بسم الله الرحمن الرحيم                                   

الإسلام لا يعرف الإرهاب في المعنى الشائع هذه الأيام ولا العنف في المعنى الذي يتحدث الناس عنه ولا مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، كل هذه التهم والشبهات سخيفة وغبية تلصق بالإسلام ربما كان وراء ذلك بعض التطبيقات المسيئة في بلاد الإسلام والمسلمين أو بعض الممارسات الخاطئة والسيئة، لكن الإسلام برئ من تهمة الإرهاب بمعنى انه لا يصل إلا أهدافه السامية في بناء العقيدة والأخلاق عن طريق القوة أو الإرهاب أو الإرغام وما شابه ذلك، هذا واضح في مبدأ الإسلام الشهير في قول الله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} وقول الله تعالى  { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} الإسلام لديه وسيلة الإقناع والدعوة والحوار والمناقشة كما سنرى.

       من القصص الطريفة في السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم تعرض لمحاولة اغتيال في إحدى المعارك نظر وإذا برجل يقف عند رأسه التمس منه غرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، التمس منه سهوة أو غفلة فسل سيفه ووقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم, فنظر إليه النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال له الرجل: من يمنعك مني؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: الله! فسقط السيف من يدي الرجل فأخذه رسول الله وقال له: ومن يمنعك مني الآن؟ فقال الرجل: كن خير آخذ، طلب منه أن يعفو عنه، عاملني بما أنت له أهل وأنت ذو أخلاق حسنة فقال له صلوات الله وسلامه عليه: قل أشهد أن لا اله إلا الله وأني رسول الله فقال الرجل: لا! لكني أعدك أني لا أقاتلك ولن أكون مع من يقاتلك ولن أكون معك, فماذا فعل به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لم يعتقله ولم يهدده وإنّما خلى سبيله هكذا تقول الرواية، فعاد الرجل إلى قومه مع أنّه لم يؤمن بمحمد عاد إلى قومه فقال لهم لقد جئتكم من عند خير الناس، لم يؤمن بالنبي لكن النبي ترك انطباعاً حسناً في نفس هذا الرجل الذي كان يفكر في اغتياله

        المؤسسات والقوى الغربية والمعادية للإسلام عندما تربط نظام الجهاد في سبيل الله بالإرهاب هي تعرف أن الجهاد في الإسلام ليس إرهابا ولا بطشاً، إنما الجهاد في الإسلام ,هو دفاع عن العقيدة والوطن، دفاع في مواجهة عدوان واقع أو في مواجهة عدوان متوقع، لكن الجهاد في كل أحواله له ضوابطه وله أخلاقه فالجهاد في الإسلام لا تحكمه الأطماع ولا الأحقاد، الحركة الاستعمارية هي الحركة التي تحكمها مشاعر الطمع ومشاعر الحقد كما نعرف من تاريخ الاستعمار القديم والحديث، إنما يتحرك الإسلام لهداية الناس لا طمعاً ولا حقداً ولا انتقاماً، وعندما يتهمون الإسلام بالإرهاب لنظام الجهاد الذي فيه وهم يعبرون عن أحقادهم ضد الإسلام، لكن كما قلت الجهاد له ضوابطه وله أخلاقه وليس من الجهاد في الإسلام ما يتم بدوافع الانتقام أو دوافع الثأر أو دوافع الحقد الخ.

        الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عندما بعثوا لأقوامهم جاءوا يبشرون بالتوحيد، وجاءوا ليحدثوا التحول الكبير في هذه المجتمعات الإنسانية, ليرتفعوا بها مما هي فيه من تخلف وانحطاط وعبادة أصنام وإتباع للأهواء والشهوات والظلم, إلي عبادة الله الواحد، لم يأت الأنبياء لينالوا أجراً أو ليكسبوا مالاً أو ليصنعوا مجداً أو ليقيموا ممالك كل ذلك ليس من مهمة الأنبياء {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} هذه هي قضية الأنبياء ومن يسير على دربهم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ليحدثوا التحول الأكبر في عقول الناس وفي قلوبهم، وإذا حدث هذا التحول, يبني الناس ما يشاءون من ممالك أو أنظمة حكم على أساس من العقيدة والشريعة التي ملأت عقولهم وقلوبهم، الأنبياء لم يهددوا يوماً في استخدام القوة ولا بالعنف, بل كانوا هم ضحايا القوة الباطشة، هم ضحايا العنف من معسكر الكافرين، المتعصبين، المتخلفين هددوا الأنبياء بالسجن{قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } فرعون يقول لموسى وهدد نبينا بالسجن, وأبو الأنبياء ألقى في النار وموسى تعرض لمؤامرة الاغتيال وتآمر اليهود على عيسى ليقتلوه، الأنبياء هم ضحايا مؤامرات العنف ومؤامرات الاغتيال، الأنبياء جاءوا بكلمة التوحيد لم يأتوا بفرق اغتيال ولا بقوة باطشة ليهددوا الناس فكيف يتهم دين الله بالإرهاب أو بالعنف؟! انه يقول للناس{ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } ولذلك يلفت القرآن الكريم أنظارنا إلى ضرورة الوقوف عند منهج الأنبياء وحوارهم مع أقوامهم {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} لأولي العقول المنتقدة {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} هذا هو قصص الأنبياء، وعندما تكلم القرآن عن عدد من الأنبياء في سورة الأنعام عقب على حديثه ذلك في قوله {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} هؤلاء قدوتك أيها المؤمن، الأنبياء وخاتمهم صلى الله عليه وسلم عندما تتأمل حوار الأنبياء مع أقوامهم ماذا تجد؟, تجد دعائم الإيمان واليقين تجد خصائص العقيدة الصحيحة للتوحيد ومن هيمنة لله على الكون كله ومن حديث عن البعث والآخرة, تجد في حديث الأنبياء مع أقوامهم ملامح التدين الصادق .إنّ التدين الفاسد والتدين الشكلي والتدين المغرور هذه مشكلاتنا اليوم فعندما نقرأ تاريخ الأنبياء وحوار الأنبياء, ومضامين هذا الحوار نضع أيدينا كما قلت على دعائم الإيمان الحق والعقيدة الصحيحة, وعلى ملامح التدين الصادق المقبول عند الله ,الذي يرضى عنه الله سبحانه وتعالى, مثلا خذ هذا الحوار في سورة الشعراء بين إبراهيم وقومه, ولقد تكررت حلقات حوار إبراهيم مع أبيه وقومه في أكثر من عشرين سورة في كتاب الله, وتضمنت محاور أساسية في العقيدة والأخلاق والتدين وأساليب الإقناع والدعوة وما يعتمد عليه النبيون في إخراج الناس من حال إلى حال {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} يقول الله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } انظر الإسلام يعتمد السؤال للإثارة لإيقاظ القلوب الغافية, لتحريك وإنهاض العقول المتبلدة ماذا تعبدون؟ وجد قوماً وهو يعرف إنهم يعبدون أصناما وبالمناسبة وربما انتهى زمن الأصنام الحجرية، نحن الآن في زمن الأصنام الفكرية والسياسية والعادات والتقاليد ,كل ذلك أصنام عندما نحبس أنفسنا عندها, ونتعصب لها دون دليل ودون برهان.

        حتى يتغير هذا الواقع لابد أن توقع فيه حجرا ,حتى تتحرك هذه المياه الراكضة, حتى يبدأ الناس في مراجعة أنفسهم ما الذي نفعله إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ  } هذا هو منهج الأنبياء, منهج الرحمة والإقناع والتسلل إلى قلوب الناس, والى عقولهم لإقناعهم, لا لإرهابهم ,ولا لتخويفهم ,ولا لتهديدهم فمن يتهم الإسلام أو يتهم الدين بالإرهاب والبطش, عليه أن يراجع نفسه, ليس هذا من شأن الإسلام، ربما في دوافع أخرى مثل هذه الأساليب لكن الإسلام بريء من ذلك، الإسلام يدافع عن نفسه ويجاهد في سبيل العدل وفي سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، ليحرر الأرض من الطاغوت ليرد الناس إلى ربهم أحرارا كما خلقهم كرماء يختارون ما  {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ  } قالوا" انظر هنا المعضلة أيها الإخوة هنا المعضلة وهنا المشكلة المتجددة المزمنة "سألهم {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} إنّ المشكلة التي تواجه العقل الإنساني والعقل الإسلامي على وجه الخصوص التعصب، الجمود، التحجر, الكل ينكفئ على ما عنده هو الحق الذي لا باطل فيه، أنا أمتلك الحقيقة المطلقة, إن وصلت إلى هذه الحالة فسوف ترى الآخرين كلهم على باطل, وهذا الباطل درجات يبدأ من الخطأ إلى الكفر الذي يقود إلى القتل فيما بعد، لكن الإنسان بما فطره الله عليه من عقل لا بد أن يراجع نفسه وأن ينظر إلى الأدلة والبراهين {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } القرآن ناقش هذه القضية أو هذه المعضلة في مواضع كثيرة يقول تعالى والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم  {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } هناك أقوام لهم مصالح في بقاء ما هو كائن علي ما هو عليه، يكرهون التغيير، يكرهون التجديد، وأكثر ما يكرهون في التجديد، التجديد الفكري يحبون البيت الجديد، ويحبون السيارة الجديدة، ويحبون الثوب الجديد لكنهم ينزعجون ويقلقون ويخافون من الفكرة الجديدة التي تهز ما لديهم من أفكار، لكن الأئمة الكبار كانوا يفرحون بمن يقدم لهم علما جديداَ، والقرآن يقول لنبينا صلى الله عليهم وسلم { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } قال النبي يقول لهم {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } ما رأيكم لو قدمت لكم ما هو أهدى لكم { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } أغلقت العقول ولا معبر ولا جسر ولا طريق، العقول مغلقة، تعصب، مصالح حزبية، غسيل مخ، شيء عجيب جداً هذا انحطاط بإنسانية الإنسان {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ } انظر ماذا أجابوا على هذا المنطق الحاني المنطق الرقيق الرحيم { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ} لابد هنا من إلقاء الحقيقة، لا مجاملة في العقيدة، لا مجاملة في المبادئ، لا مجاملة إذن كانت المسألة، استقامة وانحراف {قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } وبعد هذه الإثارة، بعد هذه الأسئلة التي حركت القلوب والعقول وحثتهم على المراجعة، بدأ إبراهيم يعرّف بربه بدأ يعرّفهم بربه الذي يدعونهم إليه فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } هذه مضامين العقيدة الصحيحة، أين نحن من الله الخالق؟ أين نحن من هدايات الله {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } فلماذا لا تتبعون هداياته؟ ولماذا لا تتبعون شريعته؟ ولماذا لا تحملون دينه رايته وشريعته؟ لماذا؟ دلوني على من يقوم بهذه المهام {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ويعرض في موقف آخر أيضا بصيغة السؤال ليحرك الساكن، ليثير الكامن، ليوقد الغافل في أعماق الناس {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } الإسلام وسيلته الأولى الحوار،ا لحوار والسؤال والمناقشة {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } إنّ الإسلام لا يروع الناس بالسيف, ليقول لهم هذا هو الإسلام لا! انه يلاحقهم بالسؤال والإقناع، إنّ الإسلام متمثلاً في أنبيائه كانوا ضحية السيف، كانوا ضحية العنف لكن الإسلام لم يهدد أحداً {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ  قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} كيف تنحرفون وتصرفون عن هذه الحقيقة {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } بالله عليكم هذا منطق عليه اعتراض!، انه يلاحق الناس بالإقناع والتفكير والنقاش، وبحوار إبراهيم مع قومه بقية نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علماً أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

هناك جملة أو عبارة تنسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول فيها(إذا أقبلت الدنيا على أحد_ الدنيا بزخرفها وزينتها_ , إذا أقبلت الدنيا على أحد سلبته مساوئه وأعارته محاسن غيره وإذا أدبرت الدنيا عن أحد سلبته محاسنه وأعارته مساوئ غيره ).

إذا أقبلت الدنيا على أحد سلبته مساوئه يكثر النفاق له ويكثر الرياء له , ويكثر التملق له لمن أقبلت الدنيا عليه, عليّ بن أبي طالب كان خبيرا بالنفس البشرية ولعادات الناس النفسية والسلوكية وأنّ الناس مع الأقوياء يبحثون عن القوي ليقفون بجواره ليملأوا أفواههم وجيوبهم, ليملئوا بطونهم على حساب الحق, وليملأوا جيوبهم على حساب الحق, إذا أقبلت الدنيا على احد سلبته مساوئه إن كان غبياً أصبح ذكيا, إن كان متوسط الملكات أصبح عبقريا في شؤون البر والبحر والجو وقل ما شئت من شؤون الأخرى كما قال الشاعر:

والناس من يلقى خيرا قائلون له                    ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل

الهبل الموت. الناس من يلقى خيراً قائلون له ما يشتهي إن كان قويا, أو واقفا على قدميه فإنهم يسمعونه ما يحب, هذا أمر لكن هناك أمر أهم منه, الناس لن يتحرروا من النفاق, سيبقى الناس ينافقون في كل زمان ومكان هناك الضعفاء, يعتقدون رزقهم في يدي فلان, إذن لابد الدفاع عن فلان بالحق أو الباطل لأن فلان هو الذي يمسك الأمور, لكن الشعوب لا تنهض أيها الإخوة بالرياء والتملق والكذب, الشعوب تنهض باحتضان الحقيقة بالدفاع عن الحق, إنّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:( من ولي من أمور أمتي شيئا فاستعمل عليهم رجلا يرى في المسلمين من هو ارضي منه لله تعالى فقد خان الله ورسوله والمؤمنين) ما معنى هذا الكلام معنى هذا الكلام إنّ المجتمعات الناهضة تحقق نهضتها ونجاحها بتقديم أهل الكفايات بتقديم الكفاءة على الثقة, المجتمعات المتخلفة الظالمة هي التي تقول: هذا معي هذا يؤيدني هذا يذكرني بخير فليتبؤ هذا المنصب ,هذا ليس معي هذا لا يذكرني بخير نقرب ونباعد بناء على الولاء وعلى الثقة وعلى العصبية القبلية أو الحزبية أو السياسية أو إلى آخر ذلك, هذا يؤدن بخراب المجتمعات. من ولي من أمور أمتي شيئا فاستعمل عليهم رجلا هو يرى في المسلمين من هو ارضي منه لله تعالى فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.

    يكثر في ظل الإحساس بقوة فريق في مواجهة فريق مثلا ظاهرة النفاق والتملق والرياء لينال الناس أمورا ليست من حقهم, ينالوا مناصب ليست من حقهم, فالنبي صلى الله علبه وسلم ينبهنا إنّ هذا أمر في غاية الخطورة بل هو خيانة لله ورسوله والمؤمنين ,خذ هذه القصة التي كثيرا ما اذكرها في هذا المكان وفي غيره , عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جاءه أبو مريم الذي قتل أخاه زيدا قتل زيدا وكان أبو مريم كافرا وقتل زيدا في بعض حروب المسلمين ,ثم اسلم عندما اسلم جاء إلى عمر بن الخطاب وعمر كان يحب أخاه زيدا لكن عمر لم يستطع أن يكتم مشاعره, قال للرجل: أنت الذي قتلت زيدا قال: يا أمير المؤمنين لقد أكرم الله زيدا بقتلي إياه أصبح شهيدا, ولم يهني بقتل زيد لي أجابه هكذا أنت تسألني الآن عن زيد، زيد أكرمه الله عندما قتلته, لكن الحمد لله إنّ الله لم يهني لو قتلني زيد لكن عمر قال له اغرب عن وجهي, ابتعد فلن احبك حتى تحب الأرض الدم, هذا ليس حقدا إنّما عمر عبّر عن مشاعره وكان رجلا. متى يكون حقدا, لو أن عمرا ابتسم في وجهه ونوى له النية السوداء ذلك هو الحقد لكن عمر كان في قمة الرجولة وهو يعبر له عن مشاعره قال له اغرب عن وجهي, فلن احبك حتى تحب الأرض الدم, فنظر له الرجل الذي كان يعيش أجواء الحرية والعدالة في دولة الإسلام قال له: يا أمير المؤمنين أو يمنعني هذا حقي قال لا..... لا.... حقوقك كمواطن مسلم كاملة مثلي أنا مثل خليفة المسلمين هذا موقف فقط شعوري, وأنا عبرت عنه, فعمر بن الخطاب كان رجل المرتين, المرة الأولى ,عندما أعلن مشاعره تجاه الرجل والمرة الثانية عندما طمأنّ الرجل, أنّ هذا ليس له علاقة بالمسالة الحقوقية أنت قتلت أخي وأسلمت لا شيء في ذلك, لكني أنا إنسان.

      هذه المناهج التي تبني الأمم ليست الأحقاد والإحن الصغيرة التي هنا وهناك بقيت مسالة صغير والتي نتكلم فيها كثيرا, مسالة الإخوة التي يعبر عنهم العالقين على معبر رفح’ والله ليس لدي ما أقول, إلا أن أقول للفرق المتنازعة قدموا مصلحة هؤلاء الناس على مصالحكم إذا جلس كل فريق بينه وبين نفسه ووضع مصلحة هؤلاء الناس على مصالحه الشخصية والسياسية ستحلّ المسالة.