بسم الله الرحمن الرحيم
فالإسلام لا يعرف المحاباة بين شخص وشخص مهما كان انتماء هذا الشخص أو ذاك، الإسلام في جوهره دين الإنصاف، فالعدل فيه عدل للناس جميعاً والظلم ظلم من أي جهة صدر، لا يعني أن انتماءك للإسلام يسمح لك تحت هذا الشعار أن تفعل ما تريد كلا إن الله سبحانه وتعالى يقول {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ سواء أكان الإنسان يهودياً أو نصرانياً أو مسلماً فالعدل ينبغي أن يكون للناس جميعاً، والظلم ظلم من أي جهة صدر في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وقعت حادثة هي من أغرب القصص أو من أغرب الوقائع، لقد ارتكب بعض المسلمين المنافقين الذين لا ضمير لهم، مات ضميرهم وضعف دينهم ارتكب بعضهم جريمة سرقة ولما أحس انه قد اكتشف أو عرف ذهب ليخفى هذه السرقة عند يهودي ظناً منه أن هذا اليهودي خصم للإسلام إذاً فلنلصق فيه كل جريمة نرتكبها، أخفاها عند اليهودي ثم ذهب يصرخ هو وقومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون يا رسول الله إن فلاناً وفلاناً يتهموننا بالسرقة ونحن أبرياء والسرقة عند اليهودي ونحن عندنا الأدلة على ذلك، استغلوا خصومة اليهودي للإسلام فألصقوا فيه الجريمة وهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجه الإدانة لليهودي وأن أولئك الذين يتهمون هذا المسلم ميت الضمير ضعيف الدين قال لهم كيف تتهمون بيتاً مسلماً بالسرقة، لكن هذا الإسلام دين عظيم ويحتاج إلى عظماء ينتمون إليه ويحملونه، فتنزل القرآن فنزلت عشر آيات تقريباً إحقاقا للحق وإبطالا للباطل وتبرئة لهذا الإنسان المظلوم الذي هو خصم من خصوم الإسلام {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً } لا تدافع عن الخونة مهما رفعوا من شعارات ومهما لاكوا من كلمات {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيما يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } في إشارة إلى المؤامرات التي يدبرها هؤلاء المنافقون { إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} في إشارة إلى محاولة ذلك المنافق ميت الضمير البائس في إلصاق الجريمة لخصم من خصوم الإسلام ظنا منه أن هذه التهمة بالنسبة لهذا الشخص مصدقة لأنه خصم من خصوم الإسلام، لكن الإسلام لم يرضَ بذلك وأشار القرآن الكريم إلى محاولة تضليل النبي وتضليل العدالة {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }وفي إشارة إلى مؤامراتهم {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} كل هذه الآيات إحقاق للحق وإبطال للباطل وتبرئة للمظلوم وهو خصم من خصوم الإسلام، هذا الإسلام دين عظيم يحتاج إلى عظماء يحملونه وينتمون إليه ويقدمونه للناس، الإسلام دين لا يعرف المحاباة ولا يعرف الأثرة إنما جوهره العدل والإنصاف، ولذلك جاء في وصية الإمام على كرم الله وجهه إلى واليه على مصر جاء في هذه الوصية قوله ( أنصف لله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوىً من رعيتك فانك إن لم تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون الناس ومن خاصمه الله أدحض حجته وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمة من الإقامة على الظلم فان الله يسمع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد) هذا هو نص الإمام على كرم الله وجهه إلى واليه على مصر، هذا هو توجيه أمير المؤمنين إلى واليه فكيف يوجه تلاميذ ميكافيلي أمراءهم إن الذي نشأ على مائدة القرآن وفي حجر محمد صلى لله عليه وسلم يقول لواليه أو عامله ( أنصف لله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوىً من رعيتك فانك إن لم تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون الناس) هذه مدرسة القرآن وهذه مدرسة محمد صلى لله عليه وسلم، الظلم أمر بشع ولقد كرهه الإسلام كما لم يكره شيئاً مثله، الظلم إن تستقوي على الآخرين أن تعتدي على حق الله وحق الإنسان ولذلك عندما تقرأ القرآن تجد حملة قوية على الظلم والظالمين الظالمون ملعونون {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ولا عهد لهؤلاء { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} لا عهد لهم عند الله وهم محرومون من محبته وهدايته {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}،{وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} وهم هالكون إن آجلاً أو عاجلاً {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} وهم لا أنصار لهم {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} فاقرأ آيات كثيرة ومتعددة يبدع القرآن ويعيد فيها كراهية للظلم والظالمين لأن الظلم اعتداء على حق الله يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم واعتداء على حق الإنسان، والظلم يعجل تغيير النعمة ويعجل وقوع النقمة{ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الظلم اعتدا على حق الله واعتداء على حق الإنسان وجوهر الإسلام مواجهة الظالمين، مكافحة الظلم، كم أعجبني ذلك القائل الذي يخاطب الطغاة الظالمين الذين يستبدون بشعوبهم والاستبداد أيها الإخوة ليس استبداداً سياسي فحسب بل هو استبداد سياسي واستبداد فكري
ألا أيـها الظـالم المـستبـد حبيب الفناء عدو الحياه
سخرت بأنات شعب ضعيف وكفك مخضوبة من دماه
رويدك لا يخدعنك الربيع وصحو الفضاء وضوء الصباح
ما أنت فيه من زهو أيها الظالم، إن لك يوماً لا يحتمل الناس الظلم، ان الظلم منذر بالخراب، ما أنت فيه من زهو
رويدك لا يخدعنك الربيع وصحو الفضاء وضوء الصباح
حذاري فتحت الرماد اللهيب ومن يزرع الشوك يجني الجراح
الظلم منذر بالخراب والقرآن يقول{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً } والآخر يخاطب أيضاُ طاغية من الطغاة
إن ملكت النفوس فابغي رضاها فلا ثورة وفيها مضاء
يشكو للوحش للوثوب من الأسر فكيف الخلائق العقلاء
إن الإسلام ضد الظلم، إن الإسلام ضد الاستبداد، لا يرضَ الإسلام بالظلم إن الظالمين ملعونون في الأرض وفي السماء {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ومن يظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده
وما من يد إلا يد الله فوقها وما ظالم إلا سيبلى بظالم
{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى } عندما يحس بعنفوانه وقوته يظلم ويضرب يمنة ويسرة، لا يرى إلا ذاته، لا يرى إلا نفسه لكن الله سبحانه وتعالى للظالمين بالمرصاد كما قال على بن أبي طالب في وصيته لواليه إن الله يسمع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد تروى كتب التاريخ والأدب عن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أنه أرق ذات ليلة قلق، فاستدعى من يآنسه في ليله فجاءه هذا الرجل فقال حدثني لقد أرقت ليلتي هذه قال: يا أمير المؤمنين كان في الموصل بومة وكان في البصرة بومة، فخطبت بومة الموصل ابنة بومة البصرة لابنها فطلبت بومة البصرة مهراً لابنتها مئة قرية خراب فقالت لها بومة الموصل إني لا اقدر على دفع المهر الآن لكنني أعدك إن دام ملك مولانا سنة أخري سأعدك مئة قرية خراب وزيادة، أراد أن يؤنسه بهذه القصة لكن عبد الملك تنبه وجلس للمظالم وأنصف الرعية بعضهم من بعض، عرف الرسالة التي أشار إليه بها هذا الحكيم، الظلم منذر بالخراب {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} اسمعوا القرآن أيها الناس أيها المغرورون أيها المظلومون اسمعوا القرآن هو يتحدث عن الظلم وعن الظالمين {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} الظلم منذر بالخراب ليس هناك أدعى لتغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من الإقامة من الظلم كما في كتاب أمير المؤمنين على كرم الله وجهه{وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} فكيف يشعرون وهم في عنفوان قوتهم وفي عنفوان طغيانهم {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} العدل أساس الملك والظلم منذر بالخراب نريد أن نقرأ القرآن بعيون مبصرة وقلوب متفتحة، نريد أن نقبل على الله سبحانه وتعالى نستلهم منه العدل والرحمة، نستلهم منه المحبة{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} ،من سنة الله في خلقه أنه يمهل الظالمين، أنه يعطي الظالم فرصة لكن نهاية الظالم محسومة {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}وأبشع مستويات الظلم أن يظلمك من تتوقع منه العدل، أن يظلمك من تتوقع منه الرحمة والخير
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
ظلم ذوو القربى من تتوقع العدل والإنصاف فتفاجأ انه يظلمك وأنه يحرمك حقك وأنه يعتدي على حقك الشخصي وعلى حقك العام، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول( اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فانه أهلك من كانوا قبلكم وحملهم على أنهم سفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم) ما هو الشح؟ الأنانية، الحرص، حب الذات أن تتحول الذات الى نقطة ارتكاز الى نقطة مركزية يدور عليها نشاطي ونشاطك هذا هو الشح {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ويقول صلى الله عليه وسلم (إن الله ليمل للظالم حتى اذا أخذه لم يفلته) ثم تلي قوله تعالى{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وأوصى معاذ بن جبل بعد أن أرسله إلى اليمن قال له يا معاذ اتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول لها وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم مرتعه يدني من الندم
نامت عيونك والمظلوم مرتقب يدعو عليك وعين الله لم تنم
تباً للظلم والظالمين {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} كيف ينام الظالم، كيف يضع جنبه على الفراش وفي عنقه ما في عنقه من مظالم ومآتم ودماء ( أنصف لله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوىً من رعيتك فانك إن لم تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون الناس ومن خاصمه الله أدحض حجته وليس شيء أدعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمة من الإقامة على الظلم فان الله يسمع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد) أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
أيها الإخوة لقد شاهدت بالأمس عروضاً فنية ومسرحية أشرف عليها اتجاه مهموم بهموم الوطن وهموم الأمة وكان محور هذه العروض من أولاً؟ الوطن أم الإنسان، وما قيمة الوطن إذا أهين فيه الإنسان، لقد تأثرت كثيرا بما رأيت والعروض كما قلت في مجملها تدور حول هذه الفكرة وحول ضرورة الوحدة وحتميتها في مواجهة التحديات التي تتهددنا، تكلمت العروض في إشارات رائعة وجميلة الثورة لا تكره، المجاهدون لا يكرهون ولا يحقدون.
لا تضربوا الناس فتذلوهم ولا تجوعوهم فتكفروهم، ما قيمة الوطن إذا أذل فيه الإنسان، ما قيمة الوطن إذا حرم الإنسان من حريته وكرامته وإرادته مما ورد أيضاً على ألسنة المتحدثين في هذه العروض من أهم الزعيم أم صانع الأحذية؟ من أهم الخباز أم قائد الحزب؟ ثم كانت الإجابة إن الحفاة والجوعى لا يستطيعون أن يقاتلوا ولا أن يواجهوا مشاق هذه الحياة، الإنسان أيها الإخوة {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الإنسان الذي كرمه الإسلام وكرمه محمد صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى الكعبة ويقول لها( ما أطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما أعظم حرمتك وان المؤمن أعظم حرمة منك دمه وماله وعرضه ولزوال الكعبة أهون عند الله من قتل امرء مسلم) كيف قست قلوبنا هل طال عليها الأمد فقست القلوب{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ} هل غدت قلوبنا أقسى من الحجارة، أتمنى لو أعرف سبباً لهذا الاقتتال، أتمنى لو أعرف غاية لهذا القتل ولسفك الدماء الذي يغطي وجه هذا البلد الصغير، عندي تفسيرات كثيرة لكن ما كل ما يعرف يقال لكنني أتمني ان يتسم المقتنعون بهذا الاقتتال من كل الأطراف بالشجاعة ليحدثونا ما هي أهدافهم وما هي غاياتهم، ماذا يريدون؟ هذا الطفل المسجى بين أيدينا مسئولية من في عنق من؟ هل ماتت الضمائر؟! هل مات الإحساس؟! إن الإمام علي في وصيته أيضاً يقول لواليه كلاماً عجيباً يقول لواليه( إياك والدماء وسفكها من غير حلها، لا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فان ذلك مما يضعفه ويوهنه بل ينقله ويزيله) لكن تعاليم ميكافيلي في أميره المشهور هي التي تروج أيها الإخوة الانتهازية السياسية، الخيانة السياسية، التنكر للمبادئ والقيم.
علام يتقاتل المتقاتلون؟ وعلام ينصب بعضنا لبعض السلاح؟ علام تقوم الثكنات هنا وهناك؟ وتنتشر المعسكرات هنا وهناك، هذه مصيبة أخطر من مصيبة ضياع الوطن! لان الوطن لا قيمة له بدون إنسان، أيها الإخوة إن الله سخر الكون كله لنا {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ}،{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً } الوطن مسخر لنا الأرض والسماء مسخر لهذا الإنسان المهتدي بهداية الله سبحانه وتعالى { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (لا تقوين سلطانك بسفك دم حرام) تصنع لك هيبة يوسوس لك الشيطان، سمعت أيضا في عروض الأمس قصيد ة بعنوان وسوسة تتحدث فيها الشاعرة عن وسوسة الشيطان بالمغرورين ومن أجمل الإشارات التي رأيتها إنهم علقوا كرسياً في السقف ثم جاءت الرايات المتعددة حولهم كل يحمل رايته هذه راية صفراء وهذه راية خضراء وهذه راية حمراء والكل يتكلم وعينه على الكرسي، والكل يقول أنا الأولى، علام هذا الصراع وأنتم لم تحققوا شيئا (لا تقوين سلطانك بسفك دم حرام وان ابتليت بخطأ وأفرط عليك سيفك أو سوطك أو يدك بعقوبة فلا تقبحن بك نخوة السلطان عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم) هذا كتاب كتب منذ ألف وأربعمائة سنة هذا كتابنا، كتاب الإمام علي كرم الله وجهه أما كتابكم فبئس الكتاب، الأمير الذي يعلم الخداع والكذب ويعلم المؤامرة ويصنع الخطط لقتل الناس وكسبهم وللوصول الى مراكز النفوذ، بئس الكتاب الذي يعلمكم الغاية تبرر الوسيلة (فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام) متى يتوقف هذا القتل؟ متى يتوقف هذا الاقتتال؟ حدثونا أيها المتقاتلون في سبيل ماذا يسفك بعضكم دم بعض؟ في سبيل من تنصبون الأسلحة الثقيلة والخفيفة على أسطح المنازل والحارات لمن هذه الثكنات؟ يا أيها الناس حكموا دينكم حكموا ضمائركم حكموا عقولكم
لا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون أنا أقول أيها الإخوة إن هذا الاقتتال فتنة ويأثم كل من يسهم فيه، يأثم من يأمر به، ويأثم من يخطط له، ويأثم من ينفذه، ويأثم من يرض به، ويأثم من يسكت عليه، أيها الإخوة رأيناهم في مكة يضحكون وما علمنا أنهم يضحكون على جثتنا وعلى دماء أطفالنا وأمهاتنا هل هذه النهاية؟ هل هذه العاقبة؟ هل خضتم ما خضتم أيها المتقاتلون من قتال مع العدو لتصلوا إلى هذه النهايات البائسة والمأساوية والمخزية.