بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

يقول الله تعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ , اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} , الحقيقة , الناس عندما يطول بهم العهد والأمد تقس منهم القلوب , وعندما يبتعدون عن ينابيعهم الأصلية, يفتقدون بعض الأخلاق والخصائص التي كان ينبغي أن يتحلوا بها,  -وكما- قال احدهم : اختلاف النهار والليل ينسي , ولذلك يحثنا الله –تعالى- في هذه الآية الكريمة على مراجعة أنفسنا بين الفينة والفينة , ألم يأن : أي ألم يحن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم بعد هذه القسوة لذكر الله وما نزل من الحق , ويحذرنا أن نكون كأمة سابقة طال عليها الأمد فقست قلوبها , وانكمشت أخلاقها , وتاهت عن رسالتها , فيحذرنا القرآن الكريم من كل ذلك,  ويقول أن الفرصة أمامكم , وكما أن الله يحيي الأرض بعد جفافها وبعد ما أصابها القحط يحييها بماء السماء , فإن الله قادر على إحياء هذه القلوب إذا رجعت إليه صادقة مخلصة, نحن سنحاول أن نتلمس بعض الأخلاق التي غابت عن حياتنا , من خلال متابعة المواجهة التي تمت بين الرجل المؤمن وبين آل فرعون , كما تحدثت عن ذلك سورة غافر , من خلال هذه المواجهة بين هذا الرجل المؤمن وبين فرعون ومؤسسته, نحاول أن نتلمس هذه الأخلاق الإيمانية المهمة ,والتي غابت عنا في هذه الأيام العجاف ,لكن لا بأس  قبل ذلك أن نتكلم ولو بإيجاز عن ملامح البيئة التي واجهها هذا الرجل المؤمن ,لنعرف طبيعة المهمة التي قام بها , هو واجه بيئة جاحدة مستكبرة {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ , إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} , وهم يعرفون صدق موسى -عليه السلام-,  بيئة جاحدة مستكبرة حتى أن موسى -عليه السلام- عندما واجهه فرعون ومن معه بالعنف {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} والله- سبحانه وتعالى- أشار إلى الدافع الحقيقي لكفر فرعون وجحوده في مواجهة موسى -في سورة النمل- حيث قال {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }فكان الدافع الاستكبار , إذا هي بيئة جاحدة ومستكبرة , وجاء هذا الرجل حتى تعرف المهمة الفدائية الضخمة التي قام بها هذا المؤمن, ليجسد لنا أخلاق الإيمان في مواجهة الجاهليات ومواجهة الطواغيت والفراعنة , هذا جانب , وجانب أخر يكشف عن ملامح هذه البيئة أنها بيئة إرهابية لا تعرف إلا القتل وسفك الدماء  {فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ , وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} , فهي بيئة جاحدة ومستكبرة ,وبيئة إرهابية لا تعرف إلا القتل وسفك الدماء , ثم ماذا ؟ هي بيئة استبدادية لا تعرف إلا الرأي الواحد , انظر فرعون في مواجهة هذا المؤمن , يقول{ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ , الطاغية لا يرى إلا رأيه , من له رأي مع الطاغية , من له رأي مع المستبد, بيئة مستبدة , كذلك الاستبداد دائما يفرخ آفات أخرى. من الآفات التي يفرخها الاستبداد , الكذب- مثلا- لا تجد مستبدا إلا كذابا , عندما قال فرعو ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} , هل كان فرعون صادقا ؟ ألا ترون ملامح الزعيم المستبد الكاذب الذي يحاول أن يظهر أنه يتبنى قضايا الأمة وقضايا الشعب وهو يكذب عليهم , هو الذي يهمه إلوهيته , أن يبقى كبرياءه وطاغوتيته وعنفوانه ولا يهمه واقع الناس  في حقيقة الأمر, لكنه يكذب فهي بيئة استبدادية , وتكذب وتستخف بعقول الناس كما جاء في القرآن في موضع آخر عن فرعون {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ } , هذه البيئة بهذه الملامح , وجاءها هذا الرجل المؤمن , بيئة جاحدة إرهابية سفاكة للدماء , مستخفة بالناس تكذب عليهم , فما الذي يتبدى لنا من الأخلاق الضائعة في حياتنا ؟ من خلال حوار هذا الرجل المؤمن مع هذه المؤسسة التي رأينا بعض ملامحها, أول ما يتبدى لنا من الأخلاق الضائعة الايجابية والشجاعة , لأن المؤمن بطبيعته شخص ايجابي يفعل الخير , ولو لم يؤمر أو يكلف به , لماذا تنتظر حتى يكلفك الآخرون؟ لماذا أنه عندما علم هذا الرجل أن نبي الله, أن الرسالة الإسلامية ,إن موسى عليه السلام في خطر تقدم رغم أنه كان يكتم إيمانه , ففهم أنه يجوز له أن يكتم إيمانه لينجو بنفسه ,لكن إذا وصل الخطر إلى أصل الرسالة فلا جدوى من الكتمان , لابد أن يواجه, وفي الحديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم-:" إن أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر",  وفي رواية أخرى أن " سيد الشهداء حمزة ثم رجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه, فقتله ", الايجابية والشجاعة ولذلك أنا ركزت في حديثي عن الأخلاق الضائعة في حياتنا , إن أكثرنا -أيها الإخوة- سلبي لا يريد أن يتدخل في كذا وكذا, لكن المؤمن بطبيعته ايجابي , ايجابية هذا الرجل دفعته للمواجهة مع هذه المؤسسة العنيفة الدموية , مع هذا الحاكم الغشاش, والنبي -صلى الله عليه وسلم -يقول :"ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه رائحة الجنة" , حاكم غشاش , يتكلم أمام الناس بكلام , وهو في واقع الأمر في واد آخر لا علاقة له بهذا الكلام الذي يقوله , إذا أول ما يتبدى لنا من هذه الأخلاق الايجابية , المؤمن ايجابي بطبيعته , والمؤمن شجاع بطبيعته{ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ }, هذه شجاعة , أن يواجه حاكما متألها , وهذه ايجابية أن يتصدى دون تكليف كذلك,  وأرجو أن ننتبه جميعا عندما تقرأ قول الله -تعالى -, وقال رجل مؤمن , لم يسكت القرآن , لم يقل وقال رجل مؤمن أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله, وإنما أبرز أنه من آل فرعون ,وقال رجل مؤمن من آل فرعون , ماذا يعني هذا ؟ يعني هذا أن الشخصية المؤمنة ليست شخصية منقادة ,إنها تتمرد على بيئتها الاجتماعية ,وعلى بيئتها السياسية إذا رأتها أخطأت , المؤمن لا يغمض عينيه وينقاد, المؤمن لا يغض عن أخطاء قبيلته أو حزبه أو مؤسسته أو بيئته الاجتماعية أو السياسية , هذا التعبير له أهميته , هذا الرجل من آل فرعون , لكنه لم يرض عن الخطأ , لم يرض عن المؤامرة , عندما رأى مؤامرة تحاك ضد نبي الله , بيئة خطيرة جدا , بيئة تقتل الأنبياء , ومع هذا لم يستسلم, لم ينقد , ونستطيع إذا أن نضع أيدينا على خصلة أخرى من خصال المؤمنين , التحرر الفكري , عدم الانقياد بجوار الايجابية , والشجاعة , المؤمن لا يكون منقادا , وإنما -كما نعرف - , و-كما ذكرنا مرارا - يعرف الرجال بالحق , ولا يعرف الحق بالرجال , نعم هو من آل فرعون,  لكنه لم يستسلم لهم , نعم أنت في حزب , أنت في قبيلة , أنت في مؤسسة , هل تغمض عينيك ؟هل تغضي عما يفعله الرئيس أو المسئول أو الزعيم ؟هل تقول كما قال الشاعر القديم؟ : وهل أنا إلا من غزية إن غوت                   غويت وان ترشد غزية أرشد   لا إن الإسلام لا يرضى بذلك , لا يرضى الإسلام أن تكون إمعة ,لا يرضى وأنا والله أستاء كثيرا عندما أرى أبناء الأحزاب يسيرون كأنما هم قطيع, لم يرض هذا المؤمن أن يكون  أو أن يسير في دائرته سير القطيع , وإنما واجه هذا المتأله{ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ }, واجههم عندما رأى المؤامرة , هل تشارك في مؤامرة ؟هل تغضي على مؤامرة ؟هل تغض الطرف على خطأ ؟ هل تقول وأنا مالي؟ لا دخل لي؟  أنا إن فعلت كذا وكذا يحدث لي كذا وكذا , لا هذه هي الأخلاق الضائعة في حياتنا -يا سادة- وهذه المواجهة في سورة غافر بين هذا المؤمن الايجابي الشجاع المتحرر من الانقياد , هذه المواجهة تردنا إلى هذه الأخلاق العظيمة التي فقدناها, من آل فرعون إنه من الدائرة نفسها , لكنه لم يستسلم لتقاليدها , لم يسلم لهم , لم يغضي لهم أو عنهم , لم يغض الطرف عما يرى من جرائم وإنما نهض وثار,  كذلك يتبدى لنا خلق آخر إن المؤمن مدجج بالدليل والبرهان , والمنطق المتماسك أنه لا يسوق الناس بالعصا والتهديد والإدانة والاتهام, لا انظر {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ }, انظروا إما أن تقبلوا وإما أن ترفضوا , فلماذا تفكرون في قتله وقد جاءكم بالبينات والأدلة والبراهين{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ} السلطان المبين , الحجة ادرسوا حججه , ادرسوا براهينه , ادرسوا أدلته{ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} انظر إلى المنطق الاستدلالي , انظر إلى التنازل إلى مستوى الخصم , انظر إلى هذه الافتراضات التي يسوقها وهو يعلم أن الحق كل الحق مع موسى , وأن فرعون مبطل من قدميه إلى رأسه , لكنه يحاور ويفترض الافتراضات , ويتنازل في محاورته إلى خصمه{ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} ماذا يهمك أنت{ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} استدلالي الشخصية المؤمنة ايجابية شجاعة غير منقادة للحزب أو القبيلة أو الدائرة أو البيئة السياسية أو الاجتماعية , -أيضا- شخصية استدلالية برهانية تقدم بين يدي ما تقول الدليل والبرهان, {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} , وبعد ذلك ماذا نلمح -أيها الإخوة- من خلال المواجهة من أخلاق ضائعة بعد الايجابية والشجاعة والتحرر والمنطق , نجد- أيضا -أن الشخصية الايجابية شخصية مثقفة , وشخصية تترقى في مدارج المعرفة والعلوم, دائما استهداء بقول الله تعالى{ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً , وبقوله تعالى{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }, في استدلال الرجل المؤمن على فرعون , ومن معه يذكرهم بالتاريخ , لديه ثقافة تاريخية ودينية , يذكرهم بالتاريخ , يذكرهم بتجارب الشعوب الأخرى { يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ , مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ , وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ , يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ , وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } , إذن يذكرهم بتجارب الشعوب نوح وعاد وثمود والأحزاب , ويذكرهم بموقفهم من يوسف عليه السلام, إذن بجوار منطقيته وقدرته الاستدلالية والبرهانية , المؤمن شخصية مثقفة , يتحرك من واقع العلم والمعرفة والانفتاح على شتى الثقافات , ليس لديه عقدة من ثقافة ما , إنما هو مستجيب لقول الله- تعالى- الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه, كذلك نجد خلقا آخر من أخلاق المسلمين  والدعاة ولعله أكثر الأخلاق ضياعا أو غيابا, نجد أن الرجل في حديثه وفي مواجهته مفعم بالحب لقومه ,لا يتشفى منهم ,لا يرجمهم بالكلام القارص ,مفعم بالحب لهم والرحمة بهم والخوف عليهم , اسمع وهو يقول{ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا} ألا يلفت نظرك كيف أجمل نفسه معهم؟ لم يقل لهم فمن ينصركم من بأس الله إن جاءكم , فمن ينصرنا , أنا معكم , أنا يهمني أمركم , أنا منكم واليكم , أنا لست مستعليا عليكم , أنا أخاف عليكم , أنا حريص عليكم , وهذا هو الداعية الصادق الذي يحمل في قلبه الحب لأهله وعشيرته , يتحرك داعيا بينهم وهو مفعم وممتلئ بالحب والحرص عليهم ثم يقول{ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ , يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ }, وهكذا لابد أن نرجع إلى القصة في القرآن الكريم لنتلمس من خلالها الأخلاق الضائعة في حياتنا , الايجابية الشجاعة التحرر من قيود البيئة الاجتماعية والسياسية والحزبية والقبلية المنطق المتماسك الثقافة الحب والحرص على هداية الناس وإيصال الخير لهم أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 

 فرغم العداء والحروب التي كانت بين الروم والمسلمين , إلا أن عمرو بن العاص لم يجد غضاضة في أن يذكر بعض ايجابيات الرومان خصومه , وأعداءه الذين يحاربهم -كما قلت -ليس لدينا كمسلمين عقدة من الثقافة أو من الانفتاح على شتى الثقافات , لسنا معقدين من أحد , هكذا ينبغي أن نكون , فتكلم عن الروم ذات مرة -عمرو ابن العاص -فذكر كلاما بديعا قال : أنهم كما أخرج ذلك الإمام مسلم , قال : أنهم أحلم الناس عند فتنة , وإنهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة , وإنهم أوشك الناس كرة بعد فرة , وإنهم أرحم الناس بأرملة ويتيم ومسكين,  ثم قال : و أمنعهم من ظلم الملوك ", لا ينقادون لظلم الملوك,  صفات رائعة ذكرها عمرو عن خصومه الروم , وكان الروم والفرس- أيضا- يرقبون أخلاق المسلمين ليعرفوا هل يتقدم المسلمون نحو الانتصار, أم أنهم يتقهقرون ؟ في معركة اليرموك , بعث القائد الروماني جاسوسا إلى صفوف المسلمين ليعرف مسلك هؤلاء الناس , فلما عاد إليه الجاسوس , قال له:" كيف وجدتهم ؟", قال :" وجدتهم رهبان في الليل, فرسان في النهار , يقيمون الليل ويقرؤون القرآن ويتهجدون ويتوجهون إلى الله بالدعاء والاستغفار , وفي النهار مقاتلون شرسون",  قال:" ثم ماذا؟", قال :"ووجدتهم لو سرق فيهم ابن ملكهم لأقاموا عليه الحد", المساواة وعدم المحاباة , القانون , فقال:" لأن صدقت ليملكن موضع قدمي هاتين ", هذا الشيء الذي يخيف الأعداء, عندما تكون جبهة قائمة على القانون وعلى العدالة , لا ظلم , لا تشفي من الآخرين , لا انتقام,  فقال:" لأن صدقت ليملكن موضع قدمي هاتين ", هؤلاء يسيرون في طريق الانتصار, وفي معركة القادسية عندما أطل يزدجرد -قائد الفرس - وأخذ ينظر إلى صفوف المسلمين فوجدها منظمة , وأدرك أن هناك قيادة حكيمة تشرف على هؤلاء الناس , كعهد عمر -رضوان الله عليه- ماذا قال يزدجرد ؟ وهذا علق على هذا النظام , قال:" أكل عمر كبدي , لقد علم الكلاب (العرب) الآداب والنظام",  الأمة منظمة , و أذكر أن هناك كتابا مهما لمن يريد أن يقرأ" حصوننا مهددة من داخلها " لمفكر عربي كبير الدكتور- محمد محمد حسين -كتاب اسمه :" حصوننا مهددة من داخلها",  و أحد أبرز شعراء هذا العصر وهو يعلق على هزيمة 67 يقول :

 ما دخل اليهود من حدودنا                              تسربوا كالنمل من عيوبنا

       كل هذه المقدمة حتى بين يدي حديثي عن محاكمة رئيس وزراء الأعداء بشبهة رشاوة تلقاها يوم كان رئيسا لبلدية القدس , بالله عليك أخي العزيز,  بالله عليكم أيها المسلمون  في كل مكان , في العالم,  وفق السنن الإلهية , هل ينصر الله المرتشون على من يحاكم المرتشي ؟ ألسنا أتباع النبي الذي قال:" لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما"؟, ألسنا أتباع القرآن الذي قال{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ }؟, من الذي يحيي هذه المعاني ؟من يتستر على المجرمين والمرتشين ؟ومن يحاكم المرتشين ولو كانوا عظماؤهم ولو كانوا رؤساؤهم؟ قدموا لهم المحاكمات ,ربما ظن بعض محترفي السياسة أن هذا مظهر من مظاهر الأزمة, ومن مظاهر المشكلات الداخلية , ربما , لكن أنا لا أتكلم بالسياسة ,أنا أتكلم بالجانب الأخلاقي والثقافي, إنهم يحاكمون المرتشين , ولو كانوا رؤساؤهم وفق السنن الإلهية , النظام يهزم الفوضى , النظافة تهزم القذارة , ولو كان النظام أو النظافة في دائرة الكفر , ولو كانت القذارة في دائرة تنتسب إلى الإسلام , النظام يهزم الفوضى , النظافة تهزم القذارة, الأخلاق تهزم الفوضى الأخلاقية , نحن -أيها الأعزاء- ما زال بيننا وبين أخلاق الانتصار للأسف أقولها والله , والله إني أحب التفاؤل وأكره التشاؤم وأكره المتشائمين ونحن أحوج الناس إلى التفاؤل في هذه المرحلة , لكن لا ينبغي أن يخفي بعضنا عن بعض الحقيقة ,لا ينبغي أن نتجاهل أمراضنا هناك , تهالك على الشهرة لدينا , تهالك على الشهرة , هناك غرور يحجب عنا رؤية أعدائنا بالشكل الصحيح , غرور يضخم محامدنا , ويطوي مسالبنا , في معركة حنين , يقول القرآن الكريم{ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً }في حالة من الغرور , ونحن منقسمون وضعفاء , -وكما تعرفون- تهالك على الشهرة , غرور , المناصب -أيها الإخوة- المناصب نتعامل معها بشكل غريب جدا لا علاقة له بالإسلام ولا بواقع الناس , المناصب بالمناسبة لا تصنع العباقرة والعظماء , الغبي غبي مهما بلغ , المنصب لا يحوله إلى عبقري أو ذكي , إنما المناصب كانت تستغل في عالمنا العربي والإسلامي , هل تستغل في خدمة الناس وتحسس آلامهم ؟ أم أنها تستغل للمصالح الذاتية والتشفي والانتقام من الآخرين؟  ما زال عندنا في عالمنا العربي والإسلامي الحاكم ذاته مقدسة لا تمس , وليس لدينا أحد معصوم {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} , هناك أخلاق انتصار لابد أن نسعى لإحرازها , وللتحلي بها , الشجاعة ,العدالة ,الصدق ,النظام ,النظافة ,لابد أن نخرج من شرنقة هذا الإحباط والقنوط الذي نعيشه , علينا أن نبدأ نحن كأفراد وكجماهير وكشعب , علينا أن نتحرر من عقدة الخوف , إن الحكام الذين ابتلي بهم المسلمون في أعصارهم الأخيرة , زرعوا في قلوب الناس عقدة الخوف , ومارسوا قمعا تأدب به اللاحق بعد السابق , أرادوا أن يشردوا الناس بعضهم ببعض , لا , لا خير فيكم إن لم تقولوها, ولا خير فينا إن لم نقبلها, يجب أن نتحرر من التهالك على الظهور والبروز والزعامة , وأن نقدم مصالح ديننا ومصالح وطننا , المنصب يجب أن يعرف الجالس في ديوانه وراء مكتبه أنه خادم للناس , وإذا تصرف على نحو آخر فهو لص ومرتبه حرام , هو خادم عليه أن يتصرف بهذه الروحية , هكذا علمنا الإسلام والقرآن.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.