بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
هناك سوسة تنخر الخشب , و هناك سوسة تنخر الكتب , و هناك جراثيم تغزو الجسم فتفتك بأنسجته وخلاياه , لكن هناك سوسة أخطر من ذلك كله , هذه السوسة تنخر العلاقات الاجتماعية , تفرق بين الأخ وأخيه , و بين الزوج و زوجته , و بين الحبيب و حبيبه , و الصديق و صديقه, سوسة يدفعها الحقد و الغل و الحسد , كل هذه الصفات الذميمة تتوافر في صنف خطير في المجتمع , هذا الصنف قال فيه أحدهم :"إن علموا خيرا كتموه , و إن علموا شرا أذاعوه , و إن لم يعلموا اختلقوه و كذبوا" لا ترتاح ضمائرهم , و لا يهدأ لهم بال , و لا يقر لهم قرار إلا إذا أفسدوا بين الناس , وهم المعنيون بهذا الاسم الشائع ,- النمامون- الذين ينقلون ما سمعوه هنا إلى الآخرين , يسعون بين الناس بالفساد والإفساد , يقطعون أواصر الأخوة بين المؤمنين , القاعدة في المجتمع الإسلامي التي يقوم عليها هي قاعدة الإخوة, { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} , هكذا يقول القرآن الكريم , لكن هؤلاء أخطر من الشيطان, النمام الذي ينقل كلامك إلى الأخر ليوغر صدره و ليملأه بغضا , عندما تعود إلى توجيهات الإسلام -التي للأسف غابت عن كثير منا- و أنا لا أمّل التأكيد على هذه الحقبة من تاريخنا , نقف عند العناوين ونقف عند الأشكال , ونقف عند المظاهر , ظلمنا ديننا وظلمنا أنفسنا , فسرت هذه الأمراض والعاهات في مجتمعاتنا , و نسي كثير من الناس الاشتغال بنفسه, و اشتغل بالآخرين- فكما قلت -هناك من إذا علم خيرا كتمه , و إذا علم شرا أذاعه , و إذا لم يعلم كذب واختلق , بالله عليك هل رأيت شرا من هذا؟ المؤمن نقال للخير , كتام على الشرور والفضائح , المؤمن يتنقل من زهرة إلى زهرة , لكنه ليس كالحشرات المؤذية, هل اقتنعتم -أيها الإخوة - أن هذه السوسة أخطر من سوسة الكتب ,و أخطر من سوسة الخشب ,و أخطر من الجراثيم التي تفتك بجسم الإنسان ؟ إن الله- تعالى- يقول على لسان المؤمنين {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا }, غل وإيمان لا يجتمعان , حقد وإيمان لا يجتمعان , ما الذي يدفع هذا الشيطان وهذا الشرير لأن يسمع منك كلمة , وقد يزيد عليها وقد يضخمها , و وإذا بأخيك الذي تحبه ويحبك وتأنس به ويأنس بك , ويلاقيك وهو منبسط الوجه, منبسط الأسارير , و إذا به ينقبض صدره منك, و لا يحب أن يراك !!, لم ؟ من هذا الشيطان الذي نقل هذه الكلمة الذي سمعها؟ ولو تركها لماتت حيث قيلت , كم من مشكلة سمعتم بها -أيها الإخوة الأعزاء -كانت من وراء مثل هذا الأسلوب المهين, كم مشكلات كثيرة جدا في الأسرة الواحدة , و بين الجيران , و بين الأصدقاء . هذا يذكرني بقول القائل :
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا عني وما سمعوا من صالح دفنوا
أين صلاتك؟ أين صومك؟ أين تلاوتك للقرآن؟ يا من لا يهدأ لك بال إلا إذا بلغت طرفا من الأطراف ما قيل فيه , مما يوغر صدره , و مما يبغضه في أخيه , ويبغض أخاه فيه –أيضا- {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }, هذا الذي ذكره القرآن على لسان المؤمنين في دعائهم وفي مناجاتهم لله, ونبينا -صلى الله عليه وسلم- عندما يلخص صفات المسلم في أمرين اثنين :" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ", سمعت؟ الأمر لا يحتاج إلى فلسفة , و لا إلى بسط ألسنة و لا إلى كلام كثير, المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده , لسانك هذا ينبغي أن تتقي الله فيه , و حدد القرآن الكريم الدوائر التي ينبغي أن تكون فيها حاضرا , دوائر ثلاث , قال الله تعالى {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } , هذه الدوائر هي التي ينبغي أن توجد فيها , أن تكون فيها , إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر فيما أقامك؟ في أي دائرة أنت ؟ في دائرة الصدقة و الحث عليها ؟ في دائرة المعروف ونشر الأفكار الايجابية , والقيم المستقيمة ؟ أو في دائرة الإصلاح بين الناس ؟ أم أنك مرابط في دائرة الإفساد بين الناس؟ لا يجوز ذلك , هذا لا يتفق مع قيم الإيمان , {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} ولطالما قلنا و أعدنا القول , في أن هذه العبادات هي عناوين للإسلام , لكن مضامين الإسلام أمور تتجاوز هذا الشكل الذي نحن فيه, ما معنى أن تصلي وتصوم ثم يكون شغلك الشاغل الإفساد بين الناس , نقل ما يغيض وما يوغر الصدور, ألا ترون -أيها الأعزاء -؟ أنا أريد أن أسألكم هذا السؤال , ألا ترون أحيانا بعض الناس نائمين في دوائر الحق , لكنهم مستيقظون في دوائر الباطل؟ ينامون عندما تتعلق المسألة بالحق , تتعلق المسألة بقيم الخير, لا تسمع لهم همسا , لكنهم يتحركون جيئة وذهابا في دوائر الشر , هذه نماذج نلمسها بأطرافنا في المجتمع , و نراها مجسمة, لماذا لم يزوج فلان ابنته لفلان ؟ لأنه بلغته كلمة من شيطان رجيم عن فلان , ولم يحقق فيها الأخ , لماذا لا يكلم فلان فلانا , وقد كان صديقا له؟ لأن الشيطان الرجيم بلغه أن فلانا قال عنه كذا وكذا , أليس كذلك ؟ لكن ابحث عن فلان هذا, أين هو في دوائر الخير ؟ أين هو في دوائر الإصلاح بين الناس, أو الصدقة أو المعروف ؟ لا تسمعوا لهذا الصنف الخطير - أيها الإخوة -لا تسمعوا له ,انهروه كما تنهرون المؤذي من الكائنات الأخرى , ازجروه ,لا تسمعوا له , لا تشجعوه , قل له أنت حتى لو كنت صادقا, فأنت نمام, انظر كيف يحذر القرآن الكريم جماعة المسلمين من الاستماع لهذا الصنف الخطير , الذي ينبث بين الناس , لا دور له إلا نقل الشر طوبى لمن أجريت الخير على يديه والويل لمن أجريت الشر على يديه
يقول الله تعالى { لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } , خبالا أي فسادا على فساد , و لأوضعوا أي أسرعوا السير و هذا تعبير مجازي كناية عن حركتهم السريعة في نقل هذه المعلومات المؤذية , {ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } ولذلك نجد ديننا وكتاب ربنا قد حمل حملة كبيرة على الإفساد والمفسدين , يكفي في ذلك قول الله تعالى{ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }, استيقظ -يا أخي – استيقظوا- أيها المسلمون - لابد أن نطهر مجتمعاتنا و أن نطهر جبهتنا الداخلية , ونحن نرجو رحمة الله , و نرنوا إلى ربنا راجين أن يمنحنا النصر , و أن نحقق أهدافنا , لابد أن نغير علاقتنا بالإسلام , علاقتنا الباهتة المريبة , لابد أن نجسد هذه الأخلاق التي تحررنا وتطهرنا , { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} يكفي أن المفسد في قائمة المكروهين من قبل الله , لكن الناس لا يأبهون بذلك- للأسف - لأن الحجب على قلوبهم كثيفة , لو قيل له أن مديرك في المؤسسة يكرهك , لما نام الليل , و لو وسط الناس جميعا حتى يقنعه أنه ليس كما يظن , و أنه يحبه و أنه يكن له كل تقدير , و أن كذا وكذا وكذا ...لكن هذا الشيطان المفسد الذي أفسد قلب فلان فكره صاحبه , أفسد قلب فلان فعادى أخاه , أفسد قلب فلان فطلق ابنته من زوجها ....إلى آخره . ما هذا الوباء ؟ فلنقل الخير أو فلنصمت -كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-- {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } , ربما ظن بعض الناس , أو ربما ظن -للأسف -كثير من المتدينين أن هذه الآيات تتعلق بالحكام , في ظل التفسير السياسي للإسلام فقط , إذا تكلم القرآن عن الفساد فهو للحكام فحسب, إذا تكلم عن من لم يحكم بما أنزل الله فهم الحكام , أما أنا وأنت فلا دخل لنا , لا , هذا كلام غير صحيح , عندما يقول الله تعالى {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } , هذا عام , في الفاسد الأكبر الذي يتمثل في -مثلا -الفساد الإداري أو الفساد السياسي أو الفساد المالي -الذي سنتكلم عنه بإذن الله في لقاءات قادمة قليلة -, لكن- أيضا - يشملك ويشملني, {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } لكن لا أدري لماذا يستهين الناس بمثل هذه المسائل ؟, والقرآن الكريم سجل أن الناس إما بدوافع النفاق , و إما بدوافع الغفلة والذهول عن حقائق الدين يستهينون بمثل هذه الجرائم , لا يستهينون فقط , بل قد يفسد ويعتقد أنه يصلح {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ , أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } , في أمر له علاقة بما نتحدث عنه, و هو حديث الافك ورمي السيدة عائشة -رضوان الله عليها- يقول تعالى {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } , هل لاحظت التعبير القرآني - إذ تلقونه بألسنتكم- ؟, والتلقي بماذا يكون ؟ التلقي يكون بالأذن, لكن القرآن قال بألسنتكم , في إشارة إلى هؤلاء الشياطين , أن الكلام يقع على ألسنتهم قبل أن يقع في آذانهم , ويسعون في الأرض فسادا, يسعون بالنميمة بين الناس , ولذلك جاء التحذير الشديد من هذه الصفة , وساقها القرآن من ضمن أخلاق مركبة , اسمع ماذا يقول القرآن الكريم {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ , هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ , مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ , عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} , صفات مركب بعضها إلى بعض , صورة عجيبة جدا , حلاف: كثير الحلف , مهين: حقير , هماز: عياب , وينبغي أن تستدل على من يكثر من الحديث على عيوب الناس , أن تستدل بذلك على عيوبه هو , هناك من يبسط لسانه في عيوب الناس {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}, لكن لاحظ معي , فكرة خطرت على بالي , أن النمام شخص جبان , فاقد الرجولة , شخص مريض , تخيلات في ذهنه لا أول لها ولا آخر , و خطير يقوم بقطع العلاقات والأواصر بين الناس, ما ضرك يا أخي لو ابتلعت هذه الكلمة التي سمعتها , ما ضرك لو دستها بقدميك حيث سمعتها , و تكلمت عن أخيك أجمل الكلام, ما يضرك –أيها الشيطان- ؟ لا يرتاح لك الضمير حتى تفسد, شخصية النمام شخصية خطيرة ومريضة , و هو شخص فاقد لرجولته , هذا الخاطر جاءني -وأنا اقرأ القرآن الكريم - القرآن عندما تكلم عن الرجال الذين يوجدون في دوائر الحق , وصفهم بالرجولة {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ }ولم يكتف أن يقول : وقال مؤمن , ولو قال بذلك لأدى المعنى , {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} هذه واحدة , ثم قال في سورة أخرى {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى }, رجال في دوائر الحق يستيقظون , و ينامون عن الباطل , لا كهؤلاء المرضى والخطيرين الذين ينامون عن الحق , ويستيقظون في الباطل, { وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ , { وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } , { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} , { يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ }, رجال مشغولون بذكر الله , أما عندما تكلم عن الحقير النمام , { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ} لم يقل و لا تطع كل رجل حلاف, سمعت ؟ لأنه فاقد الرجولة {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ , هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ , مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}.
-أيها الإخوة - إن واجبنا أن نطهر أنفسنا من هذه العاهات و أن نتصدى لهذا الصنف الخطير من الناس , و إني أوجه نداءا إليهم أن يصلحوا ما أفسدوا كل من يحس أنه نقل كلمة وترتب عليها شر وقطيعة , عليه أن يراجع نفسه , و أن يتقي الله , عليه أن يسأل نفسه , كم من كلمة خير نقلتها ؟كم من هداية رسختها؟ كم من نصيحة بذلتها؟ كم من حق دعوته ؟ ويجيب نفسه بنفسه , عليه أن يستحي, و أن يخجل عندما يجد أنه ناشط محموم في دوائر الشر , و أنه عاجز كسول في دوائر الخير والحق , أقول قول هذا و أستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فمنذ زهاء قرن من الزمان أو أكثر , والمفكرون المسلمون والعلماء والمعنيون بشئون الأمة يشغلهم سؤال مهم, لماذا تأخر العرب والمسلمون , وتقدم غيرهم ؟ وعندما تعقد مقارنة بين العرب والمسلمين من جانب , وبين الآخرين من جانب آخر على مستوى السلطة وكيف يتم الوصول لها, تجد أن القوم قد اتفقوا على قوانين تمكنهم من تداول السلطة دون سفك دماء. في حين أن العرب والمسلمين لا يعرفون هذا التقليد –ربما - يصل إلى السلطة بغير دم, بظرف من الظروف , لكنه يتشبث بها, لو نظرت أيضا إلى وحدتهم وتفرقنا, كيف يتحد أعدائنا ؟ من اغتصبوا حقنا ونتفرق نحن , وليس هذا حتى على مستوى الأمة كأمة , انظر إلى هذه التجربة المريرة التي نعيشها نحن , تجربة الانقسام , أصبحنا إقليمين , إقليم هنا وإقليم هناك , و كل إقليم فيه بلاياه, انظر إلى القانون في التاريخ الإسلامي , أن الرومي الذي بعثه هرقل ليتجسس على صفوف المسلمين ليعرف سر قوتهم , وسر صمودهم أمام جحافل الرومان , رجع إلى هرقل , فقال له هرقل :" كيف وجدتهم ؟" , فقال :" لو سرق فيهم ابن ملكهم لأقاموا عليه الحد ", هذا السؤال موجه لكم , و لقادة الفكر والسياسة والإعلام , من الذي يحاسب ابن الملك عندما يخطئ , نحن أم هم ؟ الجواب معروف , و أنتم أعرف مني بهذا الكلام, كان سر انتصارنا هذا المستوى الأخلاقي , يقول الجندي الجاسوس الروماني لقائده:" لو سرق ابن ملكهم لأقاموا عليه الحد", لكن تبدلت الأحوال , و هناك طبعا السؤال الذي بدأته , لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟ طرحت أسباب كثيرة أسباب لها علاقة بالذات , ولها علاقة بالموضوع , و أسباب لها علاقة بالثقافة , لكن أمامنا تجارب مثلا للوحدة الأوروبيون – مثلا- لغاتهم متعددة , ومذاهبهم الدينية متعددة , و استطاعوا أن يتفقوا على شكل من أشكال الوحدة , أنا أقول هناك أسباب كثيرة , لكن هناك سبب نوه إليه المربون المسلمون , هذا السبب له علاقة بالعشق المجنون للزعامة أو السلطة , على كل حال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام , فإذا وضعنا الإسلام جانبا, أو رفعناه شعارا فقط حرمنا الثمرة المرجوة من وراء هذا الإسلام , من وراء التطبيق الحسن , لأننا في حقيقة الأمر جانبناه , أبعدناه عنا , أو اتخذناه شعارا فقط نتغطى به , لكننا نخالفه في كل شئون حياتنا, بعد ذلك مرت قضيتنا الخاصة قضية فلسطين بحملة من التضليل , التضليل الذي يقوم به أعداؤنا , لكن يسهم فيه بنو جلدتنا من كل حدب وصوب , متى كانت غزة -أيها الإخوة- جوهر الصراع ؟ متى كانت غزة جوهر القضية ؟ إن احتلال غزة عندما تم قبل أكثر من أربعين عاما, إنما كان يمثل تداعيات القضية الأصلية , وليس هو القضية , إن القضية أساسا -قضية الأرض السليبة من رأس الناقورة حتى حدود غزة قبل احتلالها- لكن لماذا تتحول اليوم غزة لتحتل مكانة فلسطين؟ لصالح من هذا الكلام ؟ لصالح من ؟ الكفاح المسلح, إطلاق النار على العدو بهدف تحرير فلسطين , بدأ قبل احتلال غزة في النصف الثاني من الستينيات -مثلا - وكان الهدف تحرير فلسطين من البحر إلى النهر- كما يقولون -ثم احتلت غزة بعد ذلك , لم تكن هي, و أنا طبعا لا أهون من غزة , و لا أهون من قيمتها , و لكن هذا رأي مواطن عادي يرقب الأمور , أنا أكاد أقول عندما أسمع هذا الحديث المتكرر , و لا أسمع حديثا موازيا لمعالم القضية كلها من تحرير واستقلال وقدس ومقدسات , يخيل إليك كما لو كانت غزة خلقت من سنين فقط , مع أنها محتلة منذ أكثر من أربعين سنة , على كل حال , لابد أن نعرف أولوياتنا , هناك حصار , هناك انقسام , هناك احتلال , هل نحن القطاع حرر -كما يقول البعض مثلا - إذا كان والله القطاع غير محتل , فلماذا اعترض الإسرائيليون السفن التي جاءت للتضامن معنا ؟ أنا أعرف -كما قلت في الجمعة السابقة - إنهم أعداء لنا , وإنهم لا يبيتون لنا الخير , لكن لابد أن نتصارح -أيها الأعزاء- هناك فرق بين اللغة والواقع, أنت باللغة بالأصوات بالحروف تستطيع أن تقول ما تريد , وتستطيع أن تحرر فلسطين الآن , لكن الواقع شيء آخر , لا علاقة له باللغة , فمهما قلت هناك -أيها الإخوة- هناك نذر مؤامرة خطيرة على هذه القضية المقدسة , فكرة الدولة , و هي فكرة في نظري خطيرة , و جاءت في سياق التضليل , و الآن البرامج تقاربت , لكن هناك من يقول لا نحن لا نؤمن بحل الدولتين , نؤمن بحل الدولة , ما الفرق ؟ الفرق إننا نؤمن بحل الدولة على أرض 67 دون الاعتراف بالآخرين , لكن إذا أقمنا دولتنا العتيدة على أرض 67 نعرض ذلك -فكرة الاعتراف - في استفتاء, وهل يستفتى على قضايا ثابتة ومبادئ ؟ ثم إذا انسحب الإسرائيليون تماما من أرض 67 هذا الانسحاب , بما سيكون ؟ بمفاوضات أم بمقاومة ؟ لا أعتقد أنه عند القائمين بهذا الرأي أن الانسحاب سيكون بمفاوضات , وإنما سيكون بمقاومة , فإذا كان الانسحاب سيتم بعد مقاومة وكفاح وجهاد , فما ضرورة الاستفتاء ؟ وما ضرورة التفكير بالاعتراف بإسرائيل أساسا ؟ على كل حال نريد أن نرتب شئوننا , نريد أن نراجع أنفسنا- أيها الإخوة - , نريد أن نوحد صفوفنا , والله أنا اقدر جهود المتضامنين معنا , والذين يرفعون هذه الشعارات والذين يحملون هم غزة والذين يريدون فك الحصار عن غزة , كل ذلك شيء جيد , وشيء مقبول , لكننا نريد أن يضموا إلى الدعوة إلى فك الحصار والى غزة أن يضموا إلى هذه الدعوة فكرة إنهاء الانقسام المرير, الذي شتت شملنا و و سّود وجهنا للأسف الشديد , و تراجعت أهدافنا الكبيرة في ظله إلى الوراء مراحل طويلة.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.