بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
ينبغي أن نفهم ديننا, وأن نقبل عليه , وأن نتقرب إلى الله عن إيمان ويقين و وعي وعلم , هذه أسس الدين , ولذلك سوف نكون في هذا اللقاء مع سورة مباركة من سور القرآن الكريم , الذي ينبغي أن نتدبره و أن نقترب منه , و أن ننفتح عليه عقولا وقلوبا وأرواحا , سورة النحل , ربما كانت من أواخر السور المكية نزولا, ولذلك هي بدأت بقوله تعالى {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } , و كأن هذه البداية إجابة على أسئلة المشركين , أو على تحديات المشركين , وعندما طال الصراع والعراك في مكة, بين المسلمين و بين المشركين, بدأ المشركون يشككون في مقولات الإسلام , يقولون :أين ما توعدنا به محمد من عذاب ؟ أين ما وعد محمد به أصحابه من نصر؟ خلال سنوات مكة , لم يتحقق نصر للمسلمين , ولم يلحق بالكافرين العذاب , و كأنهم كانوا يستبطئون عذاب الله, فكان هذا الرد الحاسم من الله- سبحانه وتعالى – في أوائل السورة {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } وأمر الله سواء أكان يوم القيامة , أم كان الأمر هنا , النصر المرتقب للمسلمين على المشركين , سيان {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } و سورة النحل-أيضا- تجتمع فيها خصائص القرآن المكي , من حديث عن الإلوهية , وأحاديث عن البعث , وحديث عن الوحي , لأن القرآن الذي كان يتنزل في مكة كان معنيا بترسيخ أصول العقيدة في قلوب المؤمنين والمسلمين , و السر في تسمية هذه السورة بهذا الاسم -سورة النحل -هو الحديث في تضاعيفها , والقرآن يتكلم عن نعم الله السابغة , تحدث عن النحل وما يخرج من بطونه من شراب فيه شفاء للناس و مختلف الألوان , يقول الله تعالى {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } , ونحن سنطل إطلالة موجزة على ما تضمنته هذه السورة المباركة , وما اشتملت عليه من عقائد , ومن أخلاق وأسس, نلاحظ أن السورة بدأت بالحديث عن الوحي , فبعد أن قال الله تعالى {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } , قال {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ }, نلاحظ هنا أن القرءان الكريم و أن الله –تعالى- سمى الوحي روحا , {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ } ومعنى أن الوحي روح ,أنه لا حياة للناس ولا حياة للبشر بغير الوحي الإلهي , لا تستقر الحياة ولا يستقر الناس على وجه هذه الأرض , إلا إذا اتبعوا وحي الله , فهو الروح بالنسبة لهم , ولقد جاء هذا الوصف القرءان نفسه في كتاب الله في سورة الشورى عندما يقول الله تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } , عليك أن تتأمل, لماذا سمي الوحي روح ؟ لأن الروح ما به الحياة والبشر لا يحيون الحياة الحقيقية, لا تحيى ضمائرهم ولا تحيى قلوبهم ولا تحيى عقولهم , إلا بالوحي الإلهي , و اليوم لا يوجد على وجه الأرض وحي ينتسب إلى السماء إلا هذا القرءان الكريم , والبشرية كلها مهما بلغت في تقنياتها , ومهما بلغت من انجازاتها هي أحوج ما تكون إلى هذا الوحي , هذا الروح قال تعالى {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } , إذا , الوحي هو الهدى , و لذلك الذين يرفضون الوحي هم في حقيقة الأمر يرفضون الحياة المستقيمة , الذين يرفضون وحي الله , ما هو البديل الذي يقدمونه للناس ؟ إن جنبنا الوحي الإلهي -وهو كما قلت - يتمثل اليوم في القرءان وحده الذي يمتد السند إلى السماء {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ } , بالوحدانية , فالروح هو القرءان , وسمي النور كذلك , إذا البشرية تفقد روحها عندما تقطع علاقتها بالوحي , و بعد ذلك نرى أن هذه السورة عرفت الناس بربهم وبإلههم من خلال دلائل عظمته في الخلق والكون , و من خلال جلائل نعمه , -وأيضا - ذكرت كتب التفسير أن من الأسماء الأخرى لسورة النحل, سورة النعم , لأنها -أيضا - تكلمت عن نعم جليلة أسبغها الله على عباده , و في السورة نفسها يقول تعالى {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ , ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } , يتكلم عن نعم الله- تعالى- وعن خصائص الإنسان , إلى من نلجأ ؟ والى من نتوجه عندما يحيط بنا الضر ؟ وتحيط بنا الأحداث الجسيمة ؟ إلى الله –تعالى-, لا يريدون هذا الوحي , و يريدون أن يعزلوا الإنسان عن روحه , المتمثل في هذا الوحي الإلهي{ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }, فبعد ذلك تتكلم السورة -أيضا -عن دلائل عظمة الله وآياته في هذا الكون , و هذا الحديث يتكرر في القرءان كثيرا , -وكما قلت لكم من قبل - لأن الله -تعالى -أراد أن يكون التفكير والعقل هو مدخل الإيمان, أن ينبني إيماننا على التأمل وعلى التفكير وعلى التدبر {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } , {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } , وكثيرا ما يتحدى القرءان المشركين بهذا الإبداع في هذا الكون , هذا الخلق {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً } , ويقول تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } , ويقول القرآن أيضا في تحد واضح {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ , أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ } , هل هناك من يدعي أنه خلق شيئا في هذا الكون ؟ هو الخالق فهو يعرف عباده بنفسه من خلال دعوتهم إلى أن يتأملوا هذا الكون, ويتأملوا هذا الخلق {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ } , أو لم تتأملوا في مخلوقات الله , في الجبال والأشجار والسماوات والأرض , ثم يتحدث عن خلق الإنسان , هذا الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض يقول تعالى {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } , وتأمل هذه المفارقة العجيبة من نطفة مهينة , و إذا به مجادل طويل اللسان , يجادل في الله , و يجادل في حقائق الكون, و يجادل في اليقينيات القاطعة , خصيم , يخاصم من؟ يخاصم ربه !, يخاصم خالقه!, وهذا المعنى ورد -أيضا -في سور أخرى, لمن يريد أن يتأمل؟ و أن ينفتح على هذا الكتاب العظيم , على هذا الوحي , على هذا الروح , الذي بسواه نحن أموات غير أحياء , مجادل طويل اللسان , يناقش , مغرور و يا ليته استخدم هذه الملكات و هذه المواهب في الدائرة التي هيأها الله له, لكنه يجادل الله , ويخاصم الله, إن قلت له حكم الله كذا , جادلك!, إن قلت له عقيدة الإسلام هكذا, جادلك !, فالقرءان يقول له يا أيها المجادل, أيها المغرور , تأمل مبتدأك , بدايتك , مم خلقتك {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً } , انظر إلى نفسك {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ , وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} , استبعد أن يرجع الإنسان , أو أن يرجع الله الإنسان بعد موته , استبعد ذلك هذا المجادل, هذه صورة من صور الجدل , وهذه صورة من صور الخصومة , و مع ذلك , وهو يتحدث عن خلق الإنسان , ويتحدث عن نشأته , حتى يقطع عليه طريق الغرور , وحتى يقطع عليه طريق الجدل , وحتى يعلمه أن له ربا لابد أن يطيعه و أن يسير على نهجه , يذكره بنعم أخرى أسبغها عليه , لأن نعمة الخلق هذه , نعمة كبيرة , إنها نعمة إيجاد , التي تتلوها نعمة الإمداد , الله أوجدك من عدم, ثم أمدك بالخيرات والنعم , وأمدك بالنعمة الكبرى وهي نعمة العقل لتستثمرها في طريق الهداية لا في طريق الضلال {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ , وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } , كل شيء بعلمه ,كل شيء بمقتضى قدرته -سبحانه وتعالى- {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } , هكذا يعرف الله -سبحانه وتعالى- نفسه لعباده ,وهو يتحدث عن خلقه في هذا الكون , وهو يعرض هذه الدلائل , وهذه الآيات العظيمة المبثوثة في الكون , و هو يحث هذا الإنسان للتفكر والتأمل والتحرر من حالة الجمود , لكن الإنسان بطبيعته جاحد , انظر عندما قال تعالى{ يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ }, وقلنا الروح هو الوحي , ماذا كان موقف الناس من الوحي ؟ إن السورة نفسها تقول {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } , ما موقف الناس من الوحي , فريقان, وتكلمت عنهم سورة النحل {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ } , هذا فريق جاحد منكر ملاحدة سمهم ما شئت , لكنهم في دائرة الجحود, ما هي نهايتهم؟ {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } , وهناك إجابة أخرى , إجابة ذكية , إجابة مؤمنة , إجابة عاقلة {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ } , هذه مواقف الناس من الوحي , هناك ملاحدة لا يريدون أن يكون للوحي دور , يريدون أن يستقلوا بأهوائهم وعقولهم , وعقولهم ليست بديلا عن هذا الوحي ولا تستقل بالهداية { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }, ثم تتكلم السورة عن كثير من النعم التي يتقلب فيها الناس , لكنهم قليلا ما يشكرون ربهم , يقول تعالى {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ , وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ , وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ , وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ , وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} , ولاحظ هذا , خاطب به أولئك الذين كانوا يستخدمون تلك الأدوات , وتلك الوسائل , الخيل والبغال والحمير , لكن في هذا التعبير القرآني , ويخلق ما لا تعلمون , أن لكل زمن أدواته , ولكل زمن وسائله {وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ , هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ , يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ , وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ , وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } , وتخيل لو أننا لا نرى الليل ولا النهار , لا ليل ولا نهار , كيف تكون حياتنا , ولاحظ في قوله تعالى لكم {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ }, مرة يتفكرون , ومرة يعقلون, ثم قال {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } , يذكرون ويتفكرون ويعقلون , نحن أمة القرءان , أمة العقل والتذكر والتفكر , ثم يقول تعالى {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } , هذا خطاب للأمة الإسلامية , الأمة الإسلامية ماذا تعلم –اليوم- عن الشمس والقمر ؟ وعن السماوات والأرض ؟ ماذا تعلم عن البحار والأنهار والجبال ؟ من الذي وضع يده على قوانين المادة في هذا الكون ؟ من ؟ المسلمون ؟ أم أعداء المسلمين ؟ والله تعالى يقول لهم ذلك {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ , وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} , حتى الإحساس بالجمال أعده في سياق النعم , لأن الرؤية, رؤية السفن وهي تمخر البحار كالجبال , هذا تصوير للحظة من الجمال بديعة تجذب البصر {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ , وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ , أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} , هذا هو السؤال الذي يوجه لمن ينكر هداية السماء , ومن ينكر الوحي {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} , والذي لا يحصي النعمة , كيف يشكرها ؟ السماء والأرض , والخلق , الإنسان نفسه , والبحار والأنهار والجبال والرواسي والماء من السماء , والزيتون والنخل والأعناب وكل الثمرات , كل ذلك , لذلك جاء التعقيب القرآني بهذا التعبير الودود {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} , نحن انتقلنا إلى رحمة الله لأننا- نحن- نتمتع بهذه النعم , ولا نقوم بشكرها , فالله -سبحانه وتعالى -يعدنا بأنه يغفر تقصيرنا هذا , {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} بدأَ من الهواء الذي يملأ رئتيك , ومرورا بآلاف النعم التي تحس والتي لا تحس بها , هذا الوجود , هذا المدد الإلهي في كل لحظة من اللحظات , {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} هناك في سورة إبراهيم {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }, وأيضا من مواضيع سورة النحل إنها تكلمت عن أمهات الأخلاق في سورة النحل يقول الله تعالى {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ , وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} , العدل , الإحسان, إيتاء ذي القربى , النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي الظلم , الالتزام بالعهود والعقود , إنها سورة النعم , وسورة الدلائل العظيمة على وحدانية الله , وإنها سورة الأخلاق , وإنها سورة منهج الدعوة إلى الله تعالى , إن القرآن في هذه السورة يخاطب النبي ويقول له {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } , نريد البلاغ المبين , نريد البيان الذكي والواضح , هذه مهمة الدعاة, أن يقيموا الحجة قاطعة لائحة على حاجة البشرية لدين الله, إن الدعاة ليست مهمتهم إصدار الأحكام فحسب , الإدانة والاتهام وما شابه ذلك , لابد أن يقوموا بالبلاغ المبين, بالحجة الواضحة , وفي آخر السورة يقول تعالى {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} , وطريق الدعوة والخطابة والبلاغ المبين قد تواجهه مشكلات كبيرة , مشكلات أنظمة , ومشكلات عقول جامدة , ومشكلات عقول متمردة , لذلك ختم الله تعالى السورة بقوله {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ , إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
بقدر ما يطول عمر آفاتنا النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية , يطول عمر نكبتنا , إن عمر النكبة اثنان وستون سنة , وهذا طويل, إن النبي- صلى الله عليه وسلم -واجه المشركين مواجهة مسلحة وكسر شوكتهم في السنة الثانية للهجرة , عندما ترك مكة , استطاع أن يعبئ الأمة , وأن يعد العدة , و أن يواجه صناديد قريش في السنة الثانية من الهجرة , لكن نكبتنا طالت ووصلت هذا العمر المديد , واسمحوا لي أيضا أن أقول أن نكبات أخرى لا تقل عن هذه النكبة تلتها , لكن بقيت هي جوهر المسألة , وهناك ارتباط ما بين عمر النكبة التي تعرضنا إليها , وما بين عمر الآفات التي نعيشها, آفات الاستبداد , آفات الشهوة المسعورة للتشبث بالسلطة والحكم , و لعلها عادة عربية , تنقلت معنا عبر القرون , يقتل الواحد منهم أباه أو ابنه أو أخاه من أجل هذه السلطة , حتى في تراثنا الصوفي والديني يقولون أن آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرياسة , فكيف بقلوب الشياطين ؟, الكذب , خذوا مثلا , هل رأيتم من يقف أمام الناس ليقول أنا مع الانقسام ؟ كل من نراهم في القنوات وشاشات التلفاز , الكل من القادة والناطقين يقولون إننا ضد الانقسام , إن الانقسام هذا كارثة , إن الانقسام كذا وكذا, جر علينا كذا وكذا , و هو يصب في مصلحة الإسرائيليين , هكذا نسمع , لم نسمع أحدا يقول أنا أؤيد الانقسام , فإذا كنتم جميعا ضد الانقسام , فلماذا يبقى هذا الانقسام , الاستبداد الكذب العشق المجنون للسلطة والحكم , الحكم في تصورنا الإيماني والإسلامي وسيلة وليست غاية{ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} , إني وليت عليكم ولست بخيركم , أطيعوني ما أطعت الله فيكم , فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم , ما زلنا نغيب النقد, لا نحب النقد ,ليست لدينا الشجاعة لمواجهة أخطاءنا والاعتراف بنقاط ضعفنا , قصروا عمر الآفات , يقصر عمر النكبة , إنما وهذه الآفات متجذرة موجودة مثل الاستبداد والكذب والعشق المجنون للسلطة وغياب النقد الذاتي والغرور وحب الذات الأنانية , إن من موروثاتنا الثقافية: أن العدل أساس الملك , وأن الملك يدوم مع العدل , ولو كان العدل كافرا , لا يدوم مع الظلم ولو كان الظلم ينتسب للإسلام والمسلمين, من موروثاتنا الثقافية العدل أساس الملك , والظلم مؤذن بالخراب , قصروا عمر الآفات في داخل مجتمعنا , نقوا العقول من التعصب والحزبية , نقوا الألسنة من الكذب , نقوا القلوب من الغرور , وحب الذات , اقبلوا الثقافة الانفتاح والنقد الذاتي والحوار فيما بين أبناء الأمة الواحدة ,عودوا إلى مفاهيم أئمتنا العظام, عندما كانوا يقولون :رأيي الصواب يحتمل الخطأ , و رأيي خطأ يحتمل الصواب , لقد قيل لأبي حنيفة -الإمام الأعظم رحمه الله- هل ما تقوله هو الحق الذي لا مرية فيه ؟ قال : والله ما أدري, فلعله الباطل الذي لا ريب فيه , هذا أحسن ما قدرت عليه , و من جاءنا بأحسن منه اتبعناه , هذه هي ثقافتنا ومواريثنا الثقافية .من أيام برئت محكمة إسرائيلية , برئت المناضل الكبير الشيخ رائد صلاح , لو مثل الشيخ رائد صلاح بالحيثيات التي وجهت إليه في هذه المحكمة الإسرائيلية , في أي محكمة تنتسب العروبة أو الإسلام , هل تبرأ ساحته, إنه عربي وفلسطيني ومسلم ومعارض , يقدم لمحاكمة إسرائيلية وتحكم عليه بالبراءة , التهم الموجهة له غير صحيحة , هل سمعتم بمن برئ في محكمة تنسب للعالم العربي أو الإسلامي , وأنا أنزه بالله سمعي وبصري وقلبي وضميري من أن يأتيني أحدهم ويقول لي هذا مديح للإسرائيليين , لا يا أخي , هذا ليس مديحا للإسرائيليين , هذا توصيف للواقع الفاسد في أمتنا , إننا نحن الأمة التي نزل عليها قول الله تعالى {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }, من الذي يعدل مع الخصم ومع الموالي ومع المعادي مع الخصم ومع الصديق من نحن الذين ارثينا دعائم هذه المفاهيم فما الذي أصابنا أيها الإخوة فلماذا يعدلون هم ولا نعدل نحن إن الله يقول{ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ }, أين الشورى في ديار المسلمين ؟ شعارات تكتب , إن القرآن يقول اقرأ باسم ربك , يقول نون والقلم وما يسطرون , من الذي قرأ وفجر كل مستويات العلم والمعرفة والثقافة , وما زال كثير من المسلمين يلوكون كلاما لا يسمن ولا يغني من جوع , و العالم سبقهم بمراحل ومراحل -أيها الأعزاء- . ذكرى النكبة ليست مناسبة لمزيد من اللطم والشعارات والتنافس في الحشود , إن ذكرى النكبة مناسبة حقيقية للمحاسبة والمراجعة , أين أخطأنا ؟أين أصبنا؟ ماذا نفكر للمستقبل ؟أين نحن سائرون ؟ ولا أتكلم عن العرب والمسلمين , بل أتكلم عن الفلسطينيين , أين نحن سائرون ؟ما هي الأفاق التي تنتظرنا ؟لا نحتاج مزيدا من النحيب واللطم والبكاء والشعارات , إننا نحتاج إلى أن نرسخ منهج المسائلة والمحاسبة والنقد, أن نتسلح بالشجاعة لنقد أنفسنا ومواجهة أخطائنا ونقاط ضعفنا ,إن من أهم أسباب الفشل أن تخشى مواجهة أخطائك ,أن تخشى الحديث عن نقاط ضعفك , لأنك ستبقى على ما أنت عليه , إنها مناسبة للمحاسبة والمراجعة , و أذكر نفسي وأذكركم و أذكر جميع الفلسطينيين والمسلمين بقول الله تعالى {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } , إننا نحتاج إلى الدائرتين نحتاج إلى التوبة من أخطاء سلوكية وقعنا فيها ونحتاج إلى عودة الذاكرة من أخطاء فكرية مرسناها ووقعنا فيها.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.