بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

ففي خطبتي هذه , أريد أن أضع بين أيديكم جملة من الحقائق المتعلقة بهذا الدين , بديننا الإسلام , و أرجو أن يعنى بهذه الحقائق الإخوة المثقفون والدعاة وأبناؤنا الشباب , لأننا بحاجة لأن نفهم هذا الدين أصولا,  الحقيقة الأولى : إن الإسلام يقر الاختلاف بين البشر , و يعترف بالتعدد الديني والمنهجي والعرقي , و لا يجعل من ذلك الاختلاف والتعدد سببا للاقتتال أو الإحن والعداوات , وإنما يريد أن يكون ذلك الاختلاف والتعدد بين البشر سببا من أسباب التواصل والتعارف , كما قال القرآن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } , وفي هذا النص القرآني الشريف اعتراف بالتعدد , و اعتراف بوحدة الأصل الإنساني لتبادل المعارف والتعاون , وكذلك في قوله تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } , بل هناك أية أفصح في ذكر الأديان المتعددة , في سورة الحجر يقول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } , فأسباب الصراع والعدوان عندما تعتدي عليه , عندما يعتدي علي الآخر , فأنا أقاومه لا من مجرد الاختلاف , هذه حقيقة .

الحقيقة الثانية : إن الإسلام لا ينشر أفكاره وعقائده بالقوة والعنف والإكراه بمعنى آخر , لا يفتح عقول الناس بالسكين أو يسوقهم بالعصا , و إنما يخاطبهم بكلمات الله المشرقة المنيرة , وتأمل قول الله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ} , لا بالعصا ولا بالسوط , الإسلام لا يحمي أفكاره بالقوة , و إنما يحمي أفكاره وعقائده بالدليل الذي سماه القرآن بالسلطان والدليل والبرهان {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ } , {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } , لا إرهاب ولا عنف ولا إكراه , إنما هو خطاب بالعقل , بالوحي الذي نزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ولقد خاطب الله نبيه في مكة المكرمة في العهد المكي , والمسلمون قلة ومطاردون , هناك قال له {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } , نحن نخاطب العالم كله , الذين يسيرون الشائعات من هنا وهناك على هذا الدين العظيم , في مكة المكرمة أي في بداية الدين , والمسلمون قلة مطاردون , القرآن يخاطب محمدا ويقول له {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }, ثم عاد وأكد هذا المعنى في المدينة المنورة , في قوله تعالى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} هذه هي عناوين الإسلام في دعوته , هذه عناوين الإسلام في خطابه للآخرين, هل هذا مقصور على الإسلام الذي جاء به النبي ؟ أم هو شأن الأنبياء جميعا ؟ اقرأ على لسان نوح -عليه السلام- وهو يخاطب قومه أيضا يقول {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } , فحرية الاختيار وعدم الإسراف ليس شأنا , اسمع- أيضا- عظمة هذا القرآن , و هو يتحدث عن خصومه الألذاء , يتحدث عن أهل الكتاب فيقول للنبي- صلى الله عليه وسلم- {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } , بالله عليكم , أين الإكراه في ذلك ؟ أين قعقعة السلاح في إقناع الناس بالدين في كتاب ربنا وسيرة نبينا ؟ إن الإقناع بالدين يقوم على حرية الاختيار , إن الإسلام قائم على الإقناع الحر , لا إكراه ولا إرهاب , و- كما قلت -الإسلام ليس ضعيفا حتى يحمي أفكاره بقوة السلاح , إنما يحمي عقائده وحقائقه ويحمي أفكاره بقوة الدليل والبرهان {وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْا} فاقتلوهم لم يقل القرآن ذلك , أين جاءت هذه الشبهات الغبية والساقطة التي تتهم الإسلام بالعنف والإرهاب وما شابه ذلك {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ , لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } , {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } , أنت لا تفتح عقول الناس بالسكين , ولا تسوقهم بالعصا , أنت داعية, لست جنرالا , إنما عليك البلاغ , {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء }, إنما عليك البلاغ والمواصلة . الحقيقة الثالثة :وهي مهمة و أرجو أن نستوعبها جيدا , إن الفهم البشري للدين ليس ملزما لاحد كأنه دين , هناك دين وهناك فهم بشري للدين , بمعنى {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ }هذا نص من القرآن , هذا ركن من أركان الوضوء , لكن نمسح الربع أو نمسح الرأس كله هذا اجتهاد بشري , ليس دينا , لابد أن نفرق بين ما هو دين , وما هو فهم بشري , وهذه مشكلة موجودة لدينا في الدوائر الدينية , كثيرا ما يخلق بعض الدارسين وبعض الدعاة بين ما هو فهم بشري وبين ما هو دين , لابد أن نميز بين الأمرين , هناك نصوص قاطعة لا تحتمل خلافا , أصول العقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} , هذه أصول الإيمان وأصول العقائد {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} , هذه أصول العقائد , أما أن يأتيني من يحدثني عن الصفات , هل هي غائبة عن الذات , أم هي الذات ؟ عن الرؤية يوم القيامة , عن أفعال العباد عن الصلاح والأصلح , هذه اجتهادات بشرية , ليست دينا , كذلك , في التشريع وجوب الصلاة , وجوب الحج , وجوب الصوم , وجوب الزكاة , حرمة الدم حرمة المال , حرمة العرض , كل هذه أصول لا تحتمل الأفهام المتعددة , ولا خلاف فيها . إن اختلفنا فيها من شروع فهذه اختلافات بشرية . سئل أبو حنيفة -رحمه الله- قيل له :" اجتهادك هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ؟" , قال :" والله لا أدري لعله الباطل الذي لا ريب فيه ,هذا أحسن ما قدرنا عليه , فمن جاءنا بأحسن منه أخذنا به",  سمعتم؟! هذا  قول أبو حنيفة -رضوان الله عليه- لابد أن نفرق بين ما هو فهم بشري , وما هو دين ؟ لا يحتمل الاختلاف والأفهام المتعددة . الحقيقة الرابعة : إن الإسلام لا يغلق نوافذ الحوار مع الآخرين أبدا , لأنه جاء ليبلغهم كلمة الله , فلابد أن يستمع لما عنده من شبهات , ومما يعتقدون أنه حق,  وهو لا يغلق منافذ الحوار , و إنما الحوار كان أداة الإسلام المفضلة في تقرير عقائد الدين المتعددة وشرائعه وحقائقه  الحوار, ونعى الإسلام على أولئك الجامدين الذين نفوا منافذ الحوار من مشركين ومن كافرين متعصبين جامدين على ما لديهم {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْر} { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ  } جاء الإسلام يفتح نوافذ الحوار بين الناس جميعا بين بني آدم , ليقدم كل منهم دليله على ما يقول,  اسمع هذا المقطع من سورة سبأ في الحوار , لعل هذا يغرينا بتلاوة القرآن والبحث في القرآن {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } , بالله عليكم هل هناك تلطف في الحوار أكثر من هذا التلطف ؟ {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ ( أيها الكافرون )  لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}   المهم الدليل , أين دليلكم ؟ قدموا على مال تقولون دليلا { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ , قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ , قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ , قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} , انظر كيف وصل إلى الحقيقة بعد هذا الحوار الذي كان غاية في اللطف ؟ وفي موضع آخر {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } , خرافيون , اسطوريون , من أخبرهم بذلك ؟هل اطلعوا الغيب ؟ أم اتخذوا عند الرحمن عهدا ؟ {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً } في الرد عليهم , لم يزد القرآن الكريم على أن طالبهم بالدليل فقط , و هي قضية فاسدة {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ }  ما أحوجنا إلى دعاة فاقهين بصراء  بالقرآن والتاريخ والواقع وحركة الإنسان , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد

    فقد لفت نظري ختام سورة الفتح , حيث يقول تعالى {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً , مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} , {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} هل فكرت في هذه الآية ؟ معناها أن الله- تعالى- سينصر دينه حتما , ونصره سابقا,  وستبقى راية الإسلام خفاقة , لما تحمل من مضامين هداية عقلية وقلبية , ومن مضامين نظم وشرائع , و توجيهات تكفل للناس سعادتهم واستقرارهم , {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً } هذه بشارة من بشارات القرآن للمسلمين , أن الله- تعالى -لن يخذلهم ما داموا متمسكين بهذا الدين , و لن يخذلهم وكما نصرهم سابقا سينصرهم لاحقا , و ستبقى راية دينهم خفاقة تدعو العالمين للهدى والرشاد والاستقامة .لكن للانتصار مؤهلات , والأمة المنتصرة الوارثة حقا, لها مؤهلات حقا لابد أن تتوافر فيها , و من لم يحرز هذه المؤهلات فلا يلومن إلا نفسه , فإن الله –تعالى- لا يحابي أحدا {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ }, لذلك -يا أخي -بعد أن قرر القرآن هذه الحقيقة في آخر سورة الفتح {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدا} , بعدها بدأ يتكلم عن ملامح هذه الأمة التي تملك مؤهلات النصر , ومؤهلات الوراثة , ما هي ؟ {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} , إذا مجتمع متماسك يعرف صديقه , يعرف عدوه , مجتمع عابد , نظيف, طاهر, خاشع , هذه ملامح المجتمع الذي يملك مؤهلات النصر , ومؤهلات الوراثة {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّار} يعرفون أهدافهم جيدا متماسكون أمام أعدائهم {رُحَمَاء بَيْنَهُم }  لا يظلم بعضهم بعضا , لماذا يضرب المواطن العربي  و المسلم في بلده ؟ يضرب ويسجن ويقتل , ولا يحظى بمحاكمة عادلة , هل هذا من مظاهر الرحمة ,إن الله قال كونوا أشداء على أعدائكم رحماء بينكم  , انظر بالأمس رئيس وزراء الكيان , تكلم عن الأسير الذي عندنا , لنا عندهم آلاف الأسرى ,و لهم أسير واحد,  تكلم عن الأسير , والد الأسير لم يعجبه كلام رئيس الوزراء , فدعا إلى مظاهرات ومسيرات , و اتهم رئيس الوزراء بالتقصير في إنقاذ ولده , لا ينامون الليل  بل من أجل جثث, وما من مرة دخلوا فيها في مفاوضات مع العرب الآخرين إلا وكان الحديث عن الجثث أو الأسرى- إن كان هناك أسرى -محورا ثابتا في المفاوضات , لماذا يحرصون على مواطنيهم وعلى كرامة مواطنيهم , وعلى حرياتهم وعلى حقوقهم؟  ونحن يضرب المواطن على وجهه , ويحرم من حقوقه , ويسجن بل يقتل ولا يرثي له أحد ؟ ليس هذا مبالغة بل ربما أقل مما هو في دنيا العرب والمسلمين . أعجبتني قصة في سيرة عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه -أريد أن أهديها لكم لتستوعبوها , ولتأصلوا عليها الأسلوب الذي ينبغي أن يكون من الحاكم باتجاه المحكوم , و أهديها للحكام لأحيي في ضمائرهم الإحساس بالمسئولية , هذا الإحساس الذي مات لدى كثير من الحكام,  قسم أمير المؤمنين على نساء المدينة مروطا جاءته,  (المروط : أكسية وألبسة تتلفح بها النساء , مفردها مرط ) فقسم بين النساء هذه الأكسية والألبسة , فزاد مرط بقي عنده مرط جيد ممتاز , وهو أفضل مرط , فقال بعض الناس الذين حوله :" يا أمير المؤمنين , أعط هذا المرط لابنة النبي التي عندك ", من ابنة النبي ؟ عمر ابن الخطاب تزوج أم كلثوم بنت علي ابن أبي طالب , فهي حفيدة النبي,  بنت فاطمة الزهراء , فكأنها بنت النبي , فقام رجل من الصالحين الطيبين الذين عنده , قال : هذا المرط الجيد الذي بقي عندك أعطيه,  يا أمير المؤمنين لابنة النبي- صلى الله عليه وسلم- التي عندك ", وهي زوجته , فقال عمر -رضوان الله عليه - :" لا , إن أم سليط ( امرأة مسكينة من نساء المسلمين ) أحق منها بهذا المرط , -وهذا أخرجه البخاري – إن أم سليط أحق منها بهذا المرط , لقد بايعت النبي -صلى الله عليه وسلم -ورأيتها تسقي لنا القرب يوم أحد" , أي تحمل القرب وتسقي الناس , تذكر سابقتها بالخير , هل يستيقظ في حكامنا ومسئولينا حس المسئولية فينتعش الإنصاف والعدل فيما بيننا ويتمتع الناس في حقوقهم وحريتهم وكراماتهم.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون