بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
المسلم يحسن ظنه بالله, ولا ينبغي أن يتعاظمه ذنبه أمام رحمة الله, فالله- سبحانه وتعالى- لا يؤذه ذنب من ذنوب عبيده, كيف وهو يناديهم -سبحانه وتعالى-؟ {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } , هذا نداء ودود من الله -سبحانه -لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم , ومن منا بلا ذنب ؟ ومن منا بلا خطيئة ؟ -رغم ذلك -يظل المسلم محسنا ظنه في الله , والحديث القدسي :"أنا عند حسن ظن عبدي بي ", والله- سبحانه وتعالى -يفتح الأبواب أمامنا كي يمحو زلاتنا, وكي ننهض من عثراتنا { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } , هو يعلم ما ركب فينا من ضعف , وإننا بطبيعتنا ننزع نحو الخطيئة , لكن الرحمن الرحيم يفتح الأبواب مشرعة أمامنا لنواصل السير نحو وجهه الكريم {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } , فلا ينبغي أن ينوء المسلم تحت وطأة الذنب ,أو تسود الدنيا أمام ناظريه وله رب رحيم ودود يناديه , ويؤكد له{ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }, وينسب إلى الإمام الشافعي قوله -وهو يناجي ربه – قائلا:" ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي , ضاقت السبل , من يغفر لك من الناس؟ من؟ ", هل يغفر الناس بعضهم لبعض ؟لكن الله -سبحانه وتعالى -يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل , ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } , شمر وانفض الغبار عن قلبك نحو الرحمن الرحيم , نحو الله, لا تستمرئ البقاء حيث وقعت , و اعلم -كما قلت -أن ربك لا يؤذه ذنب, فالشافعي ينادي ربه ويقول :
لما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي نحو عفوك سلما
الرجاء في الله لا ينبغي أن ينقطع, المؤمن بطبيعته راج لله -سبحانه وتعالى- {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } , {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } , لا تقل أنا وأنا وأنا , فإن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي من عليك {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً }, لما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قارنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
لابد أن نتأمل هذه الأفاق التي فتحها الله- سبحانه وتعالى -أمامنا , لنجدد أنفسنا , لنمحو زلاتنا , لننهض من عثراتنا , لننفض الغبار عن أرواحنا وقلوبنا وأنفسنا .وفي الحكم الشهيرة لابن عطاء الله السكندري -رضوان الله عليه -يقول :"الرجل الصالح لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله , فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه ",عندما تعرف ربك بأسمائه وصفاته ماذا يكون ذنبك {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً } , ربنا رحمن رحيم , ينبغي أن نواصل السير نحو وجهه- سبحانه وتعالى-, ذكرت كتب التفسير رواية جميلة ولطيفة جدا عن عمر ابن الخطاب , تقول هذه الرواية :"كان رجل من أهل الشام ذو بأس , يزور عمر ابن الخطاب بين الفينة والفينة , يفد على عمر -رضوان الله عليه- فانقطع عنه , فسأل عنه عمر , وقال لمن حوله :"ما بال فلان؟ ما أخباره ؟, قالوا يا أمير المؤمنين :"انه تتابع في هذا الشراب (أي غرق في السكر, في شرب الخمر) إنه تتابع في هذا الشراب , فأمر عمر كاتبه أن يحضر , وقال له :"اكتب من عمر ابن الخطاب إلى فلان ابن فلان , سلام الله عليك , إني أحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ""وانتهت الرسالة وهي- كما ترون- رسالة الإشارة فيها أوضح من العبارة , أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب , وأرسل الرسالة ثم التفت إلى من حوله , وقال لهم:" ادعوا لأخيكم أن يقبل بقلبه وأن يتوب الله عليه", فلما بلغ الرجل الكتاب جعل يقرأه ويردده , و يقول :"غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب, قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي", وما زال يكررها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع ",أي اقلع عن الخطأ الذي كان يقارفه ,فلما بلغ عمر أنه تاب ونزع قال عمر للناس حوله :"هكذا فاصنعوا ,إذا رأيتم أخا لكم زل زلة ",هذه مناهج في التربية, في السلوك ,في الأخلاق ,هذا تراث عظيم عظيم, يحتاج إلى كواهل رجال تحمله وتنطلق به إلى العالمين ,لتبشر بهذا الدين العظيم ,قال عمر عندما بلغه أن الرجل تاب وتأثر بمجرد تدبر الآية ,قال عمر :"هكذا فاصنعوا إذا زل أخ لكم زلة ,فسددوه انصحوه ,و وثقوه أي لا تجعلوه يجد الثقة في نفسه , لا تثريب ولا تعييب ولا تشهير ولا فضائح ,- ثم أكمل -وادعوا الله له ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه ",هل هناك أجمل من هذا الكلام ؟وأجمل من هذا العلاج لأمراضنا ؟هناك مقنطون يقنطون الناس من رحمة الله ,هناك من يتمنى أن يهلك الناس حيث زلت أقدامهم ,الإسلام أمر آخر ,الإسلام يريد أن ينقل الناس من الضلال إلى الهدى ,والآن يثبت عليهم الأخطاء ,واخرج الإمام مالك في موطئه ,أن عيسى -عليه السلام- كان يقول :"ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ,وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد, فإنما الناس معافى ومبتلى ,فاحمدوا الله على العافية, وارحموا أهل البلاء ", نظرت في نفسك فوجدتها على خير فاحمد الله على ذلك ,لا تتطاول على خلق الله ولا تغتر الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ }, نريد يقظة قلوب -أيها الإخوة -نريد أن نغسل أرواحنا بذكر الله والتوبة والاستغفار والاستقامة على نهج الإسلام ,لا تنظروا في نفوس الناس كأنكم أرباب معصومون , لا خطأ لكم , وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد ,فإنما الناس معافى ومبتلى, فاحمدوا الله على العافية ,و ارحموا أهل البلاء , و أخرج الإمام مسلم -رحمه الله -أن النبي- صلى الله عليه وسلم -حدث :أن رجلا قال -يبدو كما يحدث هناك- من يكون في خدمته في الدين كالدبة التي قتلت صاحبها , تأخذهم الغيرة على الدين وهم يسيئون إلى الدين من حيث لا يشعرون , أخرج الإمام مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم -حدث :"أن رجلا قال :والله لا يغفر الله لفلان من كثرة أخطاءه وذنوبه ,( ألا يحدث هذا أحيانا ) والله لا يغفر الله لفلان , فقال الله تعالى:" من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان, قد غفرت له وأحبطت عملك ", من هذا الذي يتطاول ؟من الذي يتطاول على عبادي الضعفاء المساكين الذين ابتلوا بهذا الخطأ ؟ من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان ؟قد غفرت له وأحبطت عملك , هناك من يظن أنه بعبادته , بإقامته للفرائض قد ملك خزائن رحمة الله , وقد ملك مفاتيح أبواب الجنة , فهو يقذف بهذا إلى الجنة , ويقذف بهذا إلى النار, أأنت ديان الناس , أنت الذي تحاسبهم , هذا كبرياء واعتزاز ربما يحبط العمل -كما رأينا- قال :"والله قد غفرت له وأحبطت عملك ". وابن عطاء الله السكندري -أيضا -له حكمة عظيمة في ذلك , يقول -اسمع يا أخي -, اسمع ,هذا اللقاء اليتيم هو النافذة الوحيدة التي نطل من خلالها على الإسلام ,وعلى تراث الإسلام , وعلى توجيهات الإسلام , ينبغي أن تستعد أنفسنا وأرواحنا وعقولنا إلى مثل هذا اللقاء اليتيم , فيما نقضي أوقاتنا أيها الإخوة , أنتم أعلم وأنتم أدرى, ينبغي أن نستعد, ينبغي أن نوطن أنفسنا على حب هذا الدين وعلى حب هذا الإسلام , وعلى تأكيد الانتماء إليه وعلى دراسته , وعلى ترويض النفس وتهذيبها وتنقيتها من الآفات , انظر بين الفينة والفينة , كم فيك من الآفات يا أخي ؟ واعلم أنك تعامل ربا رحيما , انزع إلى الله كما نزع ذلك الرجل الذي تتابع في الشراب ورحمه الله, قال:" رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبار ",كيف هذا الكلام ؟ما هذه الطاعة التي تورث الاستكبار والتعالي على الناس ؟هذه ليست طاعة في حقيقة الأمر , هذه معصية , وأما الذي ابتلي بالمعصية فحسن الانكسار أمام الله وتابع استغفاره وتذلـله لله , وتابع قوله بين يدي الله, اللهم اغفر لي , اللهم ارحمني ,اللهم تب علي ,اللهم حل بينني وبين معاصيك , هذا هو التدين ,عندما يغل وينكسر لله ,عندما تحس بالافتقار إليه -سبحانه وتعالى- , وان ليس هناك من ينقذك مما أنت فيه إلا هو, رب معصية أورثت ذلا وانكسار خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا , وذكرت كتب السنة أيضا حديثا عجيبا , يقول فيه- صلوات الله وسلامه عليه- كان في الأمم السابقة رجلان متآخيين , وكان أحدهما مجتهدا في العبادة , وكان الأخر مقصرا يفعل الذنوب ,فكلما مر المجتهد في العبادة على أخيه المذنب , وهو على الذنب , يقول له:" اقصر, اترك هذا الذنب", فيبقى على ذنبه, حتى مر عليه ذات يوم, فقال له, وجده على ذنب ,وقال له :"اقصر", فمل منه المذنب ,وقال له :"خلني وربي ,أبعثت علي رقيبا؟" ,فقال له أخوه :"والله لا يغفر الله لك , أو لا يدخلك الجنة ", فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين , فقال الله لهذا المجتهد :"أكنت بي عالما ؟أم كنت على ما في يدي قادرا؟ أنت أحطت علما بإرادتي ؟ وأنت أقدر مني في التعامل مع عبادي ؟ أكنت بي عالما ؟أم كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب :"اذهب فادخل الجنة برحمتي", وقال لهذا المجتهد :"اذهبوا به إلى النار " , و الله- سبحانه وتعالى- فعال لما يريد , وأنت قد تتساءل لماذا هذا الجزاء الشديد للذي تألى على الله؟ أو لهذا الذي في ظاهره الغيرة على الدين, لقد نبهتكم ذات يوم إلى خطورة الأخطاء التي تتغلف بغلاف ديني , الذي يزني يعرف أن هذه معصية , الذي يشرب الخمر يعرف أن هذه معصية , ويفعلها وهو مستح منها , و إن وفقه الله تاب منها بإرادته ,وتاب منها وحده , و إن لم يهتدي وحده سخر الله له من ينبهه, ويقول له لا يجوز لك أن تفعل ذلك, هذه أخطاء مكشوفة وواضحة , إنما الخطورة في هذه الأخطاء التي تتغلف بغلاف الدين , لاحظت إن الأخطاء التي ذكرناها والتي أودت بأصحابها إلى النار, قد أخذت مظهر الحرص على الدين, والله لا يغفر الله لفلان ,من أنت ؟هل بيدك مفاتيح الجنة والنار؟ والله لا يدخل فلان الجنة , ولذلك علق أبو هريرة راوي الحديث على الحديث بقوله" والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته " , ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ,أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فالمسلمون محتاجون إلى أن يصالح بعضهم بعضا , و أن يغادروا المجاملات فضلا عن الخداع والأكاذيب , والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول :"أن الراعي لا يكذب أهله ",نحن نحتاج -أيها الإخوة -إلى الحقيقة فيما بيننا ,أن نعرف الحقيقة , الحق, الكذب يملأ الدنيا, لاحظ -يا أخي العزيز -أن أكثر كلمة تتردد في وسائل الإعلام والصحف , وعلى ألسنة المتحدثين والناطقين الرسميين والإعلاميين والزعماء السياسيين , ربما كانت كلمة- السلام - , الكل يتحدث عن السلام, العرب يتحدثون عن السلام ,والأمريكان يتحدثون عن السلام , والأمم المتحدة تتكلم عن السلام , وإسرائيل تتحدث عن السلام , فلماذا لا يتحقق السلام ؟, لأن الحديث حديث كذب ,ولو كان حديثا صادقا لتحقق, هل هناك كلمة أكثر من كلمة السلام ترددا في الواقع الدولي والعالمي؟ وصار هذا الزخرف ,زخرف الكذب إلى عالمنا الإسلام ,نريد الحقيقة -أيها الناس- نريد أن يصارح بعضنا بعضا , نريد أجواء من الحرية تجعلنا نتحدث بصراحة وبشجاعة ,ولا نخاف الاتهام ولا نخاف العقوبة ,ولا نخاف التضييق من أن نتكلم , خطر ببالي خاطر , قلت :"لو أردت أن أدلل على كلامي عن مزايا الإسلام ومحاسنه , الإسلام فيه الحديث عن الشورى , و فيه الحديث عن العدالة , و فيه الحديث عن الحرية , و فيه الحديث عن الكرامة , رأيت أن واقع المسلمين لا يسعفنا أن نتحدث عن تطبيقات نفاخر بها في دنيا الناس وأمامهم , حتى نتكلم عن تطبيقات لهذه المبادئ العظيمة: الشورى والعدل والإحسان والحرية والكرامة , لابد أن نبحر في التاريخ , لنلتقي بعمر ابن الخطاب -رضوان الله عليه- ,إما واقعنا فإننا لا نستطيع للأسف الشديد, لا نستطيع , تستطيع أن تدلني أين الشورى في عالم المسلمين؟ أين العدل في عالم المسلمين ؟العدل بمعنى المساواة؟ بمعنى أن تنال حقك غير متعتع , دلني على ذلك ", عندما ارجع إلى تاريخ عمر وتاريخ الإسلام الوضيء والمضيء , أجد أن المسلمين عندما انتصروا وعندما انتشروا شرقا وغربا لم يكن ذلك الانتصار تحيزا ولا محاباة , ولم يكن ذلك الانتصار بمجرد شعارات رفعت, وإنما كانت المعارف قبل أن تكون قعقعة سلاح ,كانت معارك مبادئ العدل والإحسان والشورى وحرية الشعوب والكرامة مع المسلمين ,ومبادئ الظلم والاستبداد والفساد مع الآخرين ,انظر جانبا صغيرا من جوانب سياسة أو الأجندة السياسيين, أو البرنامج السياسي لسيدنا عمر ابن الخطاب ,مسألة صغيرة جدا , ولك أن تتخيل الأمور الأخرى , أن عمر كان يقول لولاته:" لا تضربوا الناس فتذلوهم ,ولا تجيعوهم فتكفروهم ", هذا كلام بسيط لكن دلالات عظيمة , دولة كبرى ترفض رفضا تاما إذلال البشر ,لاحظ لا تضربوا الناس فتذلوهم ,إياكم أن تمارسوا ممارسة تؤدي إلى إذلال البشر, هذا كان برنامج أمير المؤمنين -رضوان الله عليه- حتى أتكلم عن الإسلام , بايعاز وعن تطبيقاته العظيمة, أنا لابد أن أبحر إلى هناك, لكن لماذا لا نطبق الإسلام نحن -أيها الإخوة-؟ لا تضربوا الناس فتذلوهم ,ولا تجيعوهم فتكفروهم ,لابد من توفير الكرامة , ولابد من توفير الضرورات الأساسية للبشر, الجوع يقود إلى الكفر, اللهم إني أعوذ من الكفر والفقر , فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ,المسلمون أخطئوا في حق أنفسهم, وفي حق دينهم, لم يستفيدوا من عبرة التاريخ, ولا من عبرة الواقع ,ولا من عبرة القرآن ,فذهلوا عن شروط نهضتهم ,وعن أسباب قوتهم, وعن سر انتصاراتهم ,أين وحدة المسلمين؟ أين وحدتهم؟ نحن في عالم لا يأبه بالجهلاء ولا بالضعفاء ,لماذا صنعت إسرائيل القوة والمعرفة ؟ونحن لا نجيد إلا فن التجزئة والتفرقة ؟ في القدرة على افتعال المشكلات وجلب غمامات الماضي لتظلل شمس الحاضر ؟نحن أمهر الناس في ذلك ,لماذا هم يجمعون المتجزئ ونحن نجزئ المتجمع ؟لماذا -أيها الناس -هكذا قال القرآن هكذا ,قال وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ , وعن تجربة معركة أحد قال حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ , التاريخ يؤكد أن المسلمين ضربوا ,وسلط عليهم عدوا عندما أحبوا أنفسهم, وقدموا مصالحهم على مصالح الدين وعلى مصالح الأمة ,أقرأ تاريخ الأندلس ,كيف دخل المسلمون الأندلس خلائف وكيف خرجوا منها طرائف ؟اقرؤوا- أيها الناس -المصائب التي أصابتنا من وعد بلفور إلى يومنا هذا, لم ترقق لنا قلبا ,ما زلنا قساة ,وما زلنا ندور حول ذواتنا, أنا أقول ليس في قوة إسرائيل, إنما في ضعفنا ,نحن كلكم تابعتم مسيرة المتضامنين ,هل يعقل -يا أخي العزيز – أن يأتي المتضامنون من العالم كله , ثم في الوقت الذي يستقبل فيه العرب أحد جزاري إسرائيل ,كان هناك وزير إسرائيلي مشهور بسفك الدماء ,تستقبله دولة ,أنا قرأت عدة مرات أنها من محور الممانعة ,وتستقبل وزير إسرائيلي, في الوقت التي تسفك فيه دماء الذين جاؤوا ليتضامنوا معنا ,هذا شيء فوق التصور ,أنا لست في حاجة إلى من يقنعني أن الإسرائيليين مجرمي حرب وإنهم مصاصو دماء ,وأنه ينبغي أن يقدموا لكل محاكم الإنس والجن ,لست في حاجة إلى من يقنعني ,لكن بشجاعة وصراحة هل سفك الإسرائيليون دماء أحد أكثر مما سفك العرب ؟واترك الجواب لكم.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.