة والحياة الصحيحة، ليس ملء البطون ولا الجيوب حتى, ما قيمة ذلك إذا فقد الناس حرياتهم وكراماتهم؟! ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر هذه القيمة قيمة عظيمة قيمة العدل مستقلة بذاتها، عندما عُذب أصحابه بمكة ,نصحهم للهجرة إلى الحبشة عند الكافرين العادلين، قال لهم لو ذهبتم إلى الحبشة, والحبشة كفار, كان يحكمها ملك كافر لكنه عادل، لكنه عادل وفقهاءنا والحمد لله لم يجعلونا في ضيق من أمرنا لقد قال فقهاءنا إن الله وتعالى ينصر الكافر العادل على المسلم الظالم مجدوا قيمة العدل ومعنى هذا أنك قد تلجأ إلى كافر يضمن العدل لك من مدعي للإسلام يظلمك وهذا حدث قديما وحديثاً، النبي قال للصحابة: لو ذهبتم إلى الحبشة فان بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، والله قد أحسست بشيء كبير من الخجل وأنا أسمع خطاب الرئيس التاسع لدولة إسرائيل شيمعون بيريز وهو يقول في خطابه الافتتاحي: من الآن فصاعداً بيتي مفتوح للجميع ورقم هاتفي في متناول الجميع، لقد ذكرني بأصول العدل التي نفاخر بها، قلت متى نسمع من يقول لنا:هذا ديوان المظالم مفتوح، من كانت له مظلمة في بدنه أو ماله أو ولده فليتوجه إلى هذا الديوان، متى نسمع في ديوان المسلمين ذلك؟، العدل أساس الملك والظلم مؤذن بالخراب أيها الإخوة، كذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم- والله أنا صريح معكم- لقد تذكرت هذا الحديث وأنا أرقب ما يحدث في واقع الحياة وما يحدث في وسائل الإعلام من تجاذبات ومن تنازعات فتذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم عن المنافقين فيقول: ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) هل هذه العلامات موجودة فينا أم غائبة عنا؟ الكذب في الحديث, والغدر بعد العهد, والفجور في الخصومة، كم من أشياء وكم من عادات وكم من تقاليد فكرية وسلوكية ينبغي أن نغيرها أيها الإخوة، يجب أن نتشبث بالقيم والمبادئ والجواهر والمضامين وأن نترك الأشكال والقشور.