بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

يقول الله تعالى { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} , هذه هي معالم السلوك الاجتماعي للمسلم, الأمر بالصدقة, الانحياز للمستضعفين والفقراء وأهل الحاجة , والأمر بالمعروف , والإصلاح بين الناس , مقاومة الفساد الاجتماعي , من ظلم ومن منكرات وانحرافات هنا وهناك , هذه معالم السلوك الاجتماعي الذي ينبغي أن يسلكه المسلم , و أن يتسم به , فالإسلام يكره السلبية , و يكره أصحاب النفس البارد  تجاه قضايا شعوبهم , أو هموم مجتمعهم,  الذي لا يأبه إلا بما يهمه , هذا سلبي , ولذلك نجد أن الإسلام يعمق قيم الخير والايجابية والمبادرة إلى الفعل في نفوس المسلمين , لا سلبية في الإسلام , فالإسلام يريد من يبني , لا من يهدم, ويريد من يفعل , لا من يقول فقط , و يريد من يشعل الشموع , لا من يلعن الظلام فحسب , الإسلام يدفع أتباعه لفعل الخير والمبادرة به , ويعتبر أولئك السلبيين عبئا على دين الله, انظر ماذا يقول القرآن الكريم ؟ يقول {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ , الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ , وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} , يمنع ما ينتفع به الناس , يقف حجر عثرة , كزازته وبخله وشحه يحكمه, لا يبسط يده بالعون للآخرين , ماذا تغني صلاته ؟! {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ , الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ , وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} عن معانيها و دلالتها , تتحول صلاته إلى عملية آلية يغلب عليها الرياء والمبالاة ؟ أو أنه ألقى عن كاهله هذه الفريضة , العبادات الاجتماعية مهمة جدا في دين الله , وهذه العبادات التي نقوم بها من ذكر وصلاة فرائض أو نوافل , لتخلق في داخلنا الدافعية للفعل والبناء , والثقة في النفس , والموقف الايجابي تجاه العالم  وتجاه الناس . انظر إلى قول الله- تعالى - وهو يتكلم حتى في حالة العداوة بيننا وبين الآخرين , إنه يترك مجالا للمودة , فيقول سبحانه وتعالى {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , يتجاوز عن ذنوب عباه إن تابوا , وهو قدير يغير القلوب من قلوب مشحونة بالعداوة إلى قلوب طافحة بالحب , المسلم شخصية ايجابية تجاه هذا العالم الذي يعيش فيه , لا يتحرك بشعور السلبية والكراهية والأنانية , وإنما يتحرك بشعور طافح من الحرص على هداية الناس , ومن الحرص على إيصال الخير لهم {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ , هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ , مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} , لا يمكن أن يجتمع تدين مع صفات سلبية بهذا المستوى,  والصلاة تغدو-كما قلت- عملية آلية لا تقدم ولا تأخر , ولما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له:"  يا رسول الله, من أحب الناس إلى الله؟",  فقال -صلوات الله وسلامه عليه -:"أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس , و أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم,  تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا , ولأن أمشي في حاجة أخي, أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا",  أي في مسجد المدينة الذي يضاعف فيه الثواب وتضاعف فيه الأجور , هذا هو الموقف الايجابي , المبادرة إلى فعل الخير, الإسلام يحث أصحابه على العمل والمثابرة إلى الرمق الأخير , ولعلكم تحفظون الحديث الرائع الذي يقول فيه- صلى الله عليه وسلم -:" إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة , فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها",  إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ( فسيلة يعني شتلة أو نخلة صغيرة ) و استطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة ,يبادر الساعة و يسارع و يسابق الساعة , فليغرس هذه النخلة , هذا دين عظيم وفي غاية الروعة لو أن أهله يتدبرونه ويحسنون الانتساب إليه .في توجيهات الإسلام جميعا يصنع هذه الروح الايجابية , الروح المبادرة لفعل الخير,  المحبة للناس , المتحسسة لآلامهم, انظر إلى صلاة الجماعة اليومية , إن الإسلام يحشد الناس كل يوم خمس مرات , لماذا ؟ حتى يأتي أحدهم آخر الناس عند إقامة الصلاة ثم ينسحب أولهم , ولا يسأل عن مريض غائب , ولا يكترث بدرس علم ولا يهمه جاهل!!! ماذا أثرت فيه صلاة الجماعة؟!! لا شيء,  هو يتحرك بنفس تجاري وانتهازي , هو سمع أن ثواب الجماعة أكثر من ثواب الصلاة الفردية , ولذلك هو يأتي ليحصل الدرجات فقط , لكنه غافل عن دلالات صلاة الجماعة,  إن الإسلام يريد أن يفجر في داخلك الروح الجماعية , حتى لا تكون أنانيا , و حتى لا تكون سلبيا , فما قيمة من يأتي متسللا إلى المسجد آخر الناس عند إقامة الصلاة , ثم إن انتهت الصلاة انسحب فورا أول الناس ؟ ما قيمة ذلك ؟ لا قيمة لذلك,  الشخصية السلبية شخصية مقيتة , عبء على هذا الدين وعلى هذا الإسلام , الإسلام عندما يخرج الناس من بيوتهم في اليوم خمس مرات , إنما يريد من هذا المجتمع أن تبقى عيونهم مفتحة على كل قضاياه , فنعرف من خلال هذه التجمعات اليومية الخائن من الأمين , الصادق من الكاذب , الغاش من الناصح , عندئذ لن نحتاج لو أحيينا هذه السنة الإسلامية , لن نحتاج إلى أن يرشح أحد نفسه , لأن الناس وحدهم من خلال هذا الاختلاط اليومي سيعرفون الصادق من الكاذب , لن نحتاج إلى أوراق تعلق ولا إلى دعايات انتخابية , لكننا أعنا أعدائنا على تجويف وتفريغ الإسلام من داخله , كل شيء عندنا شكل لا جوهر له , عنوان لا محتوى له , صلاة الجماعة لا نتدبرها , العلم شعار, السياسة شعار , لا- أيها الإخوة- إن الإسلام يريد منا أن نغلغل أبصارنا إلى المضامين , يريد منك الإسلام- أيضا- أن تكون عواطفك ومشاعرك عواطف نبيلة وممتدة , تشمل كل ما حولك ومن حولك , إن النبي- صلى الله عليه وسلم- في أدعيته المأثورة يقول:"  اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك , فمنك وحدك , لا شريك لك , فلك الحمد ولك الشكر ", ما معنى هذا الكلام ؟ إن النبي- صلى الله عليه وسلم- يعلمنا أن نحمد الله ونشكره كل صباح , لكن لا نقف في حمد الله وشكره عند النعم التي من الله بها علينا فحسب , بل إننا ينبغي أن نشكر الله على النعم التي  آتاها الآخرين , آتاها غيرنا ," اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك " , ليس علي فحسب , هذا ما قصدته بالعاطفة الممتدة النبيلة الشاملة ,  أنا أحمد الله و أشكره على النعمة التي أسبغها الله عليك , هذا ديننا , هذه معالم السلوك الاجتماعي -كما قلت- في دين الله, وكان النبي- صلى الله عليه وسلم -ينظر إلى جبل أحد , ويقول :" هذا جبل نحبه ويحبنا",  المسلم جملة من المشاعر الايجابية الودودة , تتحرك على الأرض , يحب الناس , يحب الخير لهم , يحب هدايتهم , يحذرنا الإسلام من الآفات الاجتماعية والنفسية التي تفعل فعل السموم , " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل , وأعوذ بك من الجبن والبخل , و أعوذ بك من الهم والحزن,  وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ", كم آفة استعاذ النبي منها وعلمنا أن نستعيذ بالله منها,  ثمانية , نعوذ بك من العجز والكسل , استعن بالله ولا تعجز , إن الإسلام يكره الانتظار , ماذا تنتظر ؟ إن الفلك لا ينتظرك , إن الشمس لا تنتظرك , و إن الوقت لا ينتظرك , ماذا تنتظر؟  نظريات الانتظار والبلاهة , نعوذ بك من العجز والكسل.

 تقفون والفلك المسخر دائر                               وتقدرون وتضحك الأقدار

  الإسلام عاطفة -كما قلت- ممتدة , يحب الخير لكل الناس , لا سلبية ولا أنانية , ولقد عبر أحدهم عن هذا الموقف الإنساني الرائع والجميل , وهو يقول :

   ولو أني حببت الخلد منفردا                                     لما أحببت بالخلد انفرادا

   فلا هطلت علي ولا بأرضي                                  سحائب ليست تنتظم البلاد

 لو أنني منحت الجنة وحدي , لن أكون راضيا , إنني أحب الناس, 

ولو أني حببت الخلد منفردا                                     لما أحببت بالخلد انفرادا

   فلا هطلت علي ولا بأرضي                                  سحائب ليست تنتظم البلاد

إن الغيث والمطر الذي لا يعم الجميع لا أحبه , هذه عواطف المسلمين , ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك, عندما يجلس المسلم بعد صلاة الصبح , ليناجي ربه بهذه المعاني الجميلة , " اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك" لا غل ولا حسد ولا بغي ولا كراهية ولا حقد , هذا ما نعني به بأن الشخصية الإسلامية شخصية ايجابية , وشخصية صاحبة مشاعر نبيلة تجاه العالم وتجاه الآخرين , والمسلم -كما قلت- يبني ولا يهدم , يفعل كثيرا ويقول قليلا , ولا يتناقض قوله مع فعله ,    {لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ}  , ولعل هذه المعاني –أيضا- صورها شاعرنا العربي القديم , وهو يتكلم عن علاقته مع قومه , انظر إلى هذه الصورة النبيلة يقول :

و إن الذي بيني وبين بني أبي                          وبين بني عمي لمختلف جدا

 فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم                      وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

 و إن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم                  وإن هووا غيري هويت لهم رشدا

و إن تتابع لي غنى لهم جل مالي                    إن تتابع لي غني و إن قل مالي لم أكلفهم رفدا

عندما أغنى فأنا أبسط يدي إليهم , وإن افتقرت فلا أمد يدي لعطائهم,  شخصية نبيلة,  المسلم شخصية نبيلة -أيها الإخوة- .من السهل جدا أن يصبح الإنسان شريرا , لكن التحدي كيف تكون إنسانا محترما ؟ كيف تكون إنسانا نبيلا؟  عندما تكون مسلما حقا , عندما تستثير معاني الإسلام

و إن تتابع لي غنى لهم جل مالي                    إن تتابع لي غني و إن قل مالي لم أكلفهم رفدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهم                        وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

  لا حقد ولا كراهية . في السنة النبوية نماذج وأمثلة ضربها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهمية الايجابية لدى المسلم , ولأهمية المشاعر النبيلة والحسنة , انظر ذكرت بعض الأحاديث النبوية قصة امرأتين, امرأة بغي تفعل الفواحش , ترتكب الكبائر لكنها رحمت كلبا به عطش فسقته , فغفر الله لها , وامرأة لم يصفها النبي بشيء من السوء, لكنها حبست هرة فلم تطعمها , دخلت النار , امرأة بغي لديها مشاعر محترمة ونبيلة  دخلت الجنة , وامرأة قاسية القلب مهما كان ابتعادها عن الفواحش الحسية , لكنها قاسية القلب دخلت النار , أنا فكرت قلت هذا الكلام هنا كلب وهناك هرة , فما بالنا  بالأناسي بالبشر؟ امرأة بغي غفر الله لها وتجاوز عن سيئاتها وعن كبائرها لأنها تحرك بروح الرقة والرحمة والعاطفة النبيلة تجاه كائن حي , وامرأة دخلت النار لأنها حبست هرة , ولأنها مارست القسوة ضد هذا الكائن ,إننا لا نأبه به ,  إنه حيوان , إذا كان الإسلام بهذه الحساسية في الرحمة والقسوة مع هذه المخلوقات, فكيف بالإنسان؟  إن الإسلام- أيها الإخوة- يريد منا أن نكون ايجابيين , وأن نكون نبلاء وأن نكون محترمين ومبادرين بالخير. قال -صلى الله عليه وسلم - :" لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث , يلتقيان يعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام",  ما معنى هذا ؟ معناه أن الإسلام يقدر المبادرة , لا تكن سلبيا , إن النبي- صلى الله عليه وسلم -يفتح أمامنا آفاق الخير لنفعله,  إنه يقول -صلى الله عليه وسلم -وانظر إلى هذه المسائل التي تتعلق بالذوق العام , يقول:"  تبسمك في وجه أخيك صدقة ", فلماذا يريد أن يفهمنا بعض الناس أن التكشير والتجهم هي أصل الدين ؟ من أين جئت بهذا؟  من قال لك ؟ إن النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:" تبسمك في وجه أخيك لك صدقة ,وأمرك بالمعروف صدقة, ونهيك عن المنكر صدقة , و إرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة ( رجل تائه أنت تدله على الطريق , وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة ) وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق صدقة ", وبعض الأحاديث ذكرت أن رجلا أيضا نال منزلة عند الله لأنه نحى عرق شوك من الطريق , حتى يعرف -الإخوة الأعزاء- الذين يغلقون الشوارع , وإغلاق الشوارع لا يجوز , لا في أفراح ولا أتراح ولا في مواكب , لأن هذه الشوارع لمصلحة المسلمين , فلا ينبغي لأحد أيا كان أن يعتدي عليهم, من تراثنا الذي نفاخر به أن فقيها كبيرا من فقهاء الشافعية هو -أبو إسحاق الشيرازي- صاحب المهذب في الفقه الشافعي , كان يسير مع تلامذته في الطريق فقابلهم كلب , فأراد أحد التلامذة أن يزجر الكلب , فنهره الفقيه الكبير أبو إسحاق , وقال له :" ألا تعلم أن الطريق بيننا وبينه مشترك ", نحن أبناء حضارة إسلامية قانونية , نحن أبناء دين عظيم يقدر الأمور قدرها , لسنا نبتا شيطانيا , و لسنا هملا على هامش الحياة , ولسنا مجموعة معقدين نفرز عقدنا ومركبات نقصنا من خلال مواقف تتغلف بغلاف الدين , زجره الأستاذ , قال :"لماذا تنهر الكلب ؟ , ألم تعلم أن الطريق بيننا وبينه مشترك ", إن قوانيننا الإسلامية شملت حق الكلاب , وشملت حق القطط , فلماذا تتخلف عن الإنسان؟  أين موقع الإنسان في ثقافاتنا؟  " تبسمك في وجه أخيك صدقة , أمرك بالمعروف صدقة , نهيك عن المنكر صدقة, إرشادك الرجل الضال في أرض الضلال صدقة, إماطتك الأذى عن الطريق صدقة ", وفي أحاديث أخرى تقول:"  وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك لك بها صدقة , وبصرك للرجل رديء البصر صدقة ,( أن تدل من فقد بصره , أن تبصر بدلا عنه ) , والكلمة الطيبة صدقة ", النصيحة -أيها الأخوة -أن تبدأ الآخرين بالنصيحة , لماذا تدع أخاك يتورط ؟ انصحه , بادر , إياك أن تقول وأنا مالي إياك,  إن من حقوق الأخوة أن تبادر أخاك بالنصيحة , أن تبادر إلى ردع الظالم والوقوف في مواجهته , أن تنحاز للمظلوم, أن تنحاز للمستضعف , أن تعلم الجاهل,  أن ترشد التائه , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.  

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

إحراز القوة وصناعتها لحماية الأمة ولردع الظالمين , هذا أمر واجب . لابد منه,  لكن القوة تغدو لا قيمة لها إذا اعتمدنا عليها وحدها فحسب , أنها تتحول إلى سيف في يد مجنون , لا نستطيع عندئذ أن نضع القوة في مواضعها , فلابد من قيم أخرى يبنى عليها المجتمع , وقديما اشتكى المتنبي من أن الخصم هو الحاكم , وأن الحاكم  أأو أن خصمه هو الذي يحكمه, وهو الذي يقضي في أمره , فقال ذلك البيت المعبر:

   يا أعدل الناس إلا في معاملتي                        فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

 مصيبة عندما يكون القضاء في يد خصمك , القضاء في الإسلام لا يستطيع أحد أن يتدخل فيه, لا يملك أحد أن يضغط على القاضي,  وعمر ابن الخطاب عندما أوصى قاضيه أبا موسى الأشعري قال له :" آسي بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك ", ساوي بين الناس في نظراتك بين الخصوم وفي مجلسك وفي عدلك , لماذا ؟ انظر هذه الكلمة التي تكتب بماء من ذهب , "آسي بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك ( بين الملك والحاكم والمواطن العادي , لابد أن يتساويا)  حتى لا يطمع قوي في ظلمك , وحتى لا ييأس ضعيف من عدلك " إن المجتمع والأوضاع التي يطمع فيها الكبراء في ظلم الحكام , أو ييأس فيها الفقراء من عدلهم , هذه مجتمعات خائبة , الأصل في الإسلام أن يكون الجميع على قدم المساواة , لا حصانة لأحد , والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم , أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه , وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ",  لابد أن يتساوى الجميع أمام القضاء , يجب أن تزول من مجتمعاتنا الإسلامية إن أردنا النهضة والانتصار والتغيير , المقاييس الحزبية والذاتية الخاصة , يجب أن تقدم الكفاءة على الثقة , الكفء يتقدم , الكفايات تتقدم , لا ينبغي أن تكون لك مقاييس حزبية أو خاصة أو عشائرية أو قبلية, إن الله تعالى يقول {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }, العدو والموالي والقريب والبعيد, القضاء عنوان الأمم, إذا رأيت أمة القضاء فيها منحرف وظالم فهي منحرفة وظالمة , القضاء عنوان الأمم , و في تاريخنا مواقف نفاخر بها بين الناس , إن أمير المؤمنين- عمر ابن الخطاب -عندما قاضى أحد الصحابة الآخرين , ودخلا على القاضي , فقام القاضي وقال :" هنا يا أمير المؤمنين , هنا يا أمير المؤمنين", فقال له الرجل الكبير المحترم -رجل الدولة المميز عمر- قال :" هذا أول ظلم وقعت فيه , كنيتني ولم تكني خصمي ", نحن إخوة أمام القضاء . جاءت امرأة إلى المأمون تشتكي رجلا اعتدى على أرضها, فقال لها:"  من هذا ؟" , قالت :"هذا الواقف عند رأسك- ابن المأمون- و رفعت صوتها",  فقال رجل من الجالسين عند المأمون :" اخفضي صوتك ", قال :" دعها , لقد أنطقها الحق وأخرسه الباطل ", نريد أن تنطلق ألسنة الجماهير المسلمة بالحق , ونريد أن يخرس أهل الباطل,  يوم أن ينشأ في ديار المسلمين -أيها الإخوة -قضاء لا سلطة لأحد عليه , وإنما يحكم بعدالة الله- سبحانه وتعالى- وبما أنزل الله ولا أحد يعترض طريقه , ويقف أمامه أكبر رأس مع أصغر رأس , عندئذ نكون قد انتصرنا وأحرزنا من القوة ما لا نحرزه في غياب العدل ولو جمعنا وحشدنا آلاف الصواريخ وآلاف الأسلحة.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.