بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

فبين الإيمان و واقع الحياة ارتباط وثيق , لأن الإيمان إن لم يتحول إلى يقظة نفسية وفكرية وسلوكية فلا قيمة له , ولذلك لم يأت الحديث في القرآن الكريم عن الإيمان مطلقا أو مجردا , و إنما ارتبط ذكر الإيمان في كتاب الله بالعمل الصالح , بالصالحات, { وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} , {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ }, هناك ارتباط بين الإيمان وبين العمل الصالح, بين واقع الحياة , فمن ظن أنه بأداء العبادات المفروضة قد أدى ما عليه للإسلام و أبرأ ذمته , فهو مخطئ , لأن هذه العبادات بداية وليست نهاية , هذه العبادات هي الوقود الذي يورث الحركة الايجابية في الحياة , يورثك حب العدل , و يورثك الرحمة , و ينشر قيم المحبة والنظام والوحدة بين الناس , فإن لم يفعل ذلك كان إيمانا ميتا لا قيمة له , و بملاحظتنا نرى أن كثيرا من الناس يفصل بين قضايا الإيمان , وقضايا العبادات , و واقع الحياة , ومن هنا قد ترى مصليا كذابا , و قد ترى متدينا فوضويا , و قد ترى عابدا ظالما, هذه متناقضات ومفارقات بين قضايا الإيمان وبين واقع الحياة , منشؤها الجهل بمقتضيات الإيمان , منشؤها الفصل بين الإيمان وبين ما أسماه القرآن العمل الصالح , ما هو العمل الصالح ؟ هل الصالحات- يا إخوتي-  مقصورة على أداء العبادات , أم أن ميدان الصالحات واسع يشمل الحياة كلها؟  حرصك على النظام , أليس من الصالحات ؟ حرصك على النظافة في بيتك والمجتمع,  أليس من الصالحات ؟ تطوير أوضاعك العلمية والعملية و أن تصل في تخصصك إن كنت متخصصا أعلى المستويات , أليس من الصالحات ؟ أم أن الصالحات مقصورة على هذه العبادات ؟ ثم تمصي في حياتك لا تنوي على شيء , وتحس أنك قد أديت ما للإسلام عليك وأبرأت ذمتك , لا , لم تبرأ ذمتك بذلك . الصالحات نوعان : النوع الأول ما قدره الله وما فرضه عليه , و هذه -كما قلت - وقود يحركك نحو الخير , لأننا نحن أمة الخير , أمة ايجابية لا تعرف السلبية , ولا تعرف الأنانية , ولا تعرف الخنوع والكسل,  أمة علمها نبيها أن تستعيذ بالله من الكسل والبلادة , والآفات النفسية والاجتماعية كل صباح ومساء "

 أعوذ بك من الهم والحزن, وأعوذ بك من العجز والكسل , و أعوذ بك من الجبن والبخل , وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ", أمة ايجابية سماتها الأساسية أنها داعية الى الخير{ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ }, أمة نفّاعة للبشر , وعندما تكلم عن خصائص هذه الأمة قال تعالى{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ }, انظر كيف بدأ بثمرات الإيمان قبل الإيمان نفسه, ليقول لك أن الإيمان إن لم يثمر هذه الثمرات فلا قيمة له,  نحن أمة آمرة وناهية , ليس أمر تسلط وإنما هو أمر إرشاد ومحبة للبشرية أن تنتقل من الضلالة إلى الهدى ومن الشر إلى الخير , لا تنسى هذا , هناك ارتباط وثيق بين الإيمان وبين العمل الصالح , والعمل الصالح نوعان: هذه العبادات المفروضة , ثم ما ينفع النفس والبلاد والعباد مما يستوعب حركاتك وسكناتك كلها , الحياة كلها ميدان للعمل الصالح, في العلم , و في العمل والسلوك , ولابد أن تظهر هذه اليقظة الفكرية في العقل , و لابد أن تظهر هذه اليقظة النفسية في التقوى والاطمئنان الى الله , والخوف منه , والرجاء فيه , ولابد أن تظهر هذه اليقظة السلوكية في الأداء الحسن, في كراهية الفوضى , في كراهية القذارة, في حب النظام , في حب أن ينمو المجتمع بشكل سليم ومحترم , على كل حال هذه مقدمة كان لابد منها , وأنا أريد أن أتحدث عن قيمة من قيم الإيمان ومن قيم العبادات , غابت في ظل هذا الانفصام النكد ما بين الإيمان وما بين واقع الحياة , و أقصد بها قيمة النظام.

 عندما تتأمل الكون كله من حولك , تجد أن الله -سبحانه وتعالى -أقامه وأبدعه على نظام متقن,  وفق ناموس وقانون يحكم حركة الكون كله , يقول تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ , وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ , وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ , لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ,نظام متقن {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ , ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ } , هناك إتقان وإحكام ونظام في هذا الكون , الإسلام بطبيعته يكره الهمجية , و يكره الفوضوية , و يكره العشوائية , يريد أن يكون المسلم منظما في أفكاره وأداءه , وعباداته وعاداته , عندما تتأمل الصلاة من بدأها إلى ختامها, تجد أنها مبنية أيضا على النظام, خذ مثلا صلاة الجماعة , هل رأيتم إماما يكبر تكبيرة الإحرام , قبل أن يلتفت إلى إخوانه المصلين , قائلا لهم:" استقيموا اعتدلوا , إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج "؟ كم مرة يسمعها المسلم في اليوم؟ كم مرة ؟ من ذا الذي يحصي ذلك؟  إن كنت قد قضيت ثلاثين سنة في الصلاة, اسأل نفسك كم مرة سمعت من الإمام استقيموا اعتدلوا إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج, إن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ؟ لكن أليس لنا أو أليس من حقنا أن نتساءل بعد كل هذه التوجيهات و أن النظام ركن من أركان الصلاة , أليس من حقنا أن نتساءل لماذا نحن فوضويون ؟ لماذا لا نرى صفوفنا معتدلة ومستقيمة في المرافق العامة ,وفي حياتنا , وفي مواصلاتنا ؟ لماذا نرى متدينا يقطع إشارة المرور ؟ و لماذا نرى متدينا سمع مئات المرات بل آلاف المرات استقيموا اعتدلوا , إن الله ينظر إلى الصف الأعوج  {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً } , هناك منهجان: منهج القطيع , ومنهج الصف . الله- سبحانه وتعالى- اختار لنا منهج الصف, {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً }   أنت متدين , فلماذا تقطع إشارة المرور؟ لماذا تقف في غير موقف ؟ لماذا تغلق الشارع ؟من أين أتيت بهذه الفوضوية ؟ عندما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"  أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار ,أو صورته صورة حمار" ,  هذا تهديد صارم وشديد جدا , لكن هذا يعكس كم يكره الإسلام الشخص الفوضوي, إن الإسلام يريدك أن تكون صورة للإسلام , منظم الأفكار , تربط المقدمة بالنتيجة , تربط الأسباب بمسبباتها , تستدل على ما تقول,  لا تدخل من قضية في قضية, يريد أن تكون منظم التفكير , و أن تكون منظم الأداء , و أن تكون منظم العمل , عندما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- :" أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار", تهديد شديد جدا  جدا , لأن هذا الذي يسابق الإمام هو رمز ونموذج للشخص الفوضوي غير الملتزم بالقانون , وغير الملتزم بالنظام , الذي يقف في غير موقف ويعيق السير , الذي يغلق الطريق , هذا إنسان تحكمه أنانيته , و لذلك قال -صلى الله عليه وسلم-  وهو يحث على النظام , وعلى الاعتراف بحقوق الآخرين , قال :" من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد وجبت عليه لعنتهم " , "إياكم والجلوس في الطرقات", الإسلام قيم وأخلاق وحضارة , ألا يلفت نظرك -يا أخي - أن الأمم التي لا تسمع مثل هذه التوجيهات لم ينزل عليها قول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ } , ولم يحظوا بتوجيه كتوجيه المصطفى -صلوات الله وسلامه عليه -عندما يقول:" أتموا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ", وعندما يقول :" إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج ", لماذا نرى صفوفهم معتدلة ومستقيمة, والنظام عندهم مستتبا ؟ في حين نحن أمة الإسلام التي نزل عليها القرآن وحظيت بتوجيهات المصطفى-صلوات الله وسلامه عليه - من أكثر الناس -إن لم نكن أكثرهم- فوضوية , انظر إلى مواسم الحج,  انظر إلى مجامع المسلمين حتى في خروجنا من المسجد لا نلتزم بالنظام, يزحم بعضنا بعض , في مواسم حجنا هناك صراعات على مقاعد السيارات وما شابه , في إحدى المواجهات بين الفرس والمسلمين , عندما أطل القائد الفارسي ورأى المسلمين منظمين صفوفا صفوفا , و رأى طاعة للقادة , قال العبارة المشهورة , أحفظوها جيدا لأن الأعداء الآن يرددون معنى هذا , القرآن قال هذا , القائد الفارسي :" لقد أكل عمر كبدي , علم هؤلاء الأجلاف النظام والآداب",  لأنه أدرك , عندما رأى نظامهم وآدابهم أدرك أنهم سينتصرون, وهؤلاء يقولون الآن :" عندما ترى المسلمين والعرب منظمين في حياتهم, فمعنى هذا أنهم بدئوا طريقهم في تحقيق أهدافهم , وفي الانتصار", الإسلام منظومة كاملة لا يؤخذ تفاريق وأجزاء , في عصر عمر ابن الخطاب:" رأى رجلا كأنه يمشي في منتصف الطريق , فضربه بدرته , وقال له :" ابتعد عن الطريق",  قال:"  فضربني بالدرة على طرف ثوبي وقال ابتعد عن الطريق  فابتعدت" ,  فلقيني في العام المقبل , فقال لي يا إياس: " أتريد أن تحج؟" قال :" نعم, فأخذني ثم أعطاني ستمائة درهم , وقال لي :" استعن بها على حجك , و اعلم إنها بالضربة التي ضربتك في العام الماضي ", راضاه فقال الرجل :" والله يا أمير المؤمنين إني لا أذكرها –نسيتها- ", فقال عمر:" والله ما نسيتها" " , فجمع هذا الخليفة الراشد , الرئيس المحترم, جمع بين أمرين , بين قمة العدالة  و غاية النظام والمحافظة على حقوق الناس,  رأى الرجل يخالف نظام السير فضربه بالعصا , وقال له :" ابتعد عن الطريق
", نحن -أيها الإخوة- أمة النظام , ولعلي ذكرت لكم من قبل , لكن- كما قال احمد شوقي-:  اختلاف النهار والليل ينسي , ذكرت لكم قصة أبي إسحاق الشيرازي -الفقيه الشافعي -الذي كان يسير مع تلاميذه في الطريق , فقابلهم كلب, فأراد أحد التلاميذ أن ينهر الكلب , فزجره أبو إسحاق وقال لا تنهره , فاستغرب التلميذ , كلب , ألا تعلم أن الطريق بيننا وبينهم مشترك , هذا كلام فقهائنا, نحن أبناء حضارة قانونية وحضارة حقوقية, حتى بالنسبة للكائنات الأخرى , فما بالك بالإنسان ؟ ما أحوجنا -أيها الإخوة- لاستثارة قيم الإيمان ولإخضاع حركة الواقع للقيم الإيمانية , لا ينبغي أن نفصل بين الإيمان والعبادات وبين حركتنا في واقع الحياة . أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم. 

 

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد

   أيضا ينقصنا أو يغيب عن واقعنا كثير من الأخلاق والقيم والثقافات المهمة , و التي هي من أهم أسلحتنا في مواجهة التحدي الحضاري الذي يتهدد وجودنا , وثقافتنا , من هذه الأخلاق ومن هذه القيم " التسامح فيما بيننا", للأسف هناك تعصب ومغالاة , هناك غياب للانفتاح على الأخر , لا نعرف الحوار , إما المجاملة و إما الاشتباك , إما أن تشتبك معي أو أشتبك معك , و أما أن نجامل بعضنا , لكن البديل الثالث الحوار , و أن أقدرك وتقدرني , وأعذرك وتعذرني , ربما لا نجده في حياتنا الثقافية , أو حياتنا السياسية , وهذا من جراء التربية الحزبية البغيضة , الذي حولت أبناء الدين الواحد وأبناء الوطن الواحد الى أعداء , لا أعتقد أن أحدا منكم يريد مني دليلا على هذا , لكن لو أراد أحدكم , تأملوا حولكم, طالعوا المواقع الالكترونية, كيف يتناول الناس بعضهم بعضا في الصحافة ووسائل الإعلام ؟, على كل حال حتى لا يسرقنا الوقت سأسوق قصتين في تراثنا المعاصر الحديث , على روحية التسامح التي فقدناها , المثال الأول يخص الشيخ العالم الفلسطيني يوسف النبهاني -عليه رحمة الله-  وهذا من علماء فلسطين , وأنا على يقين أن نسبة كبيرة من أبنائنا ومن مثقفينا لا يعرفون شيئا عن هذا العالم , -كما قلت – إن التربية الحزبية تربية تعبوية , ضغطت على عقول أبنائنا , وضغطت على مشاعرهم وقولبتهم في قالب محدود , لا يعرفون إلا نشرات الحزب , وإلا أئمة الحزب إن كانوا أئمة , لكنهم لا يعرفون علماء الأمة, هو توفي في الثلاثينيات على العموم , و هو من عكا , و هو من كبار علماء فلسطين , ومارس القضاء في بيروت , وهو كان من كبار أئمة الشافعية , لكن المهم أنه كان صوفيا متصوفا , وكان رمزا من رموز المدرسة الصوفية , والمدرسة الصوفية تختلف مع الإمام الشهير ابن تيمية -عليه رحمة الله- والذي كان وما زال يمثل التيار السلفي في فهم الفقه وفي اختياراته في العقيدة  و المسائل النظرية , لكن أنا أتيت بهذا النص الذي ذكره يوسف النبهاني وهو من مدرسة تعتبر مخالفة لمدرسة ابن تيمية , لا أريد أن أقول أنهم خصوم , لكن كان بينهم مساجلات كبيرة جدا وشديدة  جدا ,يذكر الإمام يوسف النبهاني  في كتابه المجموعة النبهانية في المدائح النبوية , فيقول: " كنت قد كتبت شيئا في الرد على ابن تيمية , نقلت فيه جملا جميلة من كلام العلماء , ثم ترجح عندي ألا أفعل لألا أخدش أفكار عوام المسلمين بتنبيههم إلى رأيه -يعني هو يريد أن يرد على رأي من وجهة نظره أنه رأي فاسد , وكتب شيئا ثم قال:" لا أريد أن أنشره حتى لا يتنبه الناس له , حتى لا أنبههم الى رأيه الفاسد , يقول عن ابن تيمية أن رأيه فاسد - وهم عنه غافلون , ثم يقول:"  وابن تيمية هذا , هو إمام كبير, وعلم علم شهير , من أفراد الأمة المحمدية الذين تفتخر بهم على سائر الأمم ",هل هناك أحد يقول عن خصمه الفكري أو السياسي مثل هذه العبارات ؟ أفلا نتعلم ؟ الإنسان ليس شر محضا ولا خير محضا , أنا أخطأ وأصيب , وأنت تخطئ وتصيب , لماذا إذا أحببنا رفعنا من نحب الى أعلى عليين , رفعناهم مكان عليا؟ وإذا أبغضنا أحدا خفضنا مقامه وقدره؟ الذي عندنا هو العالم , هذه حزبية بغيضة يتمرغ فيها حتى بعض المنتسبين إلى العلم , بعض من يقال أنهم علماء, تحولوا إلى حزبيين , لا تحركه إلا بوصلة , الحزب الشيخ النبهاني يقول عن أشد خصومه, الشيخ النبهاني رمز من رموز الصوفية, وابن تيمية هو رمز التيار السلفية وبينهما خصومة -كما قلت -نظرية وفقهية , و سأشير إلى بعض المسائل التي اختلف معه فيها , يقول :" وابن تيمية هذا هو إمام كبير علم علم شهير من أفراد الأمة المحمدية الذين تفتخر بهم على سائر الأمم , ولكنه مع ذلك غير معصوم من الخطأ والزلل , فقد أخطأ في مسائل قليلة, منها هاتان المسألتان , زيارة النبي- كان لابن تيمية رأي فيها -والاستغاثة بالنبي -وكان له رأي منها هذه المسائل القليلة- لقد أخطأ فيها خطأ فاحشا " مرة قال رأي فاسد , ومرة قال خطأ فاحش , وكل ذلك لم يمنعه من أن يقول كان إماما كبيرا,  وعلم علم شهير , وانظر ماذا يقول أيضا :" أخطأ فيهما خطأ فاحش ,خالف فيه جمهور الأمة من السلف والخلف ", ثم قال:" و إن كان قد أخطأ في هذه المسائل المعدودة فقد أصاب بمسائل لا تعد ولا تحد نصر بها الدين ,وخدم بها شريعة سيد المرسلين , وعلى كل حال إن الحسنات يذهبن السيئات ", متى -أيها الإخوة -نصل في التسامح فيما بيننا الى هذا الحد , إنني أدعو العلماء والمثقفين والسياسيين الكبار قبل عوام الناس الى الخروج من هذه الشرنقات الحزبية, لا يليق بالعالم أن يكون حزبيا , أن يدور مع الحزب حيث دار , العالم للأمة العالم ضمير المجتمع والأمة يلجأ إليه الناس , يجدوا عنده حلولهم وفي الجعبة الكثير أيضا .

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون