بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

رجعت إلى سورة الإسراء , فوجدتها قد تحدثت عن قصة الإسراء في آية واحدة {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } , لكن بقية السورة تحدثت عن مواضيع كثيرة مهمة , تحدثت عن القرآن في أكثر من عشرة مواضع , و تحدثت عن البناء الخلقي والنفسي للإنسان المسلم , وعن قضايا كثيرة , لكن المسلمين وقع خلل في فهمهم للدين وفي ثقافتهم بشكل عام , فوسعوا ما ضيقه القرآن , و ربما ضيقوا ما وسعه القرآن , فهم إذا تناولوا الإسراء وقفوا عند تفاصيل القصة , وقد أفاض فيها العلماء والمفسرون والأدباء والشعراء عن هذه المعجزة الكبيرة , معجزة انتقال النبي- صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى بيت المقدس في جزء من الليل , والتفاصيل معروفة لكل المسلمين , لكن اللافت للنظر أن المسلمين لم يتنبهوا لما تحدث عنه القرآن بعد آية الإسراء مباشرة, وقفوا عند حديث الإسراء وتوسعوا فيه كما توسعوا -كما قلت -في أشياء كثيرة اختصرها القرآن , أو في أشياء ذكرت لكنهم أهملوها واهتموا بغيرها . في القرآن الكريم الوضوء ذكر مرة واحدة , لكن ألفت فيه مجلدات وكتب كثيرة جدا , الصيام ذكر في آية واحدة في القرآن , و ذكر القرآن فيها ثلاثة مفطرات , لكن ارجع إلى كتب الفقه تجد عشرات المفطرات , و كلام كثير عن الصيام , وهو في القرآن في آية واحدة , هناك حديث مشهور جدا:" صنفان من أهل النار لم أرهما , نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات , و رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها وجوه الناس وأدبارهم",  وقف الوعاظ والدعاة والعلماء وشراح الأحاديث عند نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ليشرحوا وليفصلوا وليرتبوا العقوبات على ذلك , لكنهم لم يتكلموا عن مظاهر القمع وظلم الناس , رجال معهم سياط كأذناب البقر , النبي -صلى الله عليه وسلم- يتكلم عن جانب اجتماعي تظهر فيه المرأة بغير الصورة التي رسمها الإسلام , وقفوا عندها , لكنه قال في الشطر الثاني للحديث :"ورجال معهم سياط كأذناب البقر", رجال القمع: الشرطة والأمن والبوليس الذي يحقق أهداف المستبدين , لم يتحدث العلماء عن ذلك بالتفصيل .على كل حال سورة الإسراء تحدثت عن القصة , حادثة الإسراء في آية واحدة , فما الذي تلاها -وهو المهم في نظري -أن نقف عنده كمسلمين , تلاها -أيها الإخوة -الحديث عن تجربة بني إسرائيل في فترة إقامتهم الأولى في فلسطين , عن هذه التجربة , كيف قاموا ؟ و كيف انتهوا ؟ وهذا ليكون عبرة لمن أنزل عليهم القرآن , المعروف أن التوراة كانت دينا ودولة ,ولذلك بعد آية الإسراء مباشرة قال {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً , ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً , وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} , والله -سبحانه وتعالى- في سورة المائدة عندما تحدث عن التوراة يقول جل جلاله {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } , الآن : السؤال ما المرتقب من دولة تقوم على أساس الدين ؟ ماذا ننتظر من حكومة تقوم على أساس الوحي وكلمة الله؟  ننتظر من هذه الحكومة أو من هذه الدولة التي تقوم على هذا الأساس الديني أن تكون صورة للنظام لا للفوضى , و أن تكون صورة للاكتمال الإداري وليس للعجز الإداري , و أن تكون صورة للعدل لا للجور,  و أن تكون صورة للمساواة ليس للمحاباة , لكن ما الذي حدث ؟عندما قامت دولة بني إسرائيل على هذا الأساس الديني , تنكرت لهذا الأساس , ماذا فعل بنو إسرائيل عندما أقاموا دولتهم ؟ وكما قال الله على لسان موسى وهو يخاطبهم {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} , الحكم أو مسئولية حكم الناس ليست مناسبة لتحقيق المغانم والمآرب والأهداف , وإنما لإقامة الأهداف الإلهية في الأرض , للأمر بالمعروف , للنهي عن المنكر ,- كما قلت- لإنهاء الفوضى والفساد , لإقامة العدل والمساواة ,اليهود عانوا كثيرا من الاستبداد الفرعوني , ولعلنا نقرأ في أول سورة من القرآن سورة البقرة {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ } , {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } , لكن مما يؤسف له أن هذه الحكومة التي قامت على أساس الدين - أي على أساس التوراة - لم تقاوم الفساد,  وإنما تسربت إليها أخلاق فرعون , و في الغالب عندما تدرس تجارب الناس ترى أن الناس لا يستفيدوا بعضهم من بعض, يطبق اللاحق تجربة السابق , إن القرآن الكريم يقول أو يتحدث عن أقوام يقول الله لهم يوم القيامة {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ } , جاءوا بحجة الثورة على هذا الظلم , لكنهم عندما سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم فعلوا كما فعلوا , وهذا معنى الآية القرآنية التي تلوتها من قبل {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} , الحكم ابتلاء , لكن بني إسرائيل سقطوا في هذا الامتحان , لأنهم مارسوا الاستبداد والفساد رغم أنهم عانوا من الاستبداد الفرعوني , جددوا سيرة فرعون من جديد , وعاثوا في الأرض فسادا {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} , أي سلطة يتسرب إليها العجز الإداري والفساد الأخلاقي إن مصيرها إلى الزوال , لابد أن يسلط عليها بوفق السنة الإلهية من يؤدب القائمين على هذه السلطة , لانحرافهم وفسادهم واستبدادهم , فإذا نخر العجز الإداري والفساد الأخلاقي في سلطة ما , فإن مصير هذه السلطة إلى زوال , ولابد أن يأتي قوم آخرون ليعاقبوا هؤلاء العابثين , وليتولوا هم الحكم , وهذا ما حصل في تجربة بني إسرائيل , و أنا أعتقد أنها تجربة ينبغي أن يتأملها المسلمون , لا أدري لماذا نقرأ القرآن ؟ هل نقرأ القرآن لتمضية الوقت ؟ أم أنه لابد من تأمل هذه التجارب , ولابد من إسقاطها على واقعنا , ونحن نرنوا نحو مستقبل أفضل , ونحو حال أحسن من هذه الحال التي نحن فيها {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} , السلطة العاجزة الفاسدة اقتضت إرادة الله أن يسلط عليها من يردها إلى الصواب إذا فسدت أخلاقيا و إداريا وسياسيا, فلابد إذا من أن يأتيها قوم آخرون كما قال القرآن الكريم , ليردوها إلى الصواب إذا اختلت أمور الدولة , احتلت أراضيها وفقدت حريتها واستقلالها , هذا ما حدث في تجربة بني إسرائيل , و هذا ما ينبغي أن نتذكره أو ما أراد الله لنا أن نتذكره , ونحن نقرأ سورة الإسراء , أو ونحن نعيش ذكريات الإسراء , والله إذا لم تحسن سياسة الملك فلابد أن ينزع هذا الملك منك , لأنه لا يتصور أبدا أن تقوم حكومة على أساس الوحي , وعلى أساس الدين ثم تنحو منحى الانحراف والاستبداد السياسي , في هذه اللحظة تكون عقوبتها أشد من عقوبة المنحرف أصلا , إن الانحراف هنا انحراف باسم الدين , إن الاستبداد هنا استبداد باسم الدين , إن الفساد هنا فساد باسم الدين, وهذا كله فعله بني إسرائيل في تجربتهم التي أراد الله أن نتذكرها , ونحن نتذكر الإسراء , ونحن نتذكر بيت المقدس كلما قرأنا سورة الإسراء, نقرأ هذه القصة {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } , إذا التوراة كانت دينا ودولة ,  و لقد أقام اليهود دولتهم على هذا الأساس , لكنهم ما رعوها حق رعايتها ,القرآن أشار إلى علوهم وإفسادهم , و العلو هنا يعني الفساد الأخلاقي , و الفساد يعني العجز الإداري , و لا يتصور أبدا أن تقوم حكومة على أساس الدين ثم تنحو منحى الفساد والاستبداد , لأن الله تعالى يقول {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } , لكن هل رعوها بنوا إسرائيل ؟ هل تابوا و أنابوا رغم أن الله -تعالى -سلط عليهم؟  إن المؤرخين يقولون : إنه سلط عليهم في الافسادة الأولى , في دورة دولتهم الأولى , سلط عليهم الآشوريين الذين دمروا دولتهم ودمروا هيكلهم , ثم عادوا للإفساد مرة أخرى , و سلط عليهم الرومان فدمروا دولتهم ودمروا هيكلهم, وهذا -كما قلت- أذكر أن المسألة ليست مقصورة , إن الله ليس له ثأر عند بني إسرائيل , إنما هذا القانون ينسحب على كل من تولى الحكم باسم الله, لابد أن يقيم هذا الحكم وفق الشعارات الدينية والإلهية التي رفعها , و وفق الكتاب الذي ينتمي إليه , لكن الله -سبحانه وتعالى- بعد أن سلط عليهم الآشوريين مرة , والرومان مرة أخرى , عاشوا دهرا طويلا بلا دولة , حتى قلد المسلمون اليهود , فأفسدوا حكومتهم , و أفسدوا خلافتهم , و حكموا أهواءهم بدل أن يحكموا شرع الله- سبحانه وتعالى - , وسلط عليهم اليهود أنفسهم , سلط على المسلمين والقدس -كما نعرف -, - أيها الأعزاء - في سياق التاريخ الإسلامي مرت  القدس بثلاث مراحل . المرحلة الأولى : تحت الاستعمار الروماني الذي واجهه عمر بن الخطاب , وعندما زحفت جيوش المسلمين استطاعت في حروبها التحريرية , -بالمناسبة -إن زحوف الجيوش الإسلامية لم تكن زحوفا توسعية أو استعمارية أو لإكراه الناس في الدين , وإنما كانت حروبا تحريرية لتحرير الشعوب المضطهدة والمظلومة من جهات تمارس الطغيان , وتمارس الاستبداد , وحررت بيت المقدس , لكن الأوروبيين عادوا بعد خمسة قرون ليحتلوها مرة أخرى إبان الحرب الصليبية , و بقيت القدس تسعين عاما تحت أيدي الصليبيين وحرابهم , حتى استطاع المسلمون أن يستأنفوا دورهم مرة أخرى , و أن يستأنفوا وحدتهم , وهيأ الله لهم قيادات استطاعت أن تستنقذ القدس ,و أن ترد بيت المقدس إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى , ثم استمرت القرون والمسلمون يتسرب إليهم الفساد تارة ويصلحون أحوالهم تارة أخرى ,لأن تاريخنا الإسلامي تاريخ متعرج لا يسير في طريق مستقيمة وفق السنة الإلهية التي يقول الله فيها {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} فأحيانا نعلوا , وأحيانا نهبط , وأحيانا نرتفع , وأحيانا ننخفض , وهذا كله مرهون بمدى استقامتنا على هذا المنهج الذي وهبنا الله إياه ,عاد اليهود مرة أخرى للقدس  في أيامنا هذه , بعد أن مهد لذلك بعزل الإسلام عن توجيه الحياة , وبتمزيق الأمة الإسلامية , و بإسقاط نظامها الإسلامي. نحن في ذكرى الإسراء ينبغي أن نتأمل هذه التجربة التاريخية التي تحدث عنها القرآن - تجربة بني إسرائيل وإقامة دولتهم على أساس الدين -, وماذا كان المرتقب منهم؟ وماذا فعلوا ؟ وماذا كان مصيرهم ؟ سنن الله لا تحابي أحدا , من أراد تحرير بيت المقدس فعليه أن يتأمل السنن السابقة {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ } , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

  من الواجب علينا أن ننعى لهذه الأمة الإسلامية , فقيدها الكبير- السيد محمد حسين فضل الله - الذي انتقل إلى جوار الله في الأسبوع الماضي , و لقد كان هذا الرجل -كما قرأت له وكما أعرفه -كان عالما مناضلا بحق, فلم يكن يعيش في برج رغم , أنه كان على درجة كبيرة من العلم الواسع والثقافة الشاملة , بل كان مرجعا للتقليد في مذهبه ,و كان يعيش قضايا الأمة وقضايا وطنه , كان يعيش الهم الفلسطيني كأكبر مهموم فلسطيني , كان أهم ما يميزه إيمانه بضرورة الوحدة بين المسلمين , و أن يتجاوز المسلمون خلافاتهم القديمة والحديثة , و ألا يسمحوا لغيوم الماضي أن تغطي شمس الحاضر , إن الأمم الشقية هي التي تلتفت إلى الماضي لتستحضر منه ما يعكر صفوها في الحاضر , لكن الأمم السعيدة والأمم الحية التي تفكر ايجابيا تجاه المستقبل تلتفت إلى الماضي لتأخذ منه العبرة , لا لتعيد مآسيه مرة أخرى , ليس هناك أمة تحترم نفسها وتفكر تفكيرا ايجابيا تجاه قضاياها , تعيد مآسي الماضي, فنحن ننعى للأمة هذا الرجل القليل الأمثال –حقيقة- , أنا أعرف أن المجتمع الإسلامي يعيش مشكلات كثيرة من أهمها الحواجز التي يقيمها التعصب المذهبي أو التعصب الحزبي أو ما شابه , لكنني أدعوا أبناء ديني عموما , و أبناء شعبي -أيضا -والمهتمين بالمسألة الإسلامية , و مسألة الوحدة والثقافة أن يحرروا عقولهم من هذه الشرنقات الضيقة , و أن يعرفوا أننا, أن المسلمين جميعا أهل قبلة واحدة وأهل كتاب واحد وأتباع نبي واحد , و مهما اختلفوا في مسائل هنا وهناك , فينبغي أن تحل هذه المسائل عبر الحوار , وبالمناسبة هذا الرجل الذي فقدناه -العظيم حقا -له كتاب مهم جدا -أتمنى أن يقرأه أبناء المسلمين- إنه كتاب اسمه (الحوار في القرآن ) مجلد كبير وله كتب أخرى له تفسير القرآن كامل في خمسة وعشرين جزءا تقريبا .كان مجاهدا سياسيا وعلميا واجتماعيا وثقافيا -عليه رحمة الله-.

 المسألة الثانية : يبدو -أيها الإخوة المسلمون - أنه ليس أمامنا إلا المصالحة مع الله ,عندما نعجز أن يصالح بعضنا بعضا, فما معنى هذا؟ معنى هذا أن القلوب في أكنة و أن بين القلب والقلب الآخر حجاب , فلابد من العودة إلى الله- تعالى – و أن نصلح أحوالنا مع الله , وهذا متروك لكل فرد في حد ذاته , فلعل الله- سبحانه وتعالى - يصلح أعمالنا,  ولعله يؤلف بيننا,  إن الله –تعالى- يخاطب النبي يقول له {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} , المفروض أن نرجع إلى الله- سبحانه وتعالى- فلعل هذه العقدة القائمة هي بسبب معاصينا , و بسبب انحرافنا وبسبب عدم صدقنا مع الله, فلنرجع إلى الله -سبحانه وتعالى -ولنتب إليه.

 أيها الأعزاء : الخلافة الإسلامية كانت تمثل أبوة روحية وثقافية واجتماعية وسياسية للأمة , و الأمة دون هذا النظام الذي يجمع شملها ويحرس دينها ويسوس دنياها ستبقى يتيمة , لا تستطيع أن تحقق أهدافها , و هي أوزاع متفرقة هنا وهناك , ولذلك عندما تدرس التاريخ الحديث بدقة , تجد أن وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود وسقوط الخلافة الإسلامية وهزيمة الخلافة في الحرب العالمية الأولى , وخيانة العرب للخلافة والتآمر عليها , كل ذلك تم في مرحلة واحدة أعقبت مرحلة مؤتمر بال , الذي قرر اليهود أن يقيموا فيه دولتهم , و العرب في غيهم يعمهون,  لا أدري ماذا كان يفعل العرب عندما علموا بان مؤتمرا لليهود أقيم في بال ؟ واتخذ قرارا بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين في غضون خمسين عاما ؟ ماذا فعل العرب والمسلمون خلال الخمسين عاما؟  ماذا فعلوا؟!! شيء غريب جدا وعجيب جدا جدا جدا , نتمنى أن تتضاعف جهود المسلمين من أجل تحقيق وحدتهم ومن أجل إقامة دولتهم, ومن أجل إعادة خلافتهم لتعود لهم حريتهم ويعود لهم استقلالهم وكرامتهم , أسأل الله- سبحانه وتعالى - أن يشرح صدورنا و أن ينور عقولنا و أن يقوم سلوكنا.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.