بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

ما هو السبيل لتطهير أنفسنا وتزكيتها والترقي بها في مقامات الكمال ؟ النفس البشرية مجبولة على آفات كثيرة,  شهوات وأهواء وحرص وبخل وجبن , فما السبيل لأن نطهر أنفسنا ونزكيها ونرتقي بها إلى المقامات العالية؟  والمسلم يقرأ قول الله -تعالى- مخاطبا نبيه {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} , فالمسلم ينبغي أن يكون في ازدياد وفي ترقي وفي من كمال إلى كمال , لا ينبغي أن يتحول المسلم إلى ظاهرة راكدة أو إلى مياه راكدة,  تتبخر مياهها ولا تتجدد , ينبغي أن يتجدد دوما , إن الله -تعالى - يقول {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} , الإنسان أو النفس الإنسانية وجدت و وجد معها الشح وهو الحرص , وهذه الآية -بالمناسبة- ذكرت في سياق الحديث عن الإصلاح بين الزوجين , و في مثل هذه الدوائر تكثر المنازعات , ويتبدى الحرص والشح , كيف تتحرر من الشح ؟ كذلك يقول الله- تعالى- مبينا لنا أن الانتصار على هذه الآفة هو الفلاح {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} , النفس البشرية مجبولة على آفات وأهواء وشهوات , انظر- مثلا- هذا الرجل الذي ينفق الآلاف في مناسبة فرح أو في أي مناسبة أخرى , و إن طلبت منه مبلغا زهيدا في سبيل الله لمصلحة الناس أو منفعتهم تردد ! , ما الذي يجعله ينفق الآلاف هناك وهنا يتردد في دفع رسوم طالب أو في مساعدة عائلة مستورة ؟ ما الذي يمنعه ؟ ما الذي يحول بينه وبين هذا الخير ؟ هذه النفس , لأنه مجبول على الحرص , هناك مباهاة هناك رياء , يتحدث الناس عنه كم ذبح , وكم أنفق , وكم دعا , لكن هنا عمل لله وهو لا ينتظر إلى يوم القيامة حتى يجزى عليه {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ , وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ } , هذا من آفة الحرص على لسان امرأة العزيز يقول الله –تعالى- {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} , كبر تكبر العجب بالنفس , الحقد على الآخرين , الحسد, حب الظهور, حب الجاه والسمعة,  وحب الرئاسة , كل هذه آفات نفسية , التحدي أمام المؤمنين كيف يتحررون من هذه الآفات ويتطهرون منها ؟ كم من مرة أمرتك نفسك بالسوء؟ ,  كم من مرة أمرتك نفسك بكراهية فلان , أو بقطع العلاقة معه , أو بالبخل والشح , أو بالتردد في إعطاء الآخرين حقوقهم ؟ , كم من مرة دفعتك نفسك إلى حب الرياء؟  إلى حب السمعة والفخر والمباهاة ؟ ليقولوا فلان , كما ضربنا المثل بالرجل الذي ينفق النفقات الباهظة في مسائله الخاصة , في أفراحه و أتراحه , ثم إذا دعي لينفق في سبيل الله أحجم وتردد , هذه آفات نفسية , حتى تعرف النفس وما جبلت عليه من آفات , وتعرف أهمية تطهير النفس وتزكيتها,  اقرأ قول الله –تعالى- في أول صراع ظهر على وجه الأرض {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } , إلى أن قال تعالى {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } , النفس مشكلة ليست هينة -أيها الإخوة الأعزاء -وسنرى كيف عالج الإسلام هذه المشكلة , ثم يصور القرآن الكريم خطورة هذه الآفات النفسية التي تحتاج إلى تهذيب , و لا تحتاج إلى تهييج , يقول الله تعالى {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } , هذه الشهوات التي تحدث القرآن عنها , إنها تحتاج إلى تهذيب , لا تحتاج إلى تهييج , لكن في المنطق المادي والحياة المادية , تهيج هذه الشهوات ولا تهذب , لكن الإسلام يهذبها عندما يقول الله -تعالى –{إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ }, لاحظ كل ذلك يدور حول النفس وما جبلت عليه من هوى , ما تهوى الأنفس , ما تميل إليه ما تستسهله , هناك امتحانات كثيرة أتعرض لها أنت وأنا والناس أجمعون, يتعرضون بهذه الامتحانات عندما يعارض الموقف أهواءهم النفسية , هل نسير مع المبدأ , مع العقيدة , هل نقف عند الأمر والنهي , أم أننا نطيع أهواءنا وأنفسنا , ولذلك جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه تكلم عن المهلكات الذي إذا راجت في مجتمع من المجتمعات هلك هذا المجتمع , ما هي هذه المهلكات ؟قال :"هوى متبع , وشح مطاع ", جشع طمع حرص أنانية , اسألوا التجار , التاجر له هواه وله مشكلته وله جشعه وله طمعه , وغير التاجر له جشعه وطمعه , كل في دائرته , لذلك قال -صلى الله عليه وسلم- :"ثلاث مهلكات هوى متبع ( انك تتبع هواك في كل ما تفعل , مقياس العبادة المقبولة هي العبادة التي تقاوم فيها هواك , هناك عبادات قد تتفق مع ميول النفس الإنسانية , وهناك عبادات قد تصادم هذه الميول , بقدر ما تصادم ميولك وأهواءك , بقدر ما تكون عابدا لله , ربما يسمع بعض الناس بعض الخطباء أو بعض الوعاظ يقول :"واللقمة تضعها في فم زوجتك لك بها صدقة", صحيح لكن هل اللقمة تضعها في فم زوجتك تساوي الموقف الذي تضع فيه اللقمة في فم الفقير ؟ في فم الزوجة ليس هناك مقاومة للنفس , أمر طبيعي -كما يقول- يد وأفرغت في الأخرى , لكن عندما تضع أو تحاول أن تضع اللقمة في يد الفقير , تقف لك نفسك ويقف لك الشيطان , وهنا تبرز الحقيقة, أنت عابد حقيقي ,أم أنت متعبد شكلي ),هوى متبع وشح مطاع , وإعجاب كل ذي رأي برأيه ", العجب بالنفس , أن تذهب بنفسك بعيدا , ألا ترون بعض الناس أنه لا مثيل له , إن تكلم في السياسة فهو المبرج الأول , و إن تكلم في الدين وإن تكلم في الأدب يظن أنه لا مثيل له,  حالة من الغرور والعجب منبثقة عما جبلت عليه النفس الإنسانية من أهواء وشهوات , ولذلك جاء الدين يحذر من إتباع هوى النفس , وكذلك حذر الحكماء والوعاظ والمربون , ففي الأثر أعدى أعداءك نفسك التي بين جنبيك , التي تزين لك الباطل , أعدى أعداؤك نفسك التي بين جنبيك , وكذلك العاجز من أتبع نفسه هواها , وتمنى على الله الأماني , يفعل كل ما يريد , ثم- كما جاء في سورة الكهف -عندما يقول الرجل المادي الذي لا يعرف إلا حدود المادة , وصاحبه يذكره بالآخرة , ويذكره بالله , وهو يعتز بماله ونفره إلى أن يقول {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً} , العاجز من أتبع نفسه هواها , وتمنى على الله الأماني , والله- سبحانه وتعالى -يا أخي يقول {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } , هل وقفت ذات يوم أمام مسألة فيها هوى النفس وفيها أمر الله, من تبعت في تلك اللحظة؟ هل اتبعت هواك أم اتبعت أمر الله ؟ ما من أحد منا إلا و واجه هذه اللحظة , هنا أمر الله , وهنا هوى النفس , من نتبع؟  إن القرآن يقول -كما ذكرت من قبل- {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} , فالهدى في دائرة , والظن وما تهوى الأنفس في دائرة أخرى , فإذا ابتليت بالهوى وكان عندك الهدى أي النهجين تتبع ؟ هنا يبرز التدين , وهنا تبرز العبادة , هنا يظهر من بكى ممن تباكى , وهنا تضح النائحة من الثكلى , من الثكلى ؟ التي فقدت ابنها , النائحة : المستأجرة للبكاء عند الشدائد وعند المواقف , هذه المواقف البطولية أن تواجه نفسك حقيقة -وكما قلت- الدين حذر والحكماء والأدباء علماء السلوك والأخلاق والتربية , إسمع ما يقول أحدهم:

نفسي إلى ما ضر ندائي                              تكثر أوصابي وأوجاعي  

كيف احتراسي من عدوي                               إذا كان عدوي بين أضلاعي  

       لابد من مراقبة هذه النفس , نحن قد نبسط ألسنتنا في الآخرين , نتكلم عنهم, كلنا نهرب من مواجهة عيوب أنفسنا, لنتكلم عن عيوب الآخرين , -فكما يقولون- الجمل لا يرى اعوجاج رقبته , وفي الأثر:" طوبى لمن شغله عيبه عن عيب الآخرين  ",قبل أن تتكلم عن عيوب الآخرين ينبغي أن تسأل نفسك , هل هذا العيب الذي تأخذه على الآخرين فيك أم لا ؟هذا سؤال والسؤال الآخر هل لو أنك وجدت في الظرف الذي وجد فيه هذا الذي فعل هذا الأمر الذي تعيبه عليه تفعله أم لا تفعله ؟ فان كان الجواب بالإيجاب , فعليك أن تستحي و أن تشتغل بعيوب نفسك , و إن كنت مبرأ من العيوب فتقدم إليه بالنصيحة بالتي هي أحسن , و كما نسب إلى عيسى -عليه السلام -أنه كان يقول :" الناس رجلان معافى ومبتلى , فاحمدوا الله على العافية وارحموا أهل البلاء ", لكن لماذا نشتغل بعيوب الآخرين وننسى عيوبنا؟ لماذا ؟ لأننا نهرب في حقيقة الأمر من عيوبنا,  أغمض عينيك ثم سل نفسك ,هذا الذي تعيبه على الآخرين , لو وجدت في الظرف نفسه ألا تفعله ؟ هذا الذي تعيبه على الآخرين ألم تقع فيه يوما من الأيام ؟ فلماذا إذا بسط اللسان ؟ لماذا طول اللسان ؟ " طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الآخرين",  وابن عطاء الله السكندري -رحمه الله -يقول عبارة مهمة جدا , يقول :" أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس ", لأن الرضا عن النفس يحجبك عن محاسبتها , يحجبك عن إدانتها , "أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس , و أصل كل يقظة وعفة وطاعة عدم الرضا عنها",  ثم يقول :" ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه ,خير من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه ", أي علم لعالم يرضى عن نفسه؟  و أي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه ؟هكذا يقول ابن عطاء الله السكندري , أما البصيري في بردته المشهورة في مديح النبي- صلى الله عليه وسلم- فهو يعقد فصلا للتحذير من هوى النفس , ويقول في ذلك أبياتا جميلة , يا حبذا لو تدبرناها , المشكلة أن الناس ترتطم المواعظ بجلود أدمغتهم ثم تعود من حيث أتت , لا يتفاعلون معها بقلوبهم وعقولهم, شغلتنا أموالنا وأهلونا وهمومنا , لابد أن نقف -أيها الإخوة- مع أنفسنا ولو لحظة من اللحظات , لابد , إلى متى ترتطم المواعظ والآيات والأحاديث برؤوسنا من الخارج ثم تعود من حيث أتت ؟ يقول البصيري وهو يعاتب نفسه

   فان أمارتي بالسوء ما اتعظت                        من جهلها بنذير الشيب والهرم

     هناك نذر,  الله -سبحانه وتعالى- لا يأخذ الناس فجأة,  الشيب نذير , اقترب الأجل , الهرم , التقدم في السن نذير , المرض نذير, موت الأقران نذير , عندما تنظر إلى أقرانك ترى أبناء سنك وقد ودعوا واحدا إثر واحد , هذه نذر

 فان أمارتي بالسوء ما اتعظت                      من جهلها بنذير الشيب والهرم

 فلا ترم بالمعاصي كثر شهوتها                     إن الطعام يقوي شهوة النهم

والنفس كالطفل إن تهمله شب على                  حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وراعها وهي في الأعمال سائمة                     و إن هي استحلت المرعى فلا تسم

وخالف النفس والشيطان و اعصهما                 و إن هما محضاك النصح فاتهم  

كم حسنت لذة للمرء قاتلة من حيث                  لم يدري أن السم في الدسم      

      كم من مرة ندمنا وعضضنا أصابع الندم على ما ساقتنا إليه أنفسنا -أيها الأعزاء-,  إن تزكية النفس وتطهيرها من مهمات الرسالة الإسلامية , ولذلك اقرأ قول الله- تعالى - وهو يتحدث عن وظائف النبوة {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} , أي يطهر أنفسهم من الآفات , من آفات العجب والكبر والخيلاء والحقد وحب الظهور وحب الذات والأنانية, إلى آخر هذه الآفات التي تعرفونها, أليست هذه وظائف الرسالة ووظائف النبوة ؟{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } , وكان -صلى الله عليه وسلم- كثيرا ما يدعو ربه قائلا :"اللهم آت نفسي تقواها, و زكها أنت خير من زكاها , أنت وليها ومولاها", صلى الله عليه وسلم , لكن هناك وسائل أمر بها الإسلام لتزكية النفس وتطهيرها , ولهذا حديث ربما نذكر بعضه في الخطبة الثانية والبعض الآخر في لقاءات أخرى متعددة , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 من أهم وسائل تزكية النفس , العبادات التي فرضها الله , العبادة بالمطلق , يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } , التقوى معناها حياة الضمير , أن تحاسب نفسك في الصلاة , يقول تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} , لو فكرت في الصلاة لوجدت أن الصلاة تحارب أخطر الآفات النفسية ,إن هذه البداية في الصلاة بتكبير الله , الله أكبر تطارد آفتين رئيسيتين في حياة الإنسان , وفي نفسه , تطارد آفة الطمع , و آفة الخوف , إنها تقول للجشعين , الأمر بيد الله, إذا فتح الله بابا لن يغلقه أحد , لا تجعلوا الطمع يقودكم , وتقول الصلاة للجبناء , لماذا أنتم جبناء ؟ لماذا تخافون على أنفسكم وحياتكم وأرواحكم ؟ إن هذا الأمر -أيضا -بيد الله,  الله أكبر أي الله أكبر مما تخاف منه , والله أكبر مما تطمع فيه , متى ينفتح المسلمون على صلواتهم , فتنعكس في حياتهم وتصرفاتهم , تنعكس عفة وقناعة , وتنعكس قوة وشجاعة , الصوم الذي نحن مقبلون عليه -أيضا -غايته التقوى , وغايته أن يحيي في ضميرك حاسة المراقبة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } , لعل ضميرك يستيقظ , فعامل ربك في الخلوات كما تعامله في الجلوات , تعامل ربك خاليا كما تعامله  وأنت بين الناس , هذا هو أساس العبادة في الدين,  عندما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم -عن الإحسان بعد أن سأله جبريل -عليه السلام -عن الإيمان والإسلام , سأل عن قمة التدين , فما الإحسان ؟ قال:" أن تعبد الله كأنك تراه, فان لم تكن تراه فإنه يراك ", هذا هو التدين وهذا هو الضمير الحي وهذه تزكية النفس , الزكاة مشتقة من التزكية ,إياك أن تظن أن تزكية النفس , أن تصلي وتبكي وتقيم الليل, وتنشج ,  و أن تصلي الضحى وتطقطق بمسبحتك , كأن قلبك رق , كل ذلك لا قيمة له إن لم تقم الأساس الحقيقي, خذ مثلا عندما يقول الله تعالى{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا }, ادفع أيها البخيل,  الدفع هنا هو سيحررك, البخيل لو صلى مئة ركعة, و لو تلا القرآن مئة مرة , و هو بخيل بحقوق الله , بخيل بحقوق الناس , لن يجديه ذلك فتيلا , الأمور تعالج بأسبابها , أنا أريد أن أعالج البخل , لا أعالجه بصلاة الضحى , و لا بصيام اثنين وخميس , ولا بالتسبيح مئة مرة , أعالجه بالدفع , أنا أريد أعالج رذيلة الجبن , واحد جبان , كيف يعالج ؟ لا يعالج أيضا بمجرد التلاوة,  لابد من علاج الأمراض بأسبابها {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى , الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى , وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى , إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى , وَلَسَوْفَ يَرْضَى} , وعندما تكلم الله عن المجاهدين الذين اشترى الله أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وصفهم بماذا؟ قال {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } , -أيها الإخوة -بالعبادة بالذكر {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} , {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى , وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } , أن تذكر نهايتك , أن تذكر الموت , قال :" من أكيس الناس , قال أكثرهم ذكرا للموت ", إن الله- تعالى- يتكلم عن نهايتي ونهايتك فيقول {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } , ويقول الله تعالى {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } , ذكرت الآخرة تذكر الموت تذكرت قول الله تعالى {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ , وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ , وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ , فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ , تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} , ارجعوها ارجعوا الروح إلى جسدها التفكر في ملكوت السماوات والأرض , كل ذلك يؤدي إلى تزكية النفس , عندما يتم التعامل مع هذه المفردات بعقل ولب {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ } , العقول الاستثنائية , الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم , {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار }, هذه أسباب تزكية النفس أذكر بعضها على الأقل , وهناك بعض ملامحها وأدلتها , هل تحب لغيرك ما تحب لنفسك , سل نفسك ,عندما تخرج من المسجد , أو الآن هل تحب لغيرك ما تحب لنفسك ؟ هل نصحت تائها ؟هل هديت ضالا ؟هل نصرت مظلوما؟ هل سترت مخطئا؟ قبل أن تبسط لسانك في الناس بالسوء , سل نفسك هذه الأسئلة , حتى تعرف في أي دائرة أنت , هل أنت مشغول بنصيحة الناس ؟ هل نصحت تائها قبل أن يتورط أم تركته يتورط ؟. هل تشمت بالآخرين عندما تحل بهم المصائب ؟ أم أنك تتمنى لكل عباد الله الخير ؟ هل تنحاز للمظلومين ؟ هل يؤلمك أن ترى مظلوما ولا تستطيع أن تنصره ؟ هل سترت ذلك يوم على مخطئ وقد رأيته رأي العين فسترته ؟أم انك ذهبت من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال تشهر به ؟ ولتشيع الفاحشة في الذين امنوا , هل تقول الحقيقة إن طلبت منك ؟هل أنت متعصب ؟هل أنت حزبي ؟هل تؤثر حزبك على الآخرين ؟هل تتعصب لهم بالحق والباطل ؟هل عفوت عن من ظلمك ؟هل صفحت عن من أساء إليك ؟هذه بعض أسباب التزكية وبعض ملامحها.

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون