بسم الله الرحمن الرحيم                     

فمن الشعر الحكيم في وصف الإسلام قول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله

الدين يسر والخلافة بيعة              والأمر شورى والحقوق قضاء

هكذا هو الإسلام، الحقوق مبنية فيه على القضاء العدلي، والأمم الحية والكريمة التي تحوط نفسها بنظام قضائي يضمن للناس حقوقهم ويفصل بين خصوماتهم وينهي نزاعاتهم، الشعوب بلا قضاء محترم تعيش حالة من الفوضى والاضطراب تضيع فيه الحقوق وتهدر الكرامات ومن المحزن حقاً أن أكثر بلاد العالم إهداراً لكرامة الإنسان وامتهاناً لآدميته ومصادرة للضمانات التي تكفل حقوقه في الغالب هي البلاد التي تنتسب للإسلام، هذا الدين الذي كرم الإنسان ورفع من قيمته {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} فالإنسان مكرم وله قيمة عليا من وجهة نظر الإسلام، حتى أعداءنا اليهود لديهم محكمة عليا لا يرد لها قرار وتستطيع هذه المحكمة أن تجلب أكبر الناس لديها، أن تجلب رئيس الدولة ورئيس الوزراء وغيرهما من ذي المناصب الرفيعة ولا يرد لها قرار، لكن ما الذي يحدث في بلاد العرب والمسلمين كما أشرت هناك مصادرة للحقوق وإهدار للكرامات وامتهان لآدمية الإنسان، تاريخنا حافل بالقصص والنماذج التي تدلل على تكريم الإسلام للإنسان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم ملك كبير كان أحد ملوك الغساسنة اسمه جبلة بن الايهم وأسلم  معه مئات من الناس وبلغوا عمر أنهم قادمون إلى المدينة إلى دولة الإسلام استقبلهم عمر والمسلمون ثم ذهب هذا الملك ليطوف بالبيت وهو يطوف بالبيت وطئ رجل من الأعراب من قبيلة فزارة وطئ إزار جبلة فنحل إزاره فلتفت إليه جبلة فلطمه على أنفه فهشم أنفه، فذهب الرجل لعمر بن الخطاب يقول له إن جبلة لطمني، جبلة لم يسلم إلا منذ لحظات وباصطلاحات وتعبيرات العصر يعتبر إسلام ملك ومعه مئات من قبيلته يعتبر ذلك مكسباً كبيراً لكن عمر بن الخطاب الذي يجسد الفهم الإسلامي لا يقدم المكاسب على المبادئ لا يقدم المصلحة على المبدأ، المبدأ مقدم على أي اعتبار آخر فاستدعى جبلة الملك الذي أسلم حديثاً وقال له ما الذي فعلته قال يا أمير المؤمنين: انه وطأ إزاري فنحل إزاري ولولا حرمة البيت لقطعت الذي فيه عيناه أي لقطعت رأسه، الرجل يعيش بقية من أبهة الملك لم ينتظر عمر كثيرا بعد هذا الإقرار فقال له: دعه يلطمك كما لطمته، لا سوقة ولا ملك لا محاباة ولا تحيز إننا نريد الإسلام الحقيقي أيها الإخوة، نريد كتاب الله وسنة رسوله، نريد الحكم بما أنزل الله يرفعنا من الوهدة التي نحن فيها وينهي هذا الشقاق وهذه المشكلات ويضع حداً للنفوس المتمردة على حدود الله وشرعه فقال له: دعه يلطمك كما لطمته فالرجل أخذته العزة بالإثم وقال يا أمير المؤمنين: أتساوي بيني وبين السوقة، قال إن الله سوى بينكما قال: والله إني كنت أظن إنني في الإسلام أرفع مكانة مما كنت من قبل فقال له عمر: دعك من هذا أي دعك من هذا الغرور قال إذا والله أتنصر أي أرجع كما كنت فقال عمر: إذاً أقطع عنقك هذه ردة بعد الإسلام، لكن الرجل احتال على عمر فقال: انظرني ثلاثاً وفي هذه الأيام الثلاثة عاد إلى ما كان عليه والتحق بالروم لا بأس  المهم إن المبدأ بقى محفوظاً وبقى مصوناً مبدأ العدالة وتكريم الإنسان هذا الأعرابي الذي وطأ إزار جبلة بن الأيهم لا يعرف التاريخ اسمه من هو، التاريخ يذكر جبلة بن الايهم ملك الغساسنة لكنه لا يعرف هذا الأعرابي من اجل هذا الشخص المجهول ضحى عمر بالملك ومن معه ليحافظ على مبدأ الإسلام للأسف أيها الإخوة حلت محل المبدئية الروح المصلحية وروح الانتهازية على كل حال يروى أن الرجل جبلة بن الأيهم ندم فيما بعد وقال أبيات من الشعوب يصور فيها حالته النفسية قال

تنصرت الأشراف من اجل لطمة               وما كان فيها لو صبرت لها ضرر

تكنفني لجاج ونخوة وبعت لها                      العين الصحيحة بالعور

فيا ليت أمي لم تلدني وليتني                    رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر

لكن بعد فوات الأوان، المهم الحفاظ على مبدأ تكريم الإنسان وعدالته من خلال قضاء مستقل لا يهيمن عليه أحد، حتى الخليفة حتى رئيس الدولة لا يستطيع أن يتدخل، ان عمر بن الخطاب في خلافته أيضاًَ وهي خلافة مباركة انتشرت فيها العدالة والكرامة عندما جاءه القبطي المصري ليشتكي ابن الوالي الذي ضربه وقال له أتسبق ابن الأكرمين؟ الوالي لا حصانة لأحد، الاستبداد أمر بشع كريه سواء أمارسه حزب أم مارسه فرد والأبشع من الاستبداد الفردي والحزبي الاستسلام له الخنوع أمامه، الاستسلام له الرضا به، لما جاءه القبطي وقال له لقد ضربني ابن عمر أيضاً لم يتأخر عمر بن الخطاب واستدعى عمر وابنه، وقال للقبطي: اضرب ابن الأكرمين كما ضربك، وقال كلمته المشهورة

(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).

بالمناسبة أعدائنا لم ينتصروا علينا أيها الإخوة الكرام بقوة السلاح فقط لا، انتصروا علينا بعوامل أدبية ومعنوية أخرى، ربما لا تمثل قوة السلاح نسبة صغيرة فيها، العدالة، واستقلال القضاء، وكرامة الإنسان هل يملك أحد بمزاجه أن يوقف أحد في الطريق؟. هل يملك أحد بمزاجه أن يقتحم بيتاً من البيوت؟ إنهم يقيمون الدنيا ويقعدونها هذه عوامل مهمة لا تضنوا أن البناء الداخلي الوحدة، العدالة، الكرامة أنها مسائل صغيرة إنها تمثل تسعة أعشار المعركة أيها الاخوة.

لما أسلم قاتل زيد أخ عمر بن الخطاب وقال له عمر: اغرب عن وجهي فلن أحبك حتى تحب الأرض الدم فنظر إليه الرجل وقال له: أويمنعني هذا حقي يا أمير المؤمنين؟ انظر إلى الشجاعة والجرأة كيف كرم الإسلام البشر، إن الأمم والحضارات لا تبنى بمن يضربون على وجوههم، لا تبنى بالخانعين الأذلاء من توضع الأكياس في رؤوسهم، تبنى بالأحرار والكرماء والواثقين بأنفسهم، ان حصوننا ليست مهددة من الخارج بقدر ما هي مهددة من أنفسنا.

قال له: اغرب عن وجهي فلن أحبك حتى تحب الأرض الدم فقال له: أويمنعني هذا حقي يا أمير المؤمنين؟ قال:لا، قال: إذن يبكي على الحب النساء.

ولذلك قدم الإسلام ضمانات لكرامة الإنسان وتحقيق العدل بالنسبة له من خلال نظام قضائي محترم لا يتحكم فيه أحد الضمانة الأولى أن الحكم في الإسلام هو حكم بما أنزل الله والناس لن يحققوا حريتهم وكرامتهم وإنسانيتهم إلا في ظل نظام يحكم بما أنزل الله، ترى الحزب الذي يحكم بهواه هل يحكم لك كما يحكم للمنتمي إليه؟ لو دخلت أنت ومنتمي لهذا الحزب في محكمة يرأسها حزبي هل تتوقع العدالة أم تتوقع الحيف والظلم؟ لكن في ظل الخضوع للمرجعية العليا المتمثلة في الحكم بما أنزل الله {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى} ما هو الهوى؟ الهوى المصالح، الميول النفسية، الذاتية، الرغبات، الو لاءات كل ذلك هوى تضيع في ظله الحقوق لكن عندما يكون الحكم  بما أنزل الله فالناس سواسية الحاكم والمحكوم، الكل يطمئن على كرامته وعلى حقه {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} الضمانة الكبرى التي ينبغي أن نتحول جميعاً إلى دعاة لها الحكم بما أنزل الله، نريد شريعة الله، نريد دين الله، نريد كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الضمانة الكبرى لتحقيق العدالة في حياتنا كما تحققت على مر القرون، من الضمانات التي كفلها الإنسان حق الدفاع عن النفس ليس في الإسلام من يلطمك على فمك ليقول لك اخرس لا، إن الإسلام يقول{لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } اجهر {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوصي علي بن أبي طالب عندما بعثه قاضياً قال له: إذا جلس بين يديك  الخصمان فلا تقضين لأحدهما حتى تسمع الآخر، لابد أن يتكلم الآخر وأن يدلي بحجته إن لصاحب الحق مقالاً، أما اسكت لا تتكلم لا دخل لك، سيفعل بك كذا وكذا إن تكلمت هذا لا يفعله إلا العنصريون، هذه ثقافات استبدادية ترجع إلى مراحل متخلفة ومنحطة لا علاقة لها بالإسلام، انم النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إن لصاحب الحق مقالا) من حقك أن تدافع عن نفسك وأن تبين وجهة نظرك وان جاز الاستشهاد بقصة إبليس في كتاب الله {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} إن إبليس تتاح له الفرصة ليبين وجهة نظره { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} حجة تافهة في مواجهة رب العالمين لكن هي فرصة ليدافع عن نفسه، لنتعلم نحن التبين وإعطاء الناس فرصة للدفاع عن أنفسهم، الإسلام يجعل البراءة الأصلية هي الأصل فالإنسان معافى (كل أمتي معافى الا المجاهرين) المجاهرين بالمعصية والتجاوز وانتهاك الأخلاق والشرائع (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، ادرؤوا الحدود بالشبهات، ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فمن وجدتم له مخرجا فخلوا سبيله) لا يجوز اخذ الناس بالشبهة والظن، لا جريمة ولا عقوبة إلا بدليل ناصع، إن الظن لا يغني من الحق شيئاً، من الضمانات القصاص ممن ظلمك ولو كان هذا الظالم خليفة المسلمين إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استدعى امرأة ليسألها استدعاها قالوا لها إن أمير المؤمنين يريدك، هناك قصة لا بد أن تسأل عنها ففزعت المرأة من استدعاء عمر وكانت حاملاً ومن الفزع في الطريق أسقطت أجهضت جنينها وصاح صيحتين فمات، فتناقش الصحابة ما الحكم فبعضهم قال له أنت والي فلا مسئولية عليك وسأل علي بن أبي طالب فقال له: يا أمير المؤمنين عليك الدية أنت أفزعتها في إشارة إلى أنه من الممكن أن تستدعى المرأة بطريقة أكثر طمأنينة وهؤلاء إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطئوا أن كان قالوا في هواك فلم ينصحوا لك عليك الدية، تحمل المسئولية عمر بن الخطاب وهو الخليفة لأنه استدعى امرأة ربما تلبسها الخوف من هذا الاستدعاء فأجهضت وهي في طريقها ومات ابنها وكلفت الدولة أن تدفع دية الجنين، المسئولية الفردية لا تزر وازرة وزر أخرى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}،

{ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ} لا يجوز أن تلتبس الأمور وأن يؤخذ الصالح بالطالح لهوى بالنفوس، ان ضمانة العدل والحكم بما أنزل الله هي الضمانة الكبر في الإسلام ولذلك نرى الكتاب المهم الذي أرسله عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري وقد كان قاضياً في اليمن قال له: آسي بين الناس أي ساوي، قال له: ساوي بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع قوي في ظلمك ولا ييأس ضعيف من عدلك لا يمكن أن يكون المجتمع الذي ييأس فيه الضعفاء من نيل حقوقهم مجتمعاً إسلاميا بالمعنى الصحيح، لا يمكن المجتمع الذي يفعل فيه الأقوياء ما يريدون فيه مجتمعاً إسلاميا بالمعنى الصحيح، إن الحل يكمن إن نتحول جميعاً أيها الإخوة دعاة للإسلام، دعاة للحكم بما أنزل الله لتتحقق كرامتنا ووحدتنا وليتحقق انتصارنا العظيم بإذن الله تعالى أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ،،،،،،

يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله) ما معنى هذا الحديث؟ معناه من أحدث حدثاً من ارتكب جريمة أو جناية على دم أو مال أو عرض ومن آوى محدثاً تستر عليه ووفر له الحماية، وهذه من أبشع الصور التي تسيء للعدالة أن يتستر ذو نفوذ على مجرم (من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله) من أبشع صور الإساءة للعدالة، أن يكون لك نفوذ وتستغل هذا النفوذ لحماية مجرم دون أن تسلمه إلى العدالة ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله لم يزل في غضب الله حتى ينزع) العدالة قيمة كبيرة، قيمة مستقلة بذاتها أو كما قال علماؤنا العدل أساس الملك، لابد أن يحكمنا ميثاق شرف أيها الإخوة يؤكد على إن كل تشريع أو تقنين لا يستمد من كتاب الله وسنة رسوله فهو باطل وكل عقوبة لا تعتمد على دليل من كتاب الله وسنة رسوله فهي باطلة ولابد من القصاص ممن قام بها، ولو كانت جلدة سوط ولو كانت ضربة بكف لابد أن يقتص ممن فعلها من أركان هذا الميثاق إشاعة الوعي الفقهي لدي أبناء المجتمع الإسلامي حتى يعرفوا ما لهم وما عليهم، هذه هي ضمانات الإسلام في نظامه العادل وفي نظامه القضائي، لا ينبغي أن يهان أحد أو أن يذل أحد في المجتمع الإسلامي، إن الأذلاء لا يحققون الأهداف الكبيرة إن المهانين لا يملكون أن يدافعوا عن وطن وعن مقدسات، ينبغي أن نرتفع جميعاً إلى مستوى هذا الإسلام أيها الإخوة لنحقق كرامتنا وإخوتنا ووحدتنا، ينبغي أن تقوم العلاقات فيما بيننا على أساس من الأخوة والوحدة والمحبة والاحترام المتبادل، لابد أن نفقه وأن نعي قول الله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرًِ} ويقول صلى الله عليه وسلم (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) من أجمل ما قرأت في الفقه الإسلامي أن كثير من الفقهاء قالوا أن الأخرس لا يقام عليه الحد في القضايا الجنائية لماذا؟ قالوا: لأنه لا يتكلم والإشارة لوحدها لا تكفي أن يوضح موقفه فربما لو تكلم لنطق بشبهة تدرأ عنه الحد فلا يجوز بناء على ذلك إقامة الشبهة على حد، هذه حضارتنا، هذه قوانيننا ما يعيشه المسلمون لا علاقة له بالإسلام، له علاقة بالمنطق القبلي، المنطق المتخلف.