بسم الله الرحمن الرحيم

فيا أيُّها الإخوة الأعزاء هل إلى خروج من سبيل؟ -وليس الخروج من مشكلتنا فحسب، لكنّ العالم الإسلامي كله يعيش في أزمة-، نعم هناك سبيل للخروج، وهذا السبيل هو سبيل واحد وأوحد إنّه الدِّين {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } والعرب كما قال ابن خلدون لا يصلحون إلا بدِّين، من غير دين يكونون هباءً تذروه الرياح.

  إنَّ الدِّين هو الذي أدخلهم التاريخ من أوسع أبوابه وكان له دور عظيم ومجيد في دنيا الناس, ببركة هذا الدِّين الذي مَنِّ الله به علينا {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } لكنَّ هذا الدِّين أيُّها الإخوة مظلوم وربما ظلمه أهله أكثر مما ظلمه الآخرون، مظلوم في فهمه ومظلوم في عرضه، هناك من لا يُحسن فهمه، وهناك من لا يُحسن عَرضه، وهناك من يُِِِِعرضه على نحو يُنفر منه، إنّ الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } ينبغي أن يكون منهج الدعوة إلى دين الله على هذا الأساس، يُحبب الناس في الإيمان ويُكرِّه لهم الكفر والفسوق والعصيان، لكن هناك كما قلت من يجزئ الدين، فهو متدين في دائرة وغير متدين في دائرة أخرى، فتجد امرأة مثلاً لا تتقيد بضوابط الإسلام في الزيّ واللُبس فتزعم أنها متدينة، وهناك من لم يصلِِِِ ويزعم أنَّه متدين ورٌبما قال لك انه سيدخل الجنة قبلك، هناك متدينون ينتسبون إلى الدِّين لكنهم قساة القلوب، لكنهم لا يؤمنون بالحوار، لا يُكرّمون الإنسان ولا يأبهون بحقوقه مثلاً .

       هذه قضية أخرى يحصل التدين في شعائر العبادات، هذا تدين منقوص وتدين مشوه  الأستاذ المرحوم الكاتب المعروف خالد محمد خالد وضع كتاباً سماه الدِّين للشعب وحاول أن يؤسس جمعية أطلق عليها الدِّين في خدمة الشعب رُبَّما الذي دفعه إلى هذا أنّ هناك من يُوظف الدِّين لأهداف وغايات غير أهداف الدِّين وغاياته، هذا الفهم المُعوج والمنحرف التجزيئي الانتقائي للدّين{وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } إن حاججته بآية ليست في مصلحته .لوي عنقه وان كان النص في مصلحته جاءك وله هدير وزئير، هذا تجزيء للدّين واستخدام للدّين في غير ما أراد الله للدّين أن يتحرك، إنّ الله أراد من الدِّين أن يغير عقول الناس وقلوبهم، وربما استلهم الكاتب الذي كتب هذا الكتاب الدِّين للشعب استلهم هذا العنوان من قوله تعالى وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } ومن قوله تعالى {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ  وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } هذا هو الإسلام، لأنه تحدث عن هذا في مقابل الباطل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء  الزبد هنا هو الباطل  هو نقيض الإسلام {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء} وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ } يستقر يبقي لأنه حق {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} ، الدِّين ليست شعائر, الدِّين ليست صيغا لفظية نرددها صباح مساء ،ا الدِّين موقف في ا لحياة, الدِّين خضوع وانقياد لله .

     المتدين هنا والمتدين هناك أمّا متدينا هنا وليس متدينا هناك هذا لعب وعبث للدين،إن الرسول صلي الله عليه وسلم عندما سأله احد الناس قال له: - يا رسول الله اخبرني عن أحبِّ الناس إلي الله فقال صلي الله عليه وسلم ( أحبُّ الناس إلي الله أنفعهم للناس ) ماذا تقدم للناس أنت؟ لابدّ أن نفهم الدّين أيها الإخوة بناءً علي محكماته الأساسية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }فنبينا رحمة وديننا رحمة وينبغي ان نكون نحن رحمة أيضا .

       هذه خصائص الإسلام لا نريد أن نكون كالمحامي الفاشل الذي يدافع عن قضية عادلة ،إنّ التدين أيها الإخوة الأحباب يظلمه أهله فهم يقدمونه مجزأ، يقدمونه موظفا وخادماً لأهداف وغايات، لابد أن نفهم الدِّين بناء ًعلى محكماته الأساسية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى } يا رسول الله من أحبُّ الناس إلى الله ؟ قال: أنفعهم للناس، قال: وأيّ الأعمال خير؟ قال: سرورٌ تدخله على مسلم، سرور تفرح قلب مسلم يا أخي، هذا هو التدين.

        وابن عباس رضي الله عنهما وهذا شيء مهم قطع اعتكافه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان معتكفاً وعندما جاءه رجل رأى عليه أمارات الهمّ ّوالغم، قال له: إني أراك مهموماً فاشتكى إليه الرجل اشتكى ديونا ألمت به،فأخذ نعليه وقطع اعتكافه من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار مع هذا المكروب المهموم, هذا هو التدين أيها الناس صار معه، أحسب لو أنّ احدنا كان معتكفاً في مسجد من هذه المساجد وجاءه من يستنجد به لصرفه وقال له: عندما تنتهي مدة الاعتكاف وكأننا أكثر تديناً وعبادةً من ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الفهم والتأويل.

          آن أيها الناس أن نفهم هذا الدين, كيف يساوي الله سبحانه وتعالى بين حقه وحق الإنسان {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً } افتحوا كتب التفسير {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً } أو يستقرض الله؟! إنّما مَنْ ذا الذي يقرض الإنسان المحتاج ؟عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عن الله أنّ ربنا سبحانه وتعالى يوم القيامة يقول للإنسان (يا بن آدم مرضت فلم تعدني) هذا حديث عجيب جداً وهذا حديث يصور التدين المسئول، أنا اعرف أنّ الناس يتعلقون بالتدين الغير المسئول، أو بالتدين الذي يحقق مصالحهم (يا بن آدم مرضت فلم تعدني قال كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين قال مرض عبدي فلان أما انك لو عدته لوجدتني عنده، يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال استطعمك عبدي فلان ) المسئولية الاجتماعية {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } هذا الحديث فيه تصوير كما قلت تصوير عجيب  لأهمية المسألة الاجتماعية والحقوق الاجتماعية، هذا الحديث يصور الدِّين بأنه نفّاع للناس وأن الناس محور هذا الدين وأن الدِّين ليس مسألة معلقة بالأهواء، شعائر وصيغ لفظية ومظاهر فحسب لا، الدِّين أمر وراء ذلك (استسقيتك فلم تسقني وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان) الإنسان محور الإسلام أيها الإخوة ولذلك كل مقاصد التشريع الإسلامي تدور حول مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة  { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } تدور حول مصلحة الإنسان، كل أوامر الإسلام ونواهيه جاءت لتحمي حياة الإنسان، ومال الإنسان، وعِرض الإنسان، جاء الإسلام ليحمي هذه المقاصد وهذه الضرورات كلها ولذلك عندما اسكن الله آدم في جنته قال له  {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى } إشارة إلى الحقوق الاقتصادية الأساسية للإنسان وقال تعالى في موضع آخر فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ جاء القرآن ليقول {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } الإنسان مكرم في تصور الإسلام، الإنسان هو محور هذا الإسلام، أينما رأيت بيئة تُهدر فيها كرامة الإنسان فاعلم أنّ الإسلام غائب عن هذه البيئة, ان رأيت بيئة تُصادر فيها حرية الإنسان وإرادته ويُصادر عقله, فاعلم أنّ الإسلام غائب عن هذه البيئة.

        إن الإسلام يسير مع كرامة الإنسان ومع ترقيه ومع تفوقه ومع سموه ومع ارتفاعه بروحه وعقله {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } ولذلك رتب الإسلام حقوقاً كثيرة للإنسان، رتب حقوقاً قضائية، ضِمن العدالة للإنسان {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ }  {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } رتب حقوق قضائية، لا يصح معاقبة إنسان دون ملاحقة قضائية، دون حكم قضائي، لا يصح بالهوى، بالظنّ، بالشبهة كل هذا يرفضه الإسلام ويرفضه الدِّين حتى، الإسلام ضمن الحقوق القضائية التي عنى بها الصفات اللازمة في القاضي، مَنْ هو القاضي؟ لابد أن يتصف بالأخلاق الحسنة والنزاهة، لو سجلت عليه كذبة واحدة لا يصح أن يكون قاضياً، لا يحكم قاضي وهو جائع، ولا هو غضبان, لابدّ أن تتوفر كل الظروف للمحاكمة العادلة لهذا الإنسان.

            في كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري عندما ولاه القضاء في اليمن يقول له: آسي بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا يطمع قوى في ظلمك، ولا  ييأس ضعيف من عدلك، سمعتم أيها الإخوة حتى لا يطمع قوي. قوى العائلة أو قوي الحزب أو قوي المال أو قوي كذا وكذا  حتى لا يطمع في ميلك له, في حيفك وحتى لا ييأس الفقير من عدلك، المجتمع الذي ييأس فيه الفقراء أو الضعفاء هذا مجتمع فقد إنسانيته، رتب حقوقاً قضائية، قدّس حق الدفاع عن النفس، هذا المتهم لابدّ أن يدافع عن نفسه، لا ينبغي أن تأخذه بالظنّ، لا ينبغي أن تأخذه بالشبهة. لاينبغي أن تأخذه بالقالة{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} هناك حقوق سياسية أيضا إنّ لصاحب الحق مقالاً هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، إنّ للمسلم حق الاعتراض على الحاكم، إنّ للمسلم حق الشورى، الشورى حق في الإسلام { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ليس الحاكم في الإسلام حاكما بأمره .لا,الشورى حق، القضاء العادل حق، هناك حقوق شخصية  { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} اسألوا كل فقهاء الأرض هل يجوز لعمر بن الخطاب رضي الله عنه_ خليفة المسلمين_ أن يقتحم بيتاً من بيوت المسلمين هكذا؟ لا ينبغي له، لا يجوز, كل فقهاء الأرض يقولون لا يجوز.لأنه حدث أن تسور عمر بن الخطاب بيت أحد الناس ظناً أن فيه فجوراً وفسقاً، فقال لهم أظننتم أن الله يستركم وانتم تعصونه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين إن كنا قد أخطأنا في واحدة فقد أخطأت في ثلاث إنّ القرآن يقول وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }وقد جئتنا من السور وان القرآن يقول { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } وأنت لم تسلم يا أمير المؤمنين وان القرآن يقول لَا تَجَسَّسُوا وأنت تجسست علينا يا أمير المؤمنين ،فأقاموا الحجة عليه, لا يجوز, هذه حياة خاصة, التجسس لا يجوز، قال صلي الله عليه وسلم وهو يتكلم عن الحرب مع الكافرين انظروا(لا تقتلوا شيخا ) انظروا إلي إنسانية الإسلام (لا تقتلوا شيخا ولا طفلا ولا امرأة ولا تحرقوا زرعا ولا نخيلا ولا تنهبوا ولا تمثلوا ولا تضربوا الوجه واجتنبوه ) فيه إذلال للإنسان عند ضربه علي وجهه ,حتى هذه المسالة الصغيرة يُعنى بهاالإسلام وأمير المؤمنين يقول ( لا تضربوا الناس فتذلوهم ولا تجوعوهم فتكفروهم) الضرب يؤدي إلى الإذلال والمهانة, والجوع قد يقود إلى الكفر.

       الإسلام يؤمن مواطنيه على حقوقهم الأساسية الأمن، المال، الدم، العرض، الاقتصاد وفي هذا تفصيل كبير وكثير أيها الإخوة المؤمنون، لكننا نريد أن نؤكد على أن التدين لا يتجزأ، لا يمكن أن أكون متدينا في هذه الدائرة وغير متدين في دائرة أخرى لا يمكن متدين في دائرة العبادة وغير متدين في دائرة القضاء والحكم بين الناس وإشاعة العدل، الحقوق السياسية أن تصرخ بأعلى صوتك تطالب بالحق رافضاً الظلم قال صلى الله عليه وسلم ( إذا رأت أمتي الظالم فلم تأخذ على يديه أوشك الله أن يعمها بعقابه) وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا تهيبت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منها) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا قُدست امة لا يأخذ فيها الضعيف حقه غير متعتع).

           يجب أن نطرح التدين بهذا المستوى، التدين رحمة ومحبة، التدين عطاء أيُّها الإخوة ليس مجرد أخذ، هناك تدين اسميه أنا تدين أخذ, تدين ذاتي لا يغادر ذات صاحبه، لا يغادر صاحبه, نحن نريد تدينا يغادر أنفسنا, يغادر مصالحنا, اقرأ قول الله تعالى {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى}  العطاء، الكلمة الطيبة الهادية عطاء ، النصيحة النافعة عطاء، ستر العورات عطاء، إقالة العثرات عطاء ، حب الناس عطاء، العطاء تدين، ليس التدين أخذاً فحسب، تنكفئ على ذاتك وتقيم الشعائر والصيغ اللفظية، نريد أيها الإخوة أن نمتلئ شجاعة وإيمانا ويقينا، هكذا يريد الإسلام لنا أن نمتلئ تفاؤلا وأملا بالمستقبل، أن ندعو للخير, وأن نتفانى للعمل من اجله ، ان نخلص للحقيقة وحدها أيها الناس، الحقيقة مظلومة أيها الناس، الحقيقة تصرع مرات ومرات في بلادنا، نريد تدينا يورث قوما صادقي الألسن، خالصي النيات, مكفوفي الشر عن الناس, قال صلى الله عليه وسلم (إنّ من شر الناس مَنْ اتقاه الناس مخافة شره) كما رواه ابن مالك في الموطأ، نريد تدينا يرتفع بمستوياتنا ويحل مشكلاتنا، يوحد صفوفنا، يشرح صدورنا، يربطنا بالحقيقة والخير والعدل والقيم الفاضلة وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي لكم.

      فمرة أخرى أؤكد أينما وجدت في بيئة تُهدر فيها كرامة الإنسان وتصادر حريته ويُكمم فمه فاعلم أنّ هنا الإسلام غائب, لا دور للإسلام هنا ، الإسلام دين العدل ,الإسلام نقيض الاستبداد, الإسلام لا يعرف التجزئة في التدين ولذلك قال تعالى في وصف المؤمنين {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } بعد إقامة الصلاة وهي فريضة عبادية أهم شعائر الإسلام مع الفريضة السياسية ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } لا يمكن أن أكون متدينا وأنا أمارس الاستبداد وأنا أصادر الشورى هذا أمر لا علاقة له بالدين .

                  هناك مشكلة أخرى ربما نتحدث عنها في لقاءات قادمة ، تلبس الدين بالأفكار الذاتية .

                 على كل حال التناقضات الحادة والتجاذبات الشديدة التي نشهدها في ديارنا لا مصلحة لنا كمواطنين فيها  أبدا ,لا مصلحة للشعب فيها, إنّما هي تصب في مصلحة عدونا, ولذلك نناشد إخواننا الأعزاء من كل طرف أن يتقوا الله أولا وأن يعملوا لمصلحة هذا الشعب ثانيا، وأن يحددوا أولوياتهم جيدا في هذه المرحلةالصعبة ،ما يحدث اليوم هو مصدر قوة علي قوتهم لأعدائنا .

          إنّ المرحلة تحتم علينا أن  نعيد  بناء أهدافنا من جديد. ما هي أهدافنا ؟ما هو هدفي؟ فنتكلم بشجاعة ونمتلك كما قلت شجاعة ويقينا، الناس اليوم عميت عليهم الأنباء لِمَ؟ من كثرة ما يرون من تناقض وتجاذب واتهامات متبادلة.

          إننا نناشد إخوتنا الأعزاء وكلنا ثقة في أنهم يلبون نداءنا هذا أن يتواصل بعضهم بعضا وان يحرروا كما يقول الفقهاء أن يحرروا موضع النزاع فيما بينهم ، أليس غريبا أيها الإخوة أن يذهب المسلمون والعرب علي التفاوض مع إسرائيل والاعتراف بها وان تنشب الحروب والمعارك بينهم! هذا شيء غريب يجب أن نتحرر من غرائزنا...... يجب أن نتشبث بمبادئنا ، وكما ذكرت يجب أن نعيد بناء أهدافنا وأن نتوجه إلي إخواننا وأبنائنا وبناتنا وشعوبنا العربية والإسلامية لنصوغ الأهداف المناسبة لهذه المرحلة التي نمر بها وألا تتمحور هذه الأهداف حول الذات وحول المصلحة.

           مسالة أخيرة أريد أن أذكركم وان أذكر نفسي فيها ، لفت نظري في قصة آدم وإبليس معنى أود أن يصل إليكم, إنّ آدم وإبليس كليهما خالفا ، هذا خالف الأمر وهذا وقع في النهي, آدم وقع في النهي, وإبليس خالف الأمر لكن ما الفرق بينهما؟ ، الفرق بينهما أن آدم اعترف بخطيئته وتاب { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } اعترف بالذنب يا أخي ولجأ إلي الله القي بكليته بين يدي الله { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }ودان نفسه أما إبليس فقدس نفسه قال أنا خير منه وهذه مشكلة كبرى أيها الإخوة ، آدم وإبليس يمثلان لنا منهجا, أو يمثلان أمامنا خيارا أيّ الطريقين نسلك طريق آدم والأنبياء أم طريق إبليس والفراعنة والجبابرة؟ ، لاحظ أن آدم قال { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا فاعترف بخطيئته وأسندها إلي نفسه لكنّ الشيطان {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي } أحال مشكلته علي الخارج هناك لا اعتراف بالذنب لماذا ؟ هذا كبرياء وعنصرية شديدة في إبليس { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } عصى وقدّس نفسه وأحال بمشكلته إلي الخارج !!!.

          نرجو أيها الإخوة الأعزاء نرجو من مجتمعات المسلمين ونحن منها أن ننتهج نهج آدم والأنبياء أن ندين أنفسنا وأن نستغفر ربنا وأن نتوب إليه إن ما أصابنا ليس ما استقر في واقعنا النفسي { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.