بسم الله الرحمن الرحيم                      

فيا أيها الإخوة المؤمنون ، هل نحن نعاني أزمة رجولة بمعني الرجولة اضمحل معناها وانكمشت آثارها في حياة المسلمين،ربما هذا المعني الذي دفع أمير الشعراء احمد شوقي بالثلث الأول من القرن الماضي ليصرخ ويستنهض الرجال عندما سقطت الخلافة الإسلامية، وكان سقوط الخلافة الإسلامية إيذانا بتفرق الأمة، وإيذانا بتمكين المشروع الصهيوني في المنطقة، وإيذانا لما يحدث الآن في القدس والمسجد الأقصى، قال أمير الشعراء وهو يصرخ مستنهضا الأمة في الثلث الأول من القرن الماضي

يا للرجال الحرة موؤدة                             قتلت بغير جريرة وجناح

أين الرجال؟ أين المسلمون؟ أين الناس ونظامهم؟ الإسلام يتهاوى ووحدتهم تتمزق، ولعل هذا المعنى ألمحت إليه في اضمحلال معنى الرجولة وانكماش آثارها هو الذي عناه المستشرق الذي قال أيضا وهو يدرس الإسلام ويضع يديه على عظمة الإسلام ومزاياه ومعانيه الرائعة والفائقة، لم يمنع نفسه أن يصرخ ويقول: يا له من دين لو كان له رجال، إن ازدحام الحياة بالأوغاد والأنذال والهمل هو الذي أدى إلى تشويه معنى الرجولة في كثير من أذهاننا، هو الذي أدى إلى تشويه معنى الرجولة في أذهان الكثيرين منا حتى غدت عند البعض الرجولة لا تعدو بالمعنى العامي الفتوة أو لا تعدو خشونة الصوت، والشعر الذي ينبت في الوجه وما شابه، الرجولة تتجاوز ذلك أيها الإخوة، إنها قيم ومبادئ، إنها شرف ووفاء، ليست الرجولة خشونة في الصوت أو شاربا أو لحية، فأنتم تعلمون أن الشوارب واللحى قد هزمت في ديار المسلمين، أمام النسوة في عصورنا الأخيرة، وما زلنا إلى اليوم نرى أن مجموعة نسوة هن اللاتي يرسمن مستقبل المنطقة، وزيرات خارجية أو رئيسات وزارات، هذه الخواطر التي جعلتني أثير هذا الموضوع من جديد وأنا أقرأ القرآن وأقرأ السنة وأقرأ التاريخ لأضع بين أيديكم بعض  ملامح الرجولة الحقة التي نريد أن تروج وان تنتشر وان تشيع بين أبنائنا الذين غدو ضحية لمفاهيم سوداوية وسيئة، أقرأ قول الله تعالى  {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا} ، فماذا تعني الرجولة هنا؟{ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }"  الآية كما يقول المفسرون نزلت في انس بن النضر، لم يشهد معركة بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم فتألم في نفسه وقال: لإن أشهدني الله مشهدا آخر مع رسول الله ليرين الله ما اصنع، فشهد معركة احد وقابل سعد بن معاذ وقال له يا سعد واه لريح الجنة إني أجدها دون أحد، وقاتل الرجل في أحد حتى استشهد، تقول أخته الربيع بنت النضر فما عرفته إلا في بنانه، لأنها وجدت فيه بضعاً وثمانين إصابة بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورميه سهم، الرجولة وفاء للمبدأ والعقيدة. ويروى عن هذا البطل انه عندما انكشف المسلمون عن رسول الله في أن نظر إليهم وهو جريح وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، ثم نظر إلى المشركين وقال: وأبرأ إليك من هؤلاء، وفاء للمبدأ إلى آخر رمق، انه لا يعمل لنفسه، انه يعيش في هذه الحياة لمبدئه وعقيدته، ولذلك استحق هذا الثناء القرآني  {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } ويقول سعد بن معاذ معلقا على استشهاد أنس بن النضر لقد قاتلت معه لكنني لم استطع أن اصنع ما يصنع، وهذه رجولة أيضا اعتراف بأوزان الرجال واعتزاز بكل فضل ذي فضل، فلا يعرف الفضل لأهله إلا ذووه، إلا ذووا الفضل، الناقصون هم الذين يهدرون قيمة الآخرين وينتقصون فضلهم، لكن أصحاب الفضل يعرفون الفضل لأصحابه، فيقول سعد بن معاذ: قاتلت معه لكنني لم أستطع أن اصنع ما يصنع.

في موضع آخر غير موضع الجهاد والمقومة والكفاح نجد القرآن تكلم عن الرجال أو عن وصف الرجولة فقال جل جلاله  {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ } كأن الرجولة أمر زائد عن مجرد الإيمان، ربما تجد مؤمن اضمحلت فيه معاني الرجولة ربما! فيكون مؤمنا جبانا {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار } الرجولة هنا عبادة وواجبات لله سبحانه وتعالى تسبيح بالغدو والآصال، انغماس في عمق المجتمع لكنه انغماس لا يلهيهم عن وظيفتهم التي خلقوا من اجلها، ٌ {لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} ليسوا سلبيين وليسوا ماديين، لا يهربون ولا ينقطعون عن الناس، وإنما ينغمسون في حياتهم يبيعون ويشترون لكن هذا البيع وهذا الشراء لا يلهيهم عن الوظيفة التي حددها الله لهم {لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ } هم عابدون لله ، وفي سورة التوبة القرآن يتكلم عن مسجد الضرار المسجد الذي أسسه المنافقون ليشقوا صف المسلمين، حذر الله سبحانه وتعالى نبيه من أن يقوم فيه {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } والرجولة كما أنها بطولة ووفاء وكما إنها عبادة فهي طهارة، طهارة ٌ للقلب وطهارة للبدن، وطهارة للجوهر، ِ{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } فهي طهارة للظاهر والباطن، فهناك مواضع في كتاب الله ينبغي أن يتأملها الناس وهم يصوغون حياتهم، في سورة القصص كم مؤامرة لقتل نبي الله موسى لكن هناك من يتقدم ليفضح المؤامرة هذه رجولة، الرجولة لا تتآمر، الرجولة لا تسكت عن مؤامرة يراد من ورائها إيذاء الحقيقة، إجهاض  الحقيقة، محاصرة الحق  {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } الرجولة هنا نصيحة وفضح للمؤامرة، من يسكت عن مؤامرة يعرفها هو فاقد ٌ للرجولة، ولاحظ معي إن القرآن قال {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} وفي موضع آخر  {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } فكأن الآية التي يعنى في سورة القصص التركيز فيها على الرجولة أولا، وليس على المسافة،الرجولة {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} الرجولة تصدي للكيد الخسيس وللمؤامرات التي يراد من ورائها محاصرة الحقيقة ، وفي سورة غافر في معرض الحديث عن موسى أيضا عندما قرر فرعون قتله وكما قص القرآن "  {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ } لم ترض الرجولة بهذا الطغيان، ولم تقف ساكتة خرساء،إنما تحركت الرجولة تحركت لتتصدى لهذا الطغيان، وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ألا يكفي أن يقول ربي الله، وقال مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه لماذا ابرز هذا الوصف ؟ إن الرجولة صفة زائدة علي مجرد الإيمان ، {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} الرجولة هنا شجاعة في مواجهة الطغيان ،الرجولة هنا منطق وحجاج ومناظرة ، {وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم} ماذا يضركم؟ ومصداقيته {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} ، الكذب لا يهدي إلا إلي الفجور والفجور يقود إلي جهنم ،الرجولة بطولة وعبادة وطهارة ونصيحة وشجاعة أمام الطغاة وحوار ومنطق ومصداقية ،في معركة بدر نهي النبي (ص) المسلمين عن قتل مجموعة من الناس من قريش إن تمكن منهم المسلمون ،وقال إنهم خرجوا مع قريش مكرهين لقتالنا ، ومنهم رجل يقال له أبو البختري ،تقول السيرة عنه انه كان اكف الناس عن النبي (ص) كان يكف يده في مكة عن النبي ، لا يشارك في التعذيب ،وانه لم يبلغ النبي شئ عنه يكرهه ،ولما كتب في قريش صحيفتها كان أول من دعا الي نقضها صحيفة الحصار علي بني هاشم، فقال:من تمكن من أبي البختري فلا يقتله لان النبي (ص) يقدر الرجولة ولو كان صاحبها علي غير دينه ، الرجولة الشهامة كما قالت الحياة مزدحمة بالأوغاد والهمل ، ربما ازدحام الحياة بهذا اللون والنذالة شوهت الصورة في أذهان كثيرين منا . فواجه أبي البختري صحابي من صحابية رسول الله اسمه المجذر ابن زياد فقال له يا أبي البختري لقد نهانا النبي (ص) عن قتلك ،وكان معه زميل له فقال له أبو البختري وزميلي قال لا والله ما نحن بتاركي زميلك إنما نهانا النبي عنك، فقال فلا والله لا اترك زميلي ولأموتن معه فوالله لن اترك نساء قريش ليتحدثوا عني إني تخليت عن زميلي حرصا علي الحياة ،واقبل يقاتل وهو سال سيفه ويقول:

لن يسلم ابن حرة زميله                   حتى يموت أو يرى سبيله

 أليست هذه رجولة نفتقدها حتى في أجواء التدين قد تجد متدينا بلا شرف ، التدين إن لم يقم علي أسس فكرية ونفسية لا قيمة له أسس فكرية ونفسية تغير كيان هذا الإنسان فالحياة خير ودليل ،قد نجد شهما غير متدين وقد نجد متدين نذلا لا وفاء له ولا عهد له، نحن نريد أن يكتمل الجانبان أن يتدين الظاهر وان يتغير الباطن، الشهامة الشرف النجدة الخجل من العيب فلا أقع في عيب ولا في حرام المتدين ،هذا كافر، كان في صف الكافرين لكن النبي (ص)شكر له موقفه معه وقال لا تقتلوه فقد كان من اكف الناس عنا يدا، ولما قتله المجذر بن زياد عاد للنبي (ص) وقال له بعد أن عاتبه النبي وقال له والذي بعتك بالحق نبيا لقد جهدت أي بذلت كل جهدي في أن يستأسر فأبى إلا أن يقاتل وقال بيته الذي نهديه لكثير من الناس:

 لن يسلم ابن حرة زميله                 حتى يموت أو يرى سبيله

 نفرط في زمالتنا ونفرط في جيراننا روح النجدة ماتت في داخلنا روح الوفاء أيها الإخوة واكتفينا بأشكال من التدين تضر ولا تنفع عندما يجد الجد تضر ولا تنفع لأنها تقود إلي تأويل فاسد ومنحرف أعجبني موقف الإمام احمد بن حنبل موقف في غاية الغرابة وفي غاية الإثارة والعجب هذا الإمام امتحن ببدعة القول بخلق القرآن في خلافة المعتصم ومن قبله المأمون، لكنه واجه ذروة المحنة في خلافة المعتصم، فكان يدعوه المعتصم ليجبره ان يقول ان القرآن مخلوق، وابن حنبل لا يقول بذلك له رأيه المستقل، قضية فكرية استخدمت فيها الدولة، ويدخل عليه الضرابين فيضربه كل واحد سوطين، فيقول المعتصم شد يديك شد قطع الله يديك، اضرب وهو الإمام أحمد بن حنبل صاحب المسند احد الأئمة الأربعة المشهورين، ثم يدخل عليه آخر ويضربه سوطين، يقول ابن حنبل حتى أغمى على وفقدت عقلي مراراً، وعندما يعود إلى عقلي أصحو فأجد المعتصم عند رأسي يناقشني فيقولون لي: الخليفة عند رأسك، وأنا مصمم على رأيي، وكان يضرب كل مرة حتى يغمى عليه ويفقد عقله، ثم يئسوا منه فتركوه فعالجه الأطباء وقطعوا أجزاء ميتة من جسمه لكن الرجولة لا تحقد، رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إني جعلت كل من آذاني في حل ثم قرأ قول الله تعالى " فليعفوا وليصفحوا" ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ وذكر من حوله بأنه يوم القيامة يقول الله (فليقم من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا) فلا يقوم إلا من عفا لقوله تعالى { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } ثم قال ابن حنبل كلمة تهتز لها أعماق الرجال قال: وماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك، إن الرجولة لا تحقد، حتى العرب في الجاهلية شاعرهم الذي اختلف مع قبيلته يقول:

إن الذي بـيني وبين بـني أبـي               وبـيـن بني عمـي لمختلف جدا

فان أكلوا لحمي وفرت لحومهم                   وان هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا احمـل الحـقد القديـم عليهـم             وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

معاني تهتز لها القيم، تهتز لها العواطف النبيلة، الرجولة لا تحقد أيها الإخوة، عويف بن معاوية كان شاعرا أيضا وكانت أخته زوجة لصديق له اسمه عيينة بن أسماء، وعيينة طلق أخت عويف، فغضب عويف وقال الحرة لا تطلق بغير سبب، لا تطلق الحرة لغير ما بأس، وقاطع عيينة وآل على نفسه الا يحدثه، وبعد سنين جاءه خبر إن عيينة في سجن الحجاج، فعاوده الحنين وهاجه الود القديم، الرجال لا يحقدون أيها الناس، الرجال لا يحقدون يتعالون على أحقادهم، لا سيما أمتهم تواجه محنة، او كانوا في مرحلة حرجة تتطلب منهم ان يتوحدوا وان يلتقوا، فهاجه الحنين وعاوده الود القديم فقال:

 لما أتاني عن عيينة انه                أمسى عليه تظاهر الأقياد

نخرت له نفسي النصيحة              انه عند الشدائد تذهب الأحقاد

هذا القرآن الكريم، والتاريخ العربي، والشعر العربي يتكلم عن الرجولة، نريد الرجولة أيها الإخوة، نريد رجالاً "من المؤمنين رجال" خبيب بن عدي أسره المشركون، وحكموا عليه بالاعدام، قرروا أن يقتلوه وصفده بالأغلال وهو في خيمته مصفد، طلب من المرأة التي كان في خيمتها طلب منها أداة يتطهر بها فأعطته أداة حادة يتطيب ويتطهر قبل الإعدام، ثم غفلت المرأة قليلاً، وإذا بابنها الصغير يدرج إلى حجر خبيب، فيجلس على حجر خبيب، فنظرت المرأة وإذا بابنها على حجر خبيب بن عدي، ففزعت! هذا الرجل محكوم عليه بالإعدام والطفل في حجره، والله قفز إلى ذهني لو ان هذا الأمر حدث مع بعض أبطالنا في هذا الزمن لاتخذ من هذا الطفل رهينة، ولو هدد أمه ولهدد أهله، ففزعت المرأة والولد الصغير على حجر خبيب فنظر إليها خبيب، نظر إليها من يمثل الإسلام حقا، نظر إليها تلميذ محمد حقا وصدقا، من جاؤوا رحمة للعالمين قال لها أتحسبين إني اقتله ما كنت لأفعل لان الرجولة تأبى ذلك، من لنا أيها الإخوة برجال في هذا المستوى برجال أوفياء، رجال عابدين طاهرين، رجال لا يعرفوا الحقد إلى قلوبهم سبيلا، من لنا أن نكون الاستجابة لصيحة شوقي عندما فال:

يا للرجال الحرة موؤدة                             قتلت بغير جريرة وجناح

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

قبل أكثر من سبعين سنة زار أمير من العرب زار القدس، زار القدس فاستقبله الفلسطينيون وأقاموا له احتفالا قال فيه الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود قال لهذا الأمير وهو يخاطبه قبل أكثر من سبعين عاما

المسجد الأقصى أجئت تزوره               أم جئته قبل الضياع تودعه

قلت يا حسرة علينا منذ أكثر من سبعين عاما، والخطر يتهدد المسجد الأقصى، أين المسلمون؟ أين الناس حقيقة؟ على كل حال هذا وقت للمناصحة وليس وقتا للمجاملة، إن الخراب الذي يتهدد المسجد الأقصى هو انعكاس للخراب الذي أصاب نفوسنا وعقولنا، يوم أن يصلح المسلمون ما أصاب عقولهم وما أصاب نفوسهم، تصلح أساسات المسجد الأقصى وتقوى أسسه، إن المسجد الأقصى لا يحرر ويحافظ عليه مجرد الصراخ والعواطف المبهمة والكلام الغائم والشعارات المؤقتة، انه يحتاج كما ذكرت من قبل إلى رجولة حقة، إلى إخلاص وطهارة ووفاء وجهاد، إلى تغيير كبير يحدث في نفوسنا وعقولنا، إن هناك علاقة وطيدة بين الخراب الذي يتهدد هذا المسجد المبارك وبين الخراب الذي حل في عقولنا ونفوسنا، أين وحدتنا؟ أين قوتنا؟ أين نصيبنا من الإسلام؟ ماذا أقدم للإسلام أنا؟ماذا تقدم أنت للإسلام؟ ماذا تقدم؟ دعك من هذه الصلوات، المصداقية، الصدق، طهارة القلب، المحبة، الرحمة، التعاون، العدل، مازال فينا من يخرج ليهتف في المسجد الأقصى ثم يطمع في متر أو في نصف متر في الشارع ليضمه إلى بيته، فينا ناس يحكمهم الطمع، الجشع، وما زال فينا من يحقد على أخيه، ولا أتكلم عنا نحن هنا إنما أتكلم عن المسلمين في العالم، إن الله سبحانه وتعالى وعدنا بالنصر ووعدنا بالتأييد، لكن متى يكون الله معنا؟ عندما نكون معه، وأنا دائما أقف عند هذه الحكمة العظيمة التي قالها احد الصالحين (إن أردت أن تعرف مكانتك عند الله، فاعرف مكانة الله في قلبك) إن أردت  أن تعرف ما لك عند الله فاعرف ما لله عندك، الصارخون والمتظاهرون والمتحضرون ,لا بأس أن يعبروا عن عواطفهم,لا بأس ويجب أن يسمع العالم صيحتنا وأننا لم نمت بعد أننا موجودون لكن الحق الذي لابد منه أن نسأل أنفسنا ما حظ القرآن ما حظ شريعة الله ,ما حظ دين الله في قلوبنا وحياتنا ,أمر آخر أيها الأخوة ربما تنتظرون أن أتحدث عنه وهو ما أعن عنه في مكة المكرمة ,يهمني فيما أعلن عن البند الذي يتعلق بوقف الاقتتال بين أبناء الشعب الفلسطيني يهمني لسببين, السبب الأول وسأقولها بصراحة وربما يعترض بعضكم علي ليقول ليس هذا مناسبا في هذا الوقت لكنني أرى أن النصيحة مناسبة في كل وقت بل واجبة السبب الأول ليعرف أبناؤنا الأولون الذين يستخدمون وقودا في المواجهات ,أن الصراع لم يكن صراعا مبدئيا ولا صراعا على الحق كما يقول البعض وإنما هو صراع أهواء وسياسات يذهب أبناؤنا وقودا له إن أردناهم وقودا له قلنا لهم هذا صراع حق في مواجهة باطل هذا كذا وكذا لابد أن يحدث كذا وكذا ,وإن أردنا أن يكف هذا الصراع وإن الدماء محرمة وإن هؤلاء إخوتنا ونحن أحباء ,وليس هناك ما يدعوا إلى مثل هذه المواجهات,وأصبح أبناؤنا أدوات في أيدي من لا يرعون مصالح الإسلام ولا مصالح الوطن,كان بالإمكان ما تم هناك أن يتم هنا ,وأن يستعلي كل منا على أحقاده وعلى أهوائه ,قلت في نفسي وأنا أسمع ليلة أمس إطلاق النار الكثيف ابتهاجا وفرحة قلت: اللهم أدم فرحة المسلمين واجعل كل حياتهم ابتهاجا,لكن كيف مسحت عقول أبنائنا عندما يغضبون يطلقون النار! وعندما يفرحون يطلقون النار! وكأن ليس بين أيديهم إلا هذا السلاح,في وقت الفرح وفي وقت الطرح منى تعود إلينا عقولنا؟ يا أبناء الإسلام في هذا البلد يا أبناء فلسطين عليكم أن تستردوا وعيكم وأن تستردوا عقولكم ,عليكم ألا تسمحوا أبدا أن تكونوا أدوات , أن تنفذوا ما يطلب منكم وأنتم صم بكم عمي،  ما دفعوكم إليه بالأمس بحماس وقوة وشدة ها هم يعلنون اليوم أنهم محرم وأنه لا يجوز,هذه الإشارة الأولى،الإشارة الثانية في هذا البند أيضا أما البنود الأخرى فسوف يأتي أوانها لأننا لا نعلم تفاصيلها, ما يتعلق بمصير الوطن,ما يتعلق بحقوقنا التاريخية,ما يتعلق بمستقبلنا السياسي كل ذلك سنواجهه في وقته كما يقولون,أما أنا فيهمني هذا البند الذي تم فيه التعاهد على وقف الاقتتال وأقول مرة أخرى لأبنائنا ألا يعودوا إليه حتى لو نكث هذا المتعاهدون عهودهم, أما هؤلاء المتعاهدون فلا أجد ما اذكرهم به إلا قول الله تعالى {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا} اقسم الجميع{إن الله يعلم ما تفعلون وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا امرأة مجنونة في قريش كانت تغزل طوال النهار وعند غروب الشمس تبعثر ما غزلت،  {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ}  دخلا أي غدرا وخيانة تتخذون الإيمان وسيلة للغدر والخيانة{ َتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّة } بسبب أن تكون جماعة هي أكثر من جماعة أخرى فتستغل كثرتها وقوتها لتخدع القوة الأخرى أو الأمة الأخرى  {تَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } هذا ما نقدمه ونهديه لإخواننا المتعاهدين.