بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الإخوة جاء في القرآن الكريم على لسان إبراهيم والذين آمنوا معه قول الله تعالى {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }. كيف يمكن أن يكون المؤمنون فتنة للكافرين؟ يكون المؤمنون فتنة للكافرين بضعفهم وتخلفهم وبجهلهم وتفرقهم وهزيمتهم أمام الكافرين، فيقول الكافرون:" لو كان هؤلاء أصحاب دين حق لنصرهم دينهم، ولحماهم دينهم لكن وهم يهزمون أمامنا، وهم يعيشون الجهل والتخلف كيف يكونون أصحاب دين حق؟"، هذا هو المعنى الموجز لهذا الدعاء ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، ربنا لا تجعلنا سببا في عدم اقتناع الكافرين بديننا، ربنا لا تجعلنا سببا في نفور هؤلاء الناس الذين ينبغي أن يؤمنوا بهذا الدين, ويجب علينا أن ندعوهم لهذا الدين، لا تجعلنا سببا في إبعادهم بجهلنا وتخلفنا وتفرقنا وهزيمتنا وضعفنا، كذلك يقول الله تعالى:" إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا"، وأنا لا أدري كيف يمكن لنا أن ندعي الإيمان ثم نفعل ما لا يحب الله؟!، إن الله يعلن لنا ,الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ,كان ينبغي على المؤمنين أن يبحثوا عمّا يحب الله ليفعلوه, وأن يقولوا سمعنا يا ربنا وأطعنا، فتتوحد الصفوف وتتوحد الأحداث وتتوحد الغايات ونعزّ الدّين الذي ننتسب إليه ولا نكون فتنة للآخرين، ما الذي يغري الآخرين بديننا كي يدخلوا فيه؟ ما الذي يغريهم من خلال واقعنا الذي نعيشه؟، من خلال واقعنا الثقافي والحضاري والسياسي ، ليس في حياتنا ما يغري الآخرين بدخول هذا الدّين, وهذا هو أكبر فتنة يكون فيها المسلمون لأنّهم بهذا يصدون عن سبيل الله, فهم للأسف كالصخرة في فم الوادي, لا تشرب الماء ,ولا تترك الماء يسير، نحن أيها الإخوة نعيش في محنة، ونعيش في شدة، ونعيش في فتنة، وهذه المحنة والشدّة والفتنة ,لها بعدان, بعد خارجي يتمثل في هذا العدو المسلط علينا والذي يعدو علينا بين الفينة والفينة فيفعل ما يريد على سمع العالم وبصره، هذا العالم الذي لا يعرف إلا لغة القوة، والبعد الثاني من المحنة والفتنة والشدة التي نعيشها, تتمثل في أوضاعنا الداخلية، في أوضاعنا السياسية، والأمنية، والاجتماعية، والثقافية.
هي محنة على كل حال مركبة على هذين البعدين، كيف نتعامل مع المحنة؟ كيف نتعامل مع الفتنة؟ كيف نتعامل مع الشدّة؟ بلا شك أنّ انتظار الفرج من الله عبادة, والله يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } ,{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } لكن مع هذا الانتظار لابد من عمل، {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ }. في سورة التوبة يتحدث القرآن عن منهج في مواجهة المحنة، عندما تواجه المحنة بأبعادها الداخلية والخارجية, هناك واجب لابدّ أن تقوم به، وإن أهملت هذا الواجب, دفعت الثمن مضاعفا.
لابد أن نعمل أيها الإخوة ,الحل لا يكمن في الاستسلام والخمول، الحل لا يكمن في التعصب مهما جانبنا الحق، الحل لا يكمن في السكون على ما نحن عليه، إن الله يقول:{أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ }, كم مرة نفتن في العام أيّها الإخوة؟ كم مرة نمتحن في العام؟ .
إن الله يقول {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ }, يحثنا القرآن على إتباع منهجه في مواجهة المحنة والفتنة التي تواجهنا في العام مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك كما تعلمون، (ثم لا يتوبون ولا يذكرون).
التوبة عمل قلبي والتذكر عمل عقلي, سمات التوبة عمل قلبي له علاقة بالسلوك والأداء، والتذكر عمل عقلي, فمعنى كلام القرآن," ما بالكم أيّها الناس تفنون وتمتحنون ثم لا تحدثون تغييرا قلبيا ونفسيا ينعكس على أدائكم وسلوككم، ولا تحدثون تغييرا عقليا، تبقون خاملين، خامدين، ساكنين، مستسلمين".
إنّ القرآن يعيب على الناس هذا الموقف في مواجهة الفتنة , {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ }, لا يغيّرون سلوكهم، لا يتوبون مما اقترفوه من ذنوب أخلاقية، وسياسية، وثقافية، وفكرية { أَوَلاَ...... وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } ,أي لا يحدثون تغييرا عقليا ينعكس في مناهجهم الفكرية والعلمية وكأنّ القرآن يقول لنا:" إنّ المحنة وإنّ الفتنة تحل بك لخلل في قلبك أو خلل في عقلك، إمّا لخلل في منهج التفكير في العقل، وإمّا لخلل في السلوك, فعلينا يا سادة أن نفكر إذن في سلوكنا وفي أفكارنا، ومن هنا يأتي حث القرآن الكريم على الاستغفار وعلى التوبة، الاستغفار ليس عملية آنية، ليس لغة وليس أفكارا، وليس حبات مسبحة تديرها وقت ما تريد، الاستغفار عملية نهوض، عملية تجديد للنفس والعقل والسلوك، أم أنكم لستم مقتنعين بأنّ هناك جوانب في حياتنا ينبغي أن تتغير؟! ربما، أنا أقول:" إنّ هناك جوانب كثيرة في حياتنا، ينبغي أن تتغير إن أردنا مواجهة هذا الواقع الذي يلفنا" ، فيحثنا القرآن على التوبة والاستغفار
{أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لماذا؟ لم لا تجدد أيها المسلم نفسك؟ لماذا لا تجدد حياتك؟ إلى متى تبقى في هذه الدائرة الراكدة الجامدة؟! تصبح وتمسي فيما أنت عليه، جدد نفسك... جدد حياتك {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }.
أما آن الأوان أيّها الإخوة أن نخضع للحق، أن ننهض كما قلت.
الاستغفار ليس عملية أنية تقتصر على الصياغة اللفظية بلا حياة ولا روح، الاستغفار نهوض وتغيير وتجديد ومراجعة ونقد وحساب وحتى يقيم القرآن الحجة علينا, فقد عرض لنا نماذج واجهت المحن وواجهت الفتن, ليقول لنا بهؤلاء اقتدوا, لقد طلب قوم من نبيهم أن يبعث لهم قائدا, كانوا يعانون من فراغ في القيادة الراشدة، يريدون قيادة تأخذ بأيديهم، والقيادة مهمة في حياة البشر," لكل قوم هاد" القيادة القادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، القيادة الحريصة على الانجاز، هذه مهمة في حياة البشر وفي حياة المجتمعات { قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ } فبعث لهم الله ملكا, فقال لهم نبيهم:" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا" قائدا, لكن العوج والالتواء الكامن في نفوس هؤلاء, جعلهم يعترضون على قيادة طالوت, لإنّ القيادة في أذهانهم مرتبطة بالجوانب المادية, مرتبطة بالوراثة العائلية مرتبطة بالأصرة المادية، مرتبطة بمسائل, ليس لها علاقة بالحق { قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} ليس لديه مال، ليس لديه ثروة تؤهله.
والعمليات الانتخابية التي تمت في الغرب ,وتتم لها نماذج مشوهة في بلادنا باسم الديمقراطية ,هي خاضعة لهذه المقاييس، لمقاييس الثروة فالثروة المالية, قد تنجح من لا يستحق, والندرة المالية قد تفشل من يستحق،{ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} لكن القرآن لفت نظرهم ونظرنا إلى مؤهلات القيادة الحقيقية { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ}, الاصطفاء هو أثر من آثار الإيمان { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} إذن هناك إيمان وهناك قوة عقلية وهناك قوة مادية واستعداد متمثل في قوة الجسم { إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} لديه الإيمان ولديه الإرادة { وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْم ِوَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ}, لكن القوم جبن بعضهم عن القتال { قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } وهذا قانون الهي، الانتصار لا علاقة له بكثرة العدد، ولا بقوة السلاح فقد تنتصر القلة على الكثرة، إذا امتلكت القلة الإيمان، وامتلكت الإرادة، وأعدت أقصى ما لديها، وقد تنهزم الكثرة التي فقدت الإيمان, وانحلت إرادتها، وضعفت وابتليت بالجهل والغرور، تنهزم قديما وحديثاً.
ومن تجاربنا الحديثة التي ما زلنا نعيشها حتى الآن تجربة لبنان الأخيرة، والتي اعترف الإسرائيليون بهزيمتهم، إنّهم هزموا أمام قلة تمتلك الإيمان، وتمتلك الإرادة، وتمتلك القيادة، { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} والله ,لقد قرأت هذه الآية في لوحة كبيرة في السبعينات على الضفة المحتلة من القناة بعد حرب 1967م، كتبها الإسرائيليون ليواجهوا بها أهل القرآن، ليواجهوا بها المسلمين، كتبوا يافطة كبيرة على الضفة المحتلة من قناة السويس { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} ليمتلئ الكافرون خزياً وخجلاً ,علهم يتحركون، وها نحن نمر بالعام الأربعين لهذه النكبة الكبرى، ورغم ذلك كله, انتصر المصريون مهما كان حجم الانتصار، يوم امتلكوا قدرا من الإرادة، وقدرا من الإيمان، المقاومة عندنا, إنها تفاجئ العدو من حيث لا يحتسب في مرات كثيرة، وفي مواضع كثيرة.
لا يأس أيها الإخوة المهم أن نعمل على امتلاك الإيمان وعلى امتلاك الإرادة، أن نعمل على تطوير أنفسنا عقلياً ومادياً {وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ}, { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} امنحنا الصبر والثبات، والصبر والثبات فرع من فروع اليقين, أنت لا تصبر إلا إذا كان لديك يقين بالهدف الذي تعمل من اجله {وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ }.
في سورة آل عمران يتحدث القرآن عن نموذج آخر واجه الشدة وواجه الأعداء واعتصم بمنهج الله {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} لا شعارات ولا غوغاء ولا كذب ولا طبول ولا إعجاب بالذات , ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا, تجاوزنا الحد يا رب، أحاطت بنا ذنوبنا يا رب، حررنا من هذه الذنوب، اغفر لنا إسرافنا في أمرنا, كي نواجه هؤلاء الكافرين، وثبت أقدامنا بالإيمان والقوة، وانصرنا على القوم الكافرين {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }.
ولك أن تتأمل يا أخي في آيتين اثنتين { وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ }،{ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } من هم المحسنون أيها الإخوة؟ من هم؟ من أحسن التفكير،ومن أحسن النية، ومن أحسن الأداء، متى ننهض أيها الناس؟ ونحسن التفكير ونحسن الأداء، ونحسن نياتنا {اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا}، إنّ نبينا صلى الله عليه وسلم يقول:( والله إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة), وكما قلت:" الاستغفار محاسبة للنفس ومراجعة للذات، تغيير ونهوض"، اللهم أنت ربي لا اله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت".
إنّ أمة تربي على مثل هذا المنهج ,لابد أن تتجاوز محنتها، ولابد أن تتجاوز الفتنة التي تبتلى بها، عندما يجلس الفرد منا أنا وأنت ثم نناجي ربنا" اللهم أنت ربي لا اله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك- العبودية أيها الإخوة، الخضوع لله والانقياد له- وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت-الذي صنع الفرقة، الذي سفك الدم، الذي كرس الحزبية، الذي أشاع التعصب، متى يقول أعوذ بك من شر ما صنعت- أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي".
الاستغفار له علاقة بتغيير المجتمع، انتبه يا أخي، الاستغفار له علاقة بالتمكين، وله علاقة بالقوة لأنه تغيير {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} تطور في الجانب الاقتصادي.
عندما يراجع الناس أنفسهم وعندما يتواضعون، وعندما نقدم الكفايات، وعندما يتقدم الرجال بناءً على كفاءاتهم وليس بناءً على الولاء والثقة، فليسمع الحزبيون وليسمع المسئولون وليسمع من يشترطون لانتماء الحزب في استلام الوظائف قديماً وحديثاً، الاستغفار له دور كبير في التجديد، وتجديد المجتمع وتجاوز الظاهرة الراكدة، المستنقع الراقد التي تتبخر مياهه ولا تتجدد {وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} هذا موضع، في السورة نفسها على لسان هود {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}.
إننا ندعو قومنا قيادة وقاعدة وحكومة وشعب أفراداً وجماعات إلى هذه الصيغ من الاستغفار لنجدد أنفسنا، لنواجه فتنتنا الداخلية ولنواجه التحدي الخارجي الذي يتحرك في فراغ، يفعل بنا ما يريد.
كيف ننهض أيها الإخوة؟ كيف نتغير؟ فلنسمع إلى نداء الله الجامع {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} اذكر الله في وظيفتك، اذكر الله وأنت تتعصب لانتمائك، اذكر الله وأنت تفكر في قتل أخيك، اذكر الله سبحانه وتعالى, وأنت تروج للتعصب والقطيعة والفرقة والجهل، لا تتعصب لما لا تعرف، لا تتعصب إلا للحق الواضح كالشمس واقبل وجهة نظر أخيك، لابد أن تروج لأخلاق العدل وأخلاق الحرية واحترام العقل والنقد ونبذ العنف والحوار والوحدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُْ} أطيعوا الله ورسوله- المنهج- نحن لا نعيش بغير منهج أيها الإخوة {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ} إنها ستة توجيهات في هاتين الآيتين الكريمتين من سورة الأنفال.
أما آن لنا أن نستجيب لربنا أيها الإخوة! أما آن لنا أن نغير من عقولنا ومن أنفسنا ومن سلوكنا حتى يغير الله ما بنا! غيّر نفسك يتغير التاريخ، أمّا ونحن جامدون، خامدون، ساكنون لا تفكر إلا في ذواتنا، ولا نفكر إلا في أنفسنا فأنى يغير الله ما بنا! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
أيها الإخوة اسمعوا هذا الحديث النبوي الشريف, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعا من صدور العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء-أي بموتهم- حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) أخرجه البخاري .الحديث أعيده مرة ثانية , لأنه يصور جانبا مهما من جوانب المشكلة التي نعاني منها," إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعا من صدور العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء-العلماء العاملين المخلصين الصادقين أصحاب البصيرة يموتون- حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالاً- رؤوس يعني رؤساء وزعماء جهلة فسئلوا هؤلاء فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
نحن نعاني من غياب مرجعيات سياسية راشدة وراجحة، نعاني من غياب مرجعيات دينية وفقهية وشرعية راشدة وراجحة.
إنّ من أهم أسباب الأزمة التي نعيشها, أن كثيرا ممن يسمى بالقادة الدينيين أو السياسيين يعيشون لأنفسهم ولذواتهم ويستثمرون الدّين، أو يستثمرون الوطن، أو يستثمرون القضية لمصالحهم، يدورون حول أنفسهم.
عندما توازن بين قادتنا و قادة الصهاينة أو قادة الصليبيين لا يمكن إلا أن تحس بغصة, إنّ القوم يقدمون أعظم من لديهم، أما نحن ويا حسرة علينا, نقدم ما تيسر- فاتخذوا رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا- وسأتناول في خطبة أخرى هذه المسائل التي يفتون فيها بغير علم, التي تفرق الصف, ولا تجمع الشمل والتي لا تسهم في نهضة ولا تغيير ولا وحدة، إننا باختصار بعد أن وازنا بين قياداتنا وبين قياداتهم بما يجعلنا نحس جميعاً بغصة, وهذا أمر فيه تفصيل كثير، فقط أنبه أيّها الإخوة لكم ولي وللذكرى أيضا, من أهم ما نعانيه- ولعل هذا راجع إلى غياب المرجعيات أو إلى انتشار كثير من المرجعيات الجاهلة، الرؤوس الجاهلة- إننا نعاني من أمرين في هذا المجتمع الفلسطيني المسكين، المنكوب، المحتل, إننا نعاني من الحزبية البغيضة الشديدة التي لا ترى الأمور إلا من منظارها، والتي تقول من ليس معنا فهو ضدنا، وإننا نعاني من التدين الغلط، التدين الشكلي، التدين المغرور، التدين الجاهل، التدين المصلحي ولهذا حديث آخر.