بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
في لحظات التراجع والهزيمة والانكسار , ينبغي أن يتشبث الناس بأزمنة الانتصار , و
أن يراجعوا تاريخهم ليقفوا عند اللحظات التي انتصروا فيها, ليضعوا أيديهم على
أسباب الانتصار, و ليعرفوا ماذا فقدوا؟ وماذا ضاع منهم حتى لحق بهم الانكسار,
ولحقت بهم الهزائم ؟ هذا الكلام نقوله بين يدي ملاحظاتنا التي سنسوقها على هامش
معركة بدر , و معركة بدر معركة صغيرة الحجم, فالذين شاركوا فيها من الطرفين من
المسلمين والكافرين لم يزد عددهم عن ألف وثلاثمائة مقاتل من الطرفين , و لم تستمر
أكثر من أربع أو خمس ساعات , فمن حيث الحجم هي معركة صغيرة ألف وثلاثمائة مقاتل , و
أربع أو خمس ساعات , لكن من حيث آثارها فهي أعظم معارك التاريخ الإسلامي , وأشهر
انتصارات المسلمين , و يجدر بالمسلمين فعلا أن يتأملوها الفينة بعد الفينة , وهم
تخيم عليهم ظلال الهزائم والتراجع , و هي أول مواجهة عسكرية بين الكافرين والمسلمين
, و هي كذلك أسست لما بعد ذلك من انتصارات , و صعود للإسلام وامتداد له, لك أن
تتخيل كيف سيكون حال المسلمين والإسلام لو أن المسلمين هزموا في هذه المعركة , كيف
سيكون حالهم ؟ فالانتصار الكبير الذي أحرزه المسلمون في هذه المعركة هو الذي أسس
لما جاء بعد ذلك من انتصارات , و لامتداد الإسلام وصعوده , لأن هذه المعركة الصغيرة
وهذه المواجهة كانت نتائجها مذهلة , إن المسلمين كانوا ثلث الكفار, كانوا أقل من
الكافرين عددا وعدة , ومع هذا ألحقوا بمعسكر الكفار خسائر فادحة و جراحات غائرة ,
قتلوا منهم سبعين من صناديدهم, و هم ثلث الكفار, الحقيقة أنا أريد أن نقف عند دلائل
هذه المعركة والأخلاقيات التي وفرت الانتصار للمسلمين فيها , هذا الذي ينبغي أن
يفهم- أيها الناس- تفاصيل المعركة ربما تعرفونها أنتم, إن الله- تعالى -يقول وهو
يتحدث عن معركة بدر {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ
تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ
رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ } , آية معنى أنها آية لابد أن نتدبرها , لابد
أن ندرس هذه الغزوة ونقف عند دلالاتها {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ
وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } , ما هي عوامل
الانتصار في هذه المواجهة الحاسمة ؟ هذه المعركة -أيضا -كشفت شيئا مهما يجب أن
نتهيأ لفهم هذه الأمور , كشفت دور العامل الغيب , فعل القدر في تحقيق الانتصار
للمؤمنين, كما كشفت جهد البشر , إن العامل الغيبي أو القدر أو نصر الله للمسلمين
لا يلغي فعل الناس , و لا يلغي عملهم وجهادهم {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ ,
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ
اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } , لكن هذا التأييد الإلهي أو هذه المنحة الإلهية كانت بعد
أن استنفذ المؤمنون الأسباب , إن مكافآت الله لا تتنزل على الكسالى , لا تتنزل على
المتراخين , وإنما يكافئ بهذا الفضل الكبير المناضلون والمجاهدون والصابرون , إن
الانتصار الكبير الذي أحرزه المسلمون في بدر كان مكافئة إلهية لرجال أبطال صابروا
الأيام والليالي , وتحملوا أذى السنين ,لم يكن منحة مجانية هكذا , وإنما مكافئة
إلهية لمناضلين حقيقيين صبروا و صابروا , و لك أن تتخيل هؤلاء الناس الذين أخرجوا
من ديارهم ومكثوا في دار الهجرة سنتين , ما طبيعة التعبئة والتربية والمنهج الذي
خضعوا له في هاتين السنتين ؟, حتى تمكنوا بعد سنتين فقط من مواجهة هذا التكتل
الكافر الكبير , ما هي طبيعة هذه التعبئة وهذه التربية وهذا المنهج الذي جعلهم
يواجهون هذا التكتل الكبير من الكافرين ؟لقد كان هؤلاء المسلمون أدوات القدر الأعلى
في تحقيق قوله تعالى {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ
قَوِيٌّ عَزِيزٌ } , إذن لا تناقض بين التأييد الإلهي , و بين الفعل البشري, في
سورة الأنفال وهي السورة التي عقبت وعلقت على معركة بدر, في صدر السورة حديث عن
مواصفات المؤمنين الذين يستحقون هذا النصر وهذا التأييد وهذه المكافئة {إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ , الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ , أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} , هناك خوف من الله , هناك
ضمائر ترتجف , ترتعش خشية من الله إذا ذكر الله وجلت قلوبهم , هذا عامل مهم جدا في
صنع الانتصار والرجال , الرجال الذين لا يخافون الله, القلوب الفارغة من الخوف من
الله, كيف يتحقق الانتصار على يديها ؟كيف ؟, هم دائما في ازدياد ورقي (المؤمنون)
والتوكل -كما تعرفون- هو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله- سبحانه وتعالى -خوف
من الله , يقيمون الصلاة و توكل عليه وازدياد و ترقي في الإيمان , و إقامة للصلوات
والشعائر , و إنفاق في سبيل الله , هذه خصائص المؤمنين الذين يحققون الانتصارات
الكبيرة , ويلحقون بالجبهات المعادية الخسائر الفادحة والجراحات الغائرة , إن معركة
بدر –أيضا- جسدت المبدأ الإسلامي المهم الذي يتجلى في قول الله تعالى {كَم مِّن
فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ
الصَّابِرِينَ} , لابد أن تعرف أن الانتصار في التصور الإسلامي ليس مرتبطا بمسألة
العدد , لا بالكثرة, بكثرة العدد ,و لا كثرة العدة, رغم أننا سنرى أن الإسلام أمرنا
بالإعداد , لكن الإسلام يقرر هذا المبدأ بمعنى أن عليك أن تبذل كل ما بوسعك في
إحراز القوة , ثم تعتمد على الله بعد ذلك , والله يعوضك النقص الذي لديك , يعوضك
الشيء الذي لم تستطع تحقيقه أنت , والمسألة هنا ليست مسألة دينية بحتة , و إنما هي
مسألة منطقية وعقلية , ما قيمة الكثرة المترحلة التي تفقد المنهج والبرنامج؟ والتي
تفقد الهدف ؟ما قيمة الكثرة التي تتنازع قياداتها على السلطة ؟ لا قيمة لها , ما
قيمة هذه الكثرة ؟ كثرة بلا هدف, بلا برنامج, بلا قيادة مخلصة , لقد وصف الله
–تعالى- الكافرين في معركة بدر أنهم خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن
سبيل الله , هل هذا هدف ؟ لا , هدف, فلابد أن تنهزم هذه الكثرة أمام القلة التي
تمتلك المنهج , وتمتلك البرنامج , وتمتلك وضوح الرؤية , وتمتلك الإيمان الذي يملأ
قلبها , إذا هذا منطق عقلي بجوار أنه وعد من الله- سبحانه وتعالى- ومبدأ إسلامي
معركة بدر كرست وجسدت هذا المبدأ , الكثرة الغثائية لا قيمة لها , الكثرة الفاقدة
للهدف , الفاقدة للبرنامج , الفاقدة للقيادة , كل ذلك ينبغي أن يدرس- أيها الإخوة
-يجب أن يدرس هذا الكلام , يجب أن نغادر مرحلة الاستسلام والخنوع والخمول, أليس
كذلك ؟, لكن ربما يسألني بعضكم , كيف حل الإسلام إشكالية الاختلال في موازين القوى؟
هنا الرصيد الإيماني له دور كبير , والأمور كلها بيد الله, ليكن, ليقولوا أننا
دراويش, ليقولوا إننا متدينون, نفسر المسائل تفسيرا دينيا , نعم نفسره تفسيرا
دينيا ,لأن التجارب التي رأيناها أثبتت ذلك , القلة المؤمنة والمتماسكة , القلة
الملتقية صفا وهدفا , القلة التي حققت وحدة الهدف ووحدة الصف تنتصر على الكثرة
الفوضوية , ومع هذا وعدنا الله ونحن نأمل في وعد الله {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ
يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ , الآنَ خَفَّفَ اللّهُ
عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ
يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ
بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } , هكذا حل الإسلام مشكلة الاختلال
في موازين القوى , المهم نريد عقولا عامرة , أو رؤوسا عامرة بالوعي , ونريد قلوبا
عامرة بالإيمان والخوف من الله , نريد عقولا تحررت من الخرافة والأساطير والتعصب
وضيق الأفق , و امتلأت ثقافة, و وعيا وانفتاحا , و نريد قلوبا عامرة بالإيمان و
التقوى , ضمائر حية صادقة تستنفذ كل ما لديها , وهي تناضل في سبيل حقها, - أيضا-
نجد في معركة بدر مسألة مهمة , إن الله- سبحانه وتعالى- سماها الفرقان في قوله
تعالى {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ
الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
, والفرقان هنا , التمييز بين الحق والباطل , والله- سبحانه وتعالى- و هو يتحدث عن
هدف المواجهة بين المسلمين والكافرين في بدر يقول {وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ
الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} , لابد أن يميز الله
الخبيث من الطيب, الباطل مهزوم متراجع منكمش منحدر مهزوم, الحق منتصر متقدم قال
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ
اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ , لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ
مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ
جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } , معنى
الفرقان التمييز, وميز الله في المعركة بين الحق والباطل , و استطاعت القلة المؤمنة
أن تقتل صناديد قريش , و أن تهزمهم, ولذلك كانت فرقانا , لكن هنا مسألة لابد أن
تفهموها , و لابد أن نفكر فيها جيدا , هذه المسألة تتعلق بمنهج الإسلام في إقامة
الحق , و إبطال الباطل , في منهج الإسلام في الإصلاح , في منهج الإسلام في معالجة
مشكلات البشر , إن منهج الإسلام في التغيير قائم على أساسين , الأساس الأول إبطال
الباطل , الأساس الثاني إحقاق الحق , ولذلك يقول الله- تعالى- وهو يتحدث عن هدف
المعركة {وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ
الْكَافِرِينَ , لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُجْرِمُونَ } , أنت قد تستطيع أن تهدم هذا البيت , لكن التحدي الذي أمامك, ما
شكل البيت الذي سوف تبنيه , إن هناك من يستطيع أن يهزم الباطل لكنه يفشل في إحقاق
الحق {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً }
, فمنهج الإسلام -إذن- في التغيير يقوم على هذين الأساسين , ليحق الحق ويبطل
الباطل, إحقاق الحق هو التحدي- يا أخي -لأنه يحتاج إلى خبرة ويحتاج إلى كفاءة , و
يحتاج إلى حسن إدارة , يحتاج إلى أدوات , إما أن تفكر فقط في هدم الباطل , ثم تضرب
كفا بكف , أو ثم تقف مذهولا لتنظر إلى الخراب الذي حدث , لا , يجب ألا تنسوا هذه
الفكرة , هذا هو منهج الإسلام , و إبطال الباطل جيد , لكنه نصف الطريق , لابد من
إقامة الحق والعدل , كما أراده الله- سبحانه وتعالى- هناك تعليقات سريعة سنمر عليها
في سورة الأنفال التي عقبت على معركة بدر , -مثلا -عندما تكلم القرآن الكريم عن سبب
ما أصاب المشركين من هزائم أو من ذلة يوم بدر , ماذا قال القرآن قال {ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ
فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } , معناه أن كل من يشاق الله ورسوله , لابد أن
يرد هذا المورد –أيضا- قال في تضاعيف السورة {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ
مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا
بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } , أنت في نعمة طالما أنت تشكر ,
هذه النعمة فالنعمة تزداد لئن شكرتم لأزيدنكم , لكن إن غيرت وبدلت هذه النعمة كفرا
وجحودا , لابد أن تدفع الثمن, فقد بدل المشركون شاقوا الله ورسول فدفعوا الثمن في
بدر , هل هذا خاص بمشركين قريش ؟ لا , هذا عام في كل من يشاق أو يخالف في كل من
يخالف الله ورسوله في كل من يبدل نعمة الله كفرا , {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ,
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ } , والله- سبحانه وتعالى- أشار إلى
هذا المعنى في سورة النحل عندما قال {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ
آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } , الأسباب المستفادة -أيها الإخوة -لابد أن نعرف هذه
القوانين كذلك , و أرجو بالله عليكم أن ننتبه جيدا في مطلع سورة الأنفال, يتحدث
القرآن عن التنازع الذي حصل بين المسلمين على الغنائم , يسألونك عن الأنفال , لا
يصلح أن يكون هناك تنازع على خير, أراد الله من وراءه أن يحق الحق بكلماته , لكن
تنازعوا وسجل القرآن ذلك , فماذا أجاب القرآن؟ أجاب إجابة موجهة إلى المسلمين في
كل زمان ومكان , إن المسلم في اللحظات الحرجة ينبغي أن يفكر فيما عليه , لا ينبغي
أن يفكر فيما له , هذه الأنانية ينبغي أن تنتهي عند المسلمين , لاحظ ماذا أجاب
القرآن {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ
فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ
وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } , انسوا ما لكم , لا تفكروا في ما لكم ,
فكروا في ما عليكم, الشعوب الحية التي تبني حاضرها , و تبني مستقبلها , التي تشرف
دينها وأوطانها, وتحقق استقلالها وكرامتها , هي الشعوب التي تفكر فيما عليها ,
وليس فيما لها , وهذا ما ردنا الله إليه في سورة الأنفال , كذلك السورة في
تعقيباتها على بدر , حذرت من الخيانة والخونة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
} , مسؤولياتكم وأماناتكم, تخونوا في بيعكم وشرائكم , إن الخيانة من أهم أسباب
الهزائم -كما تعرفون- , والخيانة ليست فقط هي التخابر مع العدو , التخابر مع العدو
صورة من صور الخيانة , لكن لعلي قلت على هذا المنبر ذات يوم , قصة الزعيم الفرنسي
ديجول , عندما جاءه أركان مكتبه وقالوا له إننا نشك في فلان أنه عميل للألمان , لكن
ليس لدينا أدلة قاطعة , فقال لهم دعوه يدخل علي, فدخل عليه , فلما دخل جاءه ديجول
, قال له:" من كم سنة وأنت تعمل مع الألمان؟
" قال :"من عشرين سنة ", قال:" كم رسالة أرسلت إليهم ؟", قال :" لم أرسل لهم رسالة
واحدة ", قال :" كم لقاءا عقدته معهم؟", قال:" لم أعقد ولا لقاء ", قال :" كم
اتصالا أجريته معهم؟", قال:" لم أجر أي اتصال", قال:" إذن ما هذه العمالة؟ ما هذا
المستوى من العمالة ", قال :"سيدي الرئيس , إن مهمتي تختلف عن ذلك , إن مهمتي أن
أكون في مكتبك , و أن أرشح لك لأفضل المشاريع أخيب الرجال ", هذه الخيانات الكبيرة
التي ربما تلبس لبوس الوطنية , أو لبوس الثقافة , أو لبوس الأكاديمية, أو لبوس
جمعيات كذا وكذا , وهي تعمل في الخفاء, هو مهمته أن يكون في مكتب الرئيس , و لا
يتصل و لا يراسل, إنما إذا كان في البلد مشروع عظيم مهمته أن يرشح لهذا المشروع
أفشل الرجال ويقنع الرئيس به {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ
اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } , {وَلاَ
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ , يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ
اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ , وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ
تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ} , ويعز علي أن أنهي الخطبة عن بدر , ولا أذكر دور القيادة العظيمة,
القيادة النبوية التي تحترم الإنسان وتحترم حريته وإرادته , في المعركة , جاء رجل
إلى النبي- صلى الله عليه وسلم -وقال له:" أهذا المكان الذي نزلت فيه يا رسول الله
أهو وحي من السماء؟ أم هو رأي وحرب ومكيدة؟", الزعامة الحقيقية قالت الحقيقة , قال
:"لا ليس وحيا من السماء , هو الرأي والحرب والمكيدة ", أنها ليست زعامة مزيفة تكذب
على شعوبها وعلى مواطنيها , لا, لأن الزعيم عندنا عبقري يعرف ما كان وما يكون وما
سيكون , و لا يصح لاحد أن ينبهه لشيء, النبي -صلى الله عليه وسلم- قال :"لا ليس
وحيا من السماء, هو اجتهاد", قال:" يا رسول الله قم ليس هذا بموقع ", فاستجاب النبي
له ,وقام, لاحظ معي أن هذه الشورى بينه وبين الرجل حصلت في زمان عجيب ومكان عجيب ,
ومع شخص غير عادي, حصلت في وقت حرب, في أول معركة بين المسلمين والكافرين, وحصلت
في أرض المعركة , و حصل مع شخص النبي- صلى الله عليه وسلم - لو أن النبي رفض الشورى
ورفض أن يسمح له أن يتكلم لما لامه أحد من السياسيين أو العسكريين أو الإصلاحيين ,
وإنما استجاب له النبي -صلى الله عليه وسلم- وشاوره, أقول قول هذا واستغفر الله لي
ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
لماذا- أيها الإخوة -في العالم الآخر تسقط الحكومة لخلل بسيط , لو تم اكتشاف تعذيب مواطن مستضعف في السجن تسقط الحكومة , أو يسقط الوزير المسئول على الأقل , أليس كذلك ؟ وفي عالم العرب والمسلمين قد تضيع أوطان ولا يسقط لا وزير ولا غفير أيضا , أليس هذا خللا كبيرا ؟ هل نحن نمثل الإسلام وعدالة الإسلام ؟,هناك يحاكم الرؤساء ورؤساء الوزارات والوزراء يحاكموا في دوائر المال والقرار والسياسة والسلوك , يحاكموا ويحاسبوا , أما نحن -فكما قلت -رؤساؤنا ووزراؤنا هم معصومون فقط , والعلاقة بيننا وبينهم التأييد والدعاء والتصفيق وما شابه , أنا أعرف أن الغزو الثقافي أنتج مثقفين يكرهون الإسلام أو على الأقل يقلقون من الحكم الإسلام , و ربما وضعوا أيديهم على مراحل معينة من التاريخ الإسلامي , وقالوا هذا هو الحكم الإسلامي وراثة واستبداد وإلى آخره , لكن أقول لهؤلاء وما زلت أوجه حديثي لهم, لهؤلاء المثقفين الذين يقلقون من حكم الإسلام , ويقلقون من الحكومة الإسلامية , و يصنفون الحكومة الإسلامية ضمن الحكومات الاستبدادية ,أقول لهم لا , إن الحكم الإسلامي حكم رحيم يحب الإنسان , ويكرم الإنسان , و لقد كان الخلفاء الراشدون يعزلون الوالي التي تظهر منه بوادر القسوة على الناس , إن عمر ابن الخطاب كان يقول :" لا تضربوا الناس فتذلوهم , و لا تجيعوهم فتكفروهم ", وكان إذا أحس من هذا الوالي قسوة عزله ولا كرامة , وعندما وقف له رجل من عرض الناس , وقال له :" اتق الله يا عمر ",أراد بعض الناس أن يزجر هذا القائل , فقال له عمر قولته الشهيرة التي ينبغي أن تتذكروها ولا تنسوها , قال :" له لا خير فيكم إن لم تقولوها", يعني لا خير فيكم إن تحولتم إلى قطيع من الأغنام ," لا خير فيكم إن لم تقولوها , و لا خير فينا إن لم نقبلها" , انظر إلى هذا الكلام العظيم -طبعا -بعد ذلك بعد عصر الخلفاء الراشدين , نشأت حكومات تلفحت بعباءة الدين , ومارست الاستبداد والقهر والتنكيل بالخصوم باسم الدين , نعم أنا أعترف , لكن هؤلاء لا يمثلون الإسلام , و لا يمثلون الحكم الإسلامي , إنما يمثل الحكم الإسلامي هو الذي يقتدي أو يستبطن قول الله تعالى في خطابه للنبي {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر} , لكن بالله عليك هل تعجب أن تتبخر حقوق الإنسان من مجتمعات أماتت حقوق الله ؟ , إن هناك علاقة بين حقوق الله وحقوق الإنسان , مجتمعات أو حكومات , هي تميت حقوق الله, فطبيعي جدا أنها تهدر حقوق الإنسان , الحكم الإسلامي رحمة وعدالة , ويجب أن يكون مطلبا حقيقيا للجماهير والفترات التي شهدت الاستبداد والقهر والتسلط باسم الدين , هي فترات وظفت الدين لصالحها , لكنها لا تمثل الإسلام في شيء , والإسلام من أعظم مزاياه أنه ليس له طبقة متكلمة باسمه {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } , هل -أيها الإخوة -نتوقع , هل نأمل, هل نسمع في يوم من الأيام أن حاكما مسلما أن رئيس وزراء مسلم أن وزيرا قدم للمحاكمة , لأنه أساء في حق الوطن و أساء في حق الدين , أساء في حق الأمة , ألا تتحرك فينا الغيرة -أيها الإخوة الأعزاء -ونحن وراث الشريعة الإسلامية , نحن ورثة محمد -صلى الله عليه وسلم –و ورثة ابن الخطاب, و ورثة عمر ابن عبد العزيز , و ورثة نور الدين محمود , وتاريخنا مليء بالعلماء والحكام الصالحين, الحكم الإسلامي رحمة -أيها الإخوة- وما زلت أوجه حديثي للإخوة المثقفين الذين يقلقون من الحكم الإسلامي ,لما وضعوا أيديهم عليه من تجارب في التاريخ وتجارب في الواقع , أقول لهم غضوا النظر عن هذه التجارب , و تأملوا القرآن الكريم مباشرة , تأملوا السنة مباشرة, تأملوا الإسلام مباشرة , ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا لما فيه الخير والرشاد.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.