بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
فهناك خلق غائب في حياتنا الاجتماعية , فهو خلق مهم و أعني به خلق التناصح, أن ينصح الناس بعضهم بعضا, أن ننصح التائب , و أن ننصح الضال , و أن ننصح الظالم , و أن ننصح المخطئ وهكذا , هذا الخلق -للأسف -نحن أحوج ما نكون إليه في هذه المرحلة التي نمر بها , ولقد ترسخت الخصومات , وكثرت العداوات , و تبادل الناس فيما بينهم شتى التهم , وأفرط أصحاب الأقلام وخطباء المنابر وكتاب الصحف - كل هؤلاء- أفرطوا في النقد , و أحيانا يصل نقدهم إلى حد التجريح والتشفير بحق وبغير حق , نحن محتاجون إلى التناصح في ظل مثل هذه المرحلة التي تستولي فيها المناكفات والخصومات والعداوات على حياة الناس , و الحق -أيها الأعزاء - أن النصيحة من صميم الدين , بل هي جوهر الدين- كما سنرى- لأن النصيحة إحساس بالمسئولية , والدين يعزز لدي ولديك الإحساس بالمسئولية , التناصح أو بذل النصيحة , مبادرة إلى فعل الخير , والإسلام يريد أن يكون أهله مبادرين للخير, النصيحة تنبعث من شعور الحب والشفقة , والإسلام يريد أن يهيمن هذا الشعور على نفوس أهله , عكس التشهير الذي ينبثق عن البغض والحقد , إن من يجد للنصيحة مجالا ثم لا يبذلها لا دين له , لا صلاة ولا صوم له , كيف يكون له دين وهو يرى أخاه يوشك أن يقع في الهلاك , وهو يرى أخاه مشرفا على الغرق, و لا يأخذ بيده , لا يقول له هنا خطر , لا يجوز لك أن تمضي , لذلك نقول مطمئنين إن من يقدر على النصيحة ثم لا يبذلها, فإن علاقته بالله واهية , و إن تدينه تدين مهتز , والقرآن الكريم وهو يتكلم عن أمة المسلمين يقول لهم وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر} , وعلى رأس قائمة الخير النصيحة أن بتناصح الناس فيما بينهم , أن يأخذ الأخ بيد أخيه , و أن يأخذ الجار بيد جاره , و أن ينصح الأب ابنه ,و أن ينصح الأستاذ تلميذه , و أن تنصح الجماهير الحاكم والحكومة , و أن ينصح الحاكم والحكومة الجماهير, وهكذا يصبح هذا الخلق هو الخلق السائد في المجتمع , لا خلق السلبية , أو خلق -وأنا مالي- وخلق -ما دخلي في الموضوع الفلاني - , إننا نؤكد ونعيد إن من يجد للنصيحة مجالا ثم يتلعثم ويلجلج أو يصمت , عليه أن يعيد علاقته بدين الله , لأن دين الله هو دين الخير, النصيحة- كما قلت -مسئولية ومبادرة , والنصيحة حب وشفقة , النصيحة دعوة إلى الخير ونهي عن الفساد , هذه هي مضامين النصيحة , فلماذا إذن تتلعثم وتتردد ؟ولماذا تكون علاقتك بالآخرين علاقة تربص وترصد ؟ لتنظر للنتيجة ماذا سيحدث لهم ؟لماذا ؟ ابدأ يا أخي , إذا رأيت أخاك في خطر تقدم وقل له حذره , إن رأيته مقدما على الزواج , انصحه بمن يتزوج , إن رأيته مقدما على بيع وشراء ,ولديك خبرة في هذا الموضوع فانصحه , لا تترك أخاك يتورط , لا تتربص به , هذه مشاعر غير المتدينين , لا يمكن أن يكون متدينا ثم يسيطر عليه مثل هذا الشعور , لأن الله يقول{ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} , -وكما قلت -أيها السادة على رأس قائمة الخير النصيحة , وعندما تقرؤون القرآن بتدبر وتأمل , وعندما تقرؤون قصص النبيين تجدون النصيحة من وظائف النبيين , بل من مهمات النبيين ,عندما تقرأ على لسان نوح في القرآن {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } , وكذلك جاء على لسان هود وصالح وشعيب {وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ , وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} , اقرؤوا القرآن الكريم فالنصيحة إذن هي عنصر من عناصر الدعوة الإسلامية على ألسنة النبيين جميعا, وهي من مهام النبيين ومن وظائفهم , ولقد قص القرآن علينا قصة ذلك الفدائي العظيم, الذي أقدم على النصيحة , ولربما كلفته عنقه ,عندما هدد الفرعون كليم الله موسى -عليه السلام - وعلم بعض الناس من أوساط معينة أن هناك مؤامرة لقتل النبوة , هناك مؤامرة على نبي الله , هناك مؤامرة على الحق والحقيقة , لم يطأطأ هذا البطل رأسه, ولم يغض على الظلم , وإنما -كما قال القرآن- {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } , هذه هي البطولة ,
إن البطولة أن تموت على الظمأ ليس البطولة أن تعب الماء
قف دون رأيك في الحياة مجاهدا إن الحياة عقيدة وجهاد
الحياة مواقف -أيها الإخوة- هل يمكن أن ترى مؤامرة أمامك ثم تطأطأ رأسك وتسكت , هذا نقيض الإسلام , هذا يناقض ألف باء الإسلام, كيف ؟ هل يمكن لك أن ترى أخا لك يتورط في بيع أو شراء ثم تسكت عن نصيحته ؟ هل يمكن لك أن ترى أخا لك يتورط في زواج لا تتهيأ له أسباب النجاح ثم تسكت ؟ لم؟ أي دين هذا ؟أي تدين هذا ؟ كيف ترسخت فينا العداوات والخصومات , وتبدلت التهم , و أخذ يحل التشهير والتجريح محل التناصح , والفضيحة محل النصيحة , ذلك كله -أيها الإخوة- دلالة على أن التدين فيه رقة , فيه وهن , لابد أن نحيي المعالم الحقيقية للدين , إن النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول فيما صح عنه:" إن الدين النصيحة , قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم ", وعندما تقرأ السنة تقرأ أحاديث كثيرة على ألسنة صحابة كثيرين يقولون :" بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم -على السمع والطاعة , وعلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة, ( ثم ماذا ؟) وعلى النصح لكل مسلم ", هذه من أركان البيعة المحمدية , من أركان بيعة الإسلام , بيعة المؤمنين على إتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- ويعجبني هنا شرح العلماء الكرام , شرح علماءنا -وهم يقولون -النصح لكل مسلم , ما معناه ؟ هل معناه ألا ننصح إلا مسلما ؟ لو أن كافرا طلب نصيحتنا ننصحه أم لا ؟ قال ننصحه , فالنصيحة مبذولة للمؤمن والكافر , ومن كبرى النصائح الدعوة الى دين الله , ألا تدعو -أنت -الكافر الى أن يسلم , هذه أكبر النصائح , عبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله :النصح لكل مسلم ,على الأغلبية , الغالب أننا نتحرك في مجتمع إسلامي , لكن النصيحة مبذولة لكل الناس , لأن المسلم رحمة لكل الناس , و ذكرت كتب السنة حديثا -أيضا - ينبغي أن نتأمله وأن نعرف إلى ما يرمي و ما هي دلالته ؟ عن رجل يقال له أبو سباع , يقول هذا الرجل : "اشتريت ناقة من دار وافلة ابن الاسقع -احد الصحابة - ثم خرجت فأدركني يجر رداءه", فقال:" لي اشتريت الناقة", قلت :"نعم ", فقال لي :" أبين لك ما فيها", قلت:" وما فيها؟", فقال:" إنها سمينة وإنها ظاهرة الصحة هي جيدة , لكن لأي شيء اشتريتها للسفر أم للحم؟", تأكلها لحما أم تسافر عليها , فقلت :" بل أردتها للحج ", فقال :" استرجعها , ردها فإنها لا تصلح للحج , هذه تصلح للأكل ", فاعترض بائع الناقة , وقال لوافلة :" ماذا أردت بهذا الحديث , أصلحك الله , أردت أن تفسد علي ", فقال وافلة :" لقد سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:" لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بين ما فيه ,ولا يحل لأحد علم ذلك إلا بين ما فيه " " , هذا هو الدين -أيها الإخوة -حتى نعرف أين نقف نحن ؟ و في رواية يقول -صلى الله عليه وسلم - :" لا يحل لاح دان يبيع عيبا إلا بين ما فيه , فان لم يبين , لم يزل في مقت الله , ولم تزل تلعنه الملائكة ", إذا أردت أن تبيع شيئا وفيه عيب , ثم لم تبين, فيقول -صلى الله عليه وسلم - :" لم يزل من فعل ذلك في مقت الله", "لا يبيع أحد عيبا لم يبين ما فيه فانه لم يزال في مقت الله ولا تزال تلعنه الملائكة ", النصيحة في كل مجالات الحياة , و في كل شئون الحياة , عندما يستقر خلق التناصح في المجتمع , وتغدو النصيحة بين أفراده هي الأساس , هذه دلالة على أن المجتمع يتمتع باستقرار, هذا دلالة على حيوية المجتمع و رقيه , وعلى استقامة المجتمع , أما المجتمع الذي يغيب فيه خلق التسامح , أو خلق التناصح , وتغيب فيه النصيحة , هذا معناه أن المجتمع قد وصل الى أسوء مراحله , و اقرأ معي- يا أخي العزيز -قول الله –تعالى- عن المجتمع الإسرائيلي, مجتمع بني إسرائيل , يقول الله تعالى {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ , كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ , تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} , مجتمع فيه العصيان , و فيه العدوانية , ثم لا يتناهون عن منكر فعلوه , أي لا ينصح بعضهم بعضا , فحطت عليهم اللعنة ,هذا مجتمع يكتب على نفسه الخسران , تخيل هذا المجتمع الذي تروج فيه العدوانية والمعصية , ولا ينصح بعضهم بعضا , و في المقابل عندما تكلم عن أمة المسلمين , يقول الله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } , اللهم ألهم كتّابنا وأصحاب أقلامنا وخطباء منابرنا , و ألهم الناس جميعا على أن يقولوا ما يصلح الفساد , و ما يقوم الانحراف , ولا يزيدوا فرقتنا فرقة , ولا انقسامنا انقساما , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فقد قال لي بعضهم: أتؤمن بأن حل مشكلاتنا يكمن في قيام حكومة إسلامية؟ قلت له:" نعم , أنا أؤمن بذلك , أؤمن بأن الحكومة الإسلامية التي تستهدي بهدي الله وسنة نبيه , والتي تستوعب مقاصد التشريع هي تجسد حلا لمشكلاتنا ", وفي التاريخ خير شاهد, قال لي :" فلماذا نرى حكومات كثيرة تصل الى سدة الحكم باسم الإسلام , لكنها لا تجدي فتيلا, فما أضحدت باطلا وما أقامت حقا , ولا سرت صديقا ولا غاضت عدوا ؟! " قلت :" لأن المسألة ليست متروكة للبشر, البشر ليسوا حجة على الله ورسوله , وليسوا حجة على الإسلام نفسه , هناك فرق بين الدين , وبين فعل الإنسان , وينبغي أن ينضبط فعل الإنسان بالدين , لكن قد ينحرف الإنسان , وباسم الدين نفسه , قد ينحرف , إن الله تعالى يقول {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} , إن الله يقول : عندما يقوم الحكم الإسلامي , عندما تقوم الخلافة عن الله ورسوله , فهذه الخلافة معناها أن يعمر الناس الأرض , {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ } الاستخلاف في الأرض معناه اعمار هذه الأرض , وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} وستنتهي مرحلة الخوف, سيعم الأمن , { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} الدين يرسخ ويثبت وتنتشر قيمه وتنتشر مبادئه , اعمار الأرض, ونشر الدين الهداية العقلية والقلبية . من أهم سمات الحكومة التي يريدها الله ويرتضيها الله , والحكومة الإسلامية إنها حكومة عدل و أمن وأن الأمن فيها ينبثق عن العدل, وأنها حكومة لا خوف فيها , ولا قلق , لا تقلق على حقك , إنها حكومة تعرف ماذا يعني كلام أبي بكر الصديق -وهو يخاطب جماهير الأمة- قائلا لها :" القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه , والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له "؟ إن رأيت حاكم يتمتع بما لا يتمتع به المواطنون , فاعلم أنه ليس على رأس حكومة إسلامية, إن رأيت مواطنا في حكومة مسكون بالخوف والرعب فاعلم أنه لا يعيش في ظل حكومة يرضى عنها الله , إن الحكومة التي يرضى عنها الله , و إن الحكومة الإسلامية هي الحكومة التي تحقق العدل والمساواة بين الناس . إن عمر ابن الخطاب في عام الرماد حرم على نفسه طعام لا يأكله المسلمون , فإذا رأيت حاكما يتمتع بما لا يتمتع به سائر المواطنين , فكيف أقول إن هذه حكومة إسلامية . الإسلام حجة على الناس وليس الناس حجة على الإسلام, - أيها الإخوة- أنا أؤمن أن الحكومة الإسلامية هي ضمانة الحل وضمانة حقوق الناس , وندعو إلى ذلك ونجاهد في سبيل ذلك , و نطرح أفكار الإسلام وتاريخ الإسلام وحقائق الإسلام , ولا أريد من أبناء المسلمين أن ييئسوا من التجارب التي تنتسب للإسلام ولا تحقق مقاصده, لا أريد منهم أن ييئسوا و أن يرتدوا إلى الوراء , عليهم أن يواصلوا وعليهم أن يحسنوا عرض الإسلام , وعليهم أن يقولوا ليس هناك من أحد من البشر حجة على دين الله, { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ} , هناك استخلاف وهناك تمكين وهناك تبديل , إننا نصدق الله -سبحانه وتعالى- أنترك قرآن ربنا , ونصدق بنيات الطريق هنا وهناك ؟ إن الله يقول{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} الحكومة في الإسلام عدل و أمن هداية لا جباية كما قال عمر ابن عبد العزيز , عندما بعث من يجمع له الجزية من بعض مناطق أهل الكتاب , فوجدهم قد أسلموا , فهؤلاء خافوا أن يؤثر إسلام هؤلاء على خزينة الدولة فأخذوا الجزية ممن أسلم من أهل الكتاب , وظنوا أن هذا يسر عمر ابن عبد العزيز , يسره جمع المال , عمر ابن عبد العزيز لم يأت حاكما للمال , فغضب وقال لهم:" ويحكم إن الله بعث محمدا هاديا , ولم يبعثه جابيا", حكومة الإسلام حكومة مسئولية عدل و أمن , حقوق الأفراد, حراسة الدين وسياسة الدنيا , إنها حكومة محاسبة , والله تأخذني وتأخذ كل مخلص الغيرة عندما نرى كيف يخصص الغرب ساعات أسبوعية لمحاسبة حكامهم واستجوابهم , في حين في العالم الإسلام لا تعرف الشعوب ولا تستطيع أن تصل إلى حكامها , ما الذي يحدث -أيها الإخوة - إن علينا أن ندرس الإسلام , لا أن نرتد عن الإسلام بناءا على بعض التجارب , أو على بعض الاجتهادات , إن الحكومة الإسلامية تعنى بهداية عقول الناس وبقلوب الناس , وبتوفير الأمن والعدل والحرية والكرامة , وهذا تاريخنا مفتوح , ولقد ألمحت إليكم كيف أن رجل الدولة المميز- عمر ابن الخطاب- حرم على نفسه أن يأكل ما لا يأكل المواطنون , قال :" لا والله لا آكل طعام كذا وكذا والمسلمون لا يأكلونه", فكيف أزعم أنا أن حاكما ما يتمتع بما لا يتمتع به المواطنون, أقول إنه يطبق دين الله , لا أستطيع أن أقول ذلك , و أن السنة لا تقول ذلك , ولا تاريخ الخلفاء الراشدين, يقول ذلك , نحن ندافع عن حكومة إسلامية , ونحن نعمل من أجلها ونقول أنها الحكومة الكفيلة إذا استهدت بهدي الله, وبسنة النبي -صلى الله عليه وسلم – و راقبت ربها في كل خطوة تقوم بها أن تحل مشكلات أهلها , و أن تحل مشكلات المسلمين .
اليوم نفتقد نحن في عالمنا الإسلامي الحكومة الإسلامية التي تجمع المسلمين في صف واحد , والتي تتقدم نحو تحقيق أهداف المسلمين في الوحدة والحرية والاستقلال , وإحراز المعرفة , وتحقيق القوة , نسأل الله –تعالى- أن يهيأ للمسلمين قائدا مؤيدا بنصره وبالمؤمنين , و أن يوحد صفوف المسلمين , و أن يجمع شملهم , و أن يحررنا واقعا ونفسا و أداءا وسلوكا , إن يتشبث بالمصالح و أن نتحرر من هيمنة غرائز الدنيا علينا , إن الحكومة في الإسلام- أيها الإخوة- ليست مغنما , الإسلام لا يعرف استغلال النفوذ , لا يعرف استغلال المنصب , الإسلام يعرف أن الناس جميعا سواسية , إنما المؤمنون إخوة , إن أمير المؤمنين- عمر ابن الخطاب - لم يرض لابنه أن يعمل تاجرا , ولو بماله الحر, حتى لا يستغل نفوذه , عندما رأى جمالا قوية وزاهية اللون , فقال :" لمن هذه الإبل؟", قالوا :" هذه الإبل لابن أمير المؤمنين -عبد الله ابن عمر- ", فاستدعى ابنه أمير المؤمنين , هؤلاء هم قدوتنا , هؤلاء هم نماذجنا , فقال له:" يا عبد الله من أين لك هذه الإبل ؟", قال يا أمير المؤمنين :"اشتريتها بحر مالي ", قال :" نعم اشتريتها بمالك , وتركتها ترعى في مراعي المسلمين , فيقول المسلمين ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين , وسعوا لأبل ابن أمير المؤمنين, فترعى إبلك ولا ترعى إبلهم, ناشدتك الله إلا بعتها يا عبد الله", هل اكتفى بذلك؟ لا لقد باعها عبد الله ثم أخذ المال –عمر- و وضعه في بيت مال المسلمين, هذه نماذج الحكومات الإسلامية, الحكم بما أنزل الله , { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}, {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} فكلنا دعاة للحكم الإسلامي , وتطبيق الإسلام , إنشاء حكومة إسلامية لتحقيق الوحدة الإسلامية , لحمل راية التحرر والاستغلال , والوحدة والتقدم و العلم وإحراز القوة , لكن متحررين من غرائزنا من ولائاتنا , و إن ولائاتنا لله سبحانه وتعالى ولرسوله وللمؤمنين.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.