بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
يجب علينا أن نعرف ديننا , و أن نفهمه , و أن نحسن تطبيقه وعرضه- كما أقول دائما-, والحقيقة أنك مهما قلبت بصرك في أنحاء الإسلام ورجعته كرة بعد كرة , فلن تجد في هذا الدين ما يصادم العقل , و لا ما يصادم الفطرة, لن تجد ما يعترض حركة العقل , و لا حرية البحث , و لا حرية التأمل , لأن ذلك كله هو عدة الإسلام في إقناع الناس بالإيمان , حركة العقل, حرية البحث التفكير التأمل لان أتباع الإسلام هم أولوا الألباب , و الإسلام يخاطب أصحاب العقول , و أتباعه و أنصاره و جنوده و محبوه هم الذين يعقلون , هم أولوا الألباب , علينا أن نعرف ديننا بمستواه السامق , و علينا أن نوضح لأولئك الذين يغمزون قناة الإسلام في هذا الجانب أنهم مخطئون , و أن عليهم أن يعيدوا دراستهم للإسلام , الإسلام اعتبر مجاوزة العلم, أو اقتحام دوائر البحث والحوار دون علم, اعتبر ذلك جريمة , إنه دين يحترم العقل {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ , ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ , ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} , هذه عاقبة من يتجاوز الأدلة والبراهين , ومن يعطل أدوات العلم والتعقل والمعرفة , ما أجمل ما يقوله الشاعر وهو يصف الإسلام يقول:
لم يمتحنا بما تعي العقول به حرصا علينا فلم نرتب ولم نهن
ليس هناك في ديننا ما يصادم العقل {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ , وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } , ما هذا الجهل ؟ ما هذا الجمود ؟ إن الإسلام يكره الغباء ويكره العقول الجامدة , إنه دين أولي الألباب, دين العقول المستنيرة , إن الإسلام لا يضيق بسؤال , لا يضيق ببحث , لا يضيق بحركة عقل . أخرج الإمام البخاري - في صحيحه - أنه عندما توفي عثمان ابن مظعون – و هو من أتقياء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين- قالت أم العلاء -وهي امرأة من الأنصار- قالت : " رحمة الله عليك أبا السائب , أما شهادتي عليك فلقد أكرمك الله", فنظر إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال لها:" ما يدريكي أن الله أكرمه ", فتعجبت المرأة , وقالت :" بأبي أنت يا رسول الله , فمن يكرمه الله إذا لم يكرم أبا السائب عثمان ابن مظعون ", فقال - صلى الله عليه وسلم - :" أما هو فقد جاءه اليقين , و إني لأرجو له الخير, و والله ما أدري و أنا رسول الله ما يفعل بي ", وهذا مصداق قول الله تعالى {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ } , لكن السؤال هنا , ما الذي كان يمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - طالما كان الأمر يتعلق بما بعد الموت , و لم يحاسبه أحد, ولم يسأله أحد عما يقول, لن يخاف من مسائلة التاريخ , و ليس هناك مخاطرة لمستقبل دعوته , إنه أمر يتعلق بما بعد الموت , و رغم هذا ضبط حركة التفكير عند الناس جميعا من خلال تصديه للمرأة التي قالت :" أن الله قد أكرمك ", فما الذي كان يمنع النبي -صلى الله عليه وسلم- من أن يتحدث في أمر يتعلق بما بعد الموت ؟ ولم يسأله أحد لماذا قلت كذا وكذا , إنها مصداقية الإسلام وعقلانيته , إنه يريد أن نبني مواقفنا على اليقين لا على الظن , إنه لا يريد منا أن نتقحم ميادين لا نملك أدواتها, وما يدريكي أن الله أكرمه, لماذا تتكلمين في شيء أنتي لا تعرفينه؟ لو كان النبي حاشاه زعامة زائفة , ولو كان هناك في الإسلام ذرة من دجل أو تجهيل, لقال فلان سيذهب إلى كذا وكذا, وفلان سيذهب إلى كذا وكذا , خاصة أنه يتحدث في ميدان لا يملك أحد أن يسائله فيه , وهو ميدان ما بعد الموت , الإسلام دين العقل والفطرة, دين المواقف المبنية على يقين , اسمع هذا الحوار من سورة الشعراء بين إبراهيم وقومه , ثم تأمل هل يمكن لهذا الدين أن يتسرب إليه دجل أو خرافة؟ أو هل يقبل هذا الدين بهذا المستوى من احترام العقل؟ هل يقبل أن تتسرب إليه أسطورة أو باطل ؟ يقول الله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ , إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ , قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ , قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ , أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ , قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ , قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ , أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ , فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ , الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ , وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ , وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ , وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ , وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } , هو هو الجمود والغباوة التي يواجهها الإسلام, ويريد أن يحرر العقل منها , حتى يفهم أولئك الذين يغمزون الإسلام سرا أو علنا , أليست هذه أسئلة مثيرة للعقل ؟ قدم لهم إلهه الذي يعبده , وقدم لهم منطقا مدعما بالدليل , لا يسمعونكم ولا ينفعونكم ولا يضرونكم , هذا منطق الإسلام الذي يزدري الجمود والغباء , وتجاوز الحقائق العلمية , و يأبه ويحتفل بالعقل, الإسلام لا يكتفي بتكذيب الكافرين فقط في خرافاتهم وأضاليلهم , إنه لا يقول لهم إنكم كاذبون , إنما يطالبون بالدليل حتى على خرافاتهم , وحتى على قضايا قد ثبت بطلانها وفسادها من خرافات العرب , إنهم كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله , يقول الله تعالى {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً }, ماذا كان يدير القرآن لو قال أنهم كاذبون, لكنه لا يريد منطقا مبنيا على الرفض فقط , إنما ماذا قال الله تعالى {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } , حضروا فليقدموا أدلتهم , إنه لا يكتفي بتكذيبهم وإنما يطالبهم بالدليل , هذا دين يطالب خصومه أن يقدموا أدلة على خرافاتهم , فكيف يتجاوز المنطق العقلي مع أن القرءان يقول في موضع آخر {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ }, في آخر سورة المؤمنون يقول تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ , فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ , وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} , كأنه بالمفهوم يقول أن من يدعي أن هناك إلها غير الله لكنه يمتلك برهانا على ذلك وهو لا يمتلك ولن يمتلك نقبل منه ذلك وهذا ايغال من الإسلام والقرآن في احترام الدليل والبرهان لا يقدم على ما يقول دليلا وهي قضية باطلة فاسدة ولو على الأقل بالنسبة للقرآن نفسه {قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } , السلطان هو الحجة والبرهان هل عندكم سلطان قدموه لنا دلوني أيها الإخوة على دين أخر يحترم العقل بهذه الصرامة وبهذا الوضوح يقول الله تعالى في سورة الأنبياء {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ , لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ , أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ} , معرضون عن ماذا ؟ معرضون عن البحث والنظر والتأمل والاستدلال , هذه أساسيات في دين الله , ابحثوا فيما بين أيديكم وما مضى من كتب, ابحثوا في سورة الكهف التي تقرؤونها كل جمعة وكل ليلة جمعة , يتدبر من يتدبر, ويغفل من يغفل , يقول الله تعالى على لسان فتية أهل الكهف {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً , هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} , فليقدموا حجة , وفي هذا إشارة قرآنية على أنه لا ينبغي أن يكون عليك سلطان من أحد إلا بالحجة والبرهان والدليل , حملة القرآن على الظن وعلى المنطق الجبري وعلى الجمود وعلى التقليد {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } , ثلاث جمل متوالية, الجبرية يقولون :"أننا مسيرون لا إرادة لنا", إن الإسلام والقرآن لا يأبه بهذا المنطق الذي يقتحم دوائر هو يجهلها ولا يعلمها ,من قال لك؟ هل اطلعت الغيب؟ {وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ , أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ , لْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} , هذه الأزمة المستمرة والدائمة , التقليد الجمود وهذا ما تعاني منه أمتنا اليوم , تعاني من الجمود والتقليد والحرفية {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }, في إشارة إلى تأثير الترف والتنعم في الصد عن التفكير والتأمل والبحث عن أدوات التغيير {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} , {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } , انظر إلى استدلالات القرآن على القرآن نفسه في مواجهة غوغاء المشركين انظر {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ , قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} , أليست هذه كلها- أيها الإخوة- دعوات إلى التفتيق الذهني , و إلى العقل؟ الإسلام عدو الجمود , الإسلام عدو الغفلة , الإسلام عدو الغباوة , الإسلام يتمنى أن تتوفر له الحرية ليتحرك هو من خلالها ليخاطب عقول الناس, الإسلام هو ضحية الإرهاب الفكري , و الإرهاب المادي , لكن يوم أن يتحرر الناس من الإرهاب سوف يتمدد الإسلام وينتشر , وسوف يصل إلى كل عقل حر , إن ديننا دين أولي الألباب , إن ديننا دين العقول الحرة , فهل نرتفع إلى مستوى هذا الدين ؟ هل نحرر عقولنا من الجمود؟ هل نرفع رأس ديننا عاليا ؟هل نبيض وجه ديننا في دنيا الناس ؟ أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
عندما تصدى المشركون للقرآن وكذبوه , علق القرآن على ذلك تعليقا جميلا قال{ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ }, هؤلاء جهلة كذبوا بشيء لم يحيطوا به علما , لاحظ , فكيف يغمز في قناة الإسلام , يقال تارة أنه لا يفسح مجالا للعقل, الحق أن الإسلام -وأنا أرقب ذلك -يتعرض لهجمة قد تختفي حينا , وتتعالى أحيانا, هجمة تمس تاريخه السياسي والثقافي , وتمس رموزه من خلفاء و من فقهاء, وليس لدينا أشخاص مقدسون, الأشخاص يخطئون ويصيبون , والإسلام وحي من الله بلا شك , لكنه تتناوله الأيدي البشرية التي تخطئ وتصيب , لكن للأسف لا يقتصر النقد على التجربة في بعدها البشري , إنما تتناول الدين نفسه- أحيانا - بل أحيانا يتخذ نقد الأشخاص غطاءا لنقد الإسلام نفسه . في إحدى المحاضرات , وقفت امرأة لبعض المحاضرين , قالت له:" لماذا سمح الإسلام بتعدد الزوجات ؟ ولم يسمح بتعدد الأزواج ؟", وفي ظن هذه العبقرية أن هذه المسألة تصدم العقل , ولذلك هي تنتقد الإسلام فيه , الغريب في الأمر أنهم لا ينتقدون , إن أحبوا أن ينتقدوا الأديان إلا الإسلام , إذا أرادوا أن يتحدثوا عن المرأة ومشكلاتها فليس أمامهم إلا الإسلام , هناك أديان أخرى قالت عن المرأة أنها شيطان , أو أنها شبيه بالشيطان , و هي التي دفعت آدم إلى الخطيئة , لا يتم وضع مثل هذه الأديان على المشرحة, إنما ينتقد الإسلام الذي هو بريء من مثل هذه الترهات , الذي يقول فأزلهما الشيطان, تكلم عن آدم وحواء باعتبارهما ضحية لوسوسة الشيطان , لا دخل لحواء في دفعه للخطيئة , قال المحاضر لهذه المرأة:" من قال لك أن الإسلام منع تعدد الأزواج الإسلام؟, يسمح بذلك , لكن بشرط واحد عليكم أيها المتفلسفون أن تقدموا ضمانات لنا أن المجتمع و أن الأسرة و أن الإنسانية تستقر وتسعد في مثل هذا النظام الذي يبيح تعدد الأزواج للمرأة , و أنا ضامن لك أن الإسلام سيقبل ذلك", لان الإسلام يريد سعادة البشرية , فهل عندكم ضمانات تؤكد أن الإسلام لو وافق على مثل هذا الأمر سوف تستقر الأسرة , وسوف يسعد المجتمع , أم أن البشرية في مثل هذا النظام ستتحول إلى عالم من الحيوانات؟ , ثم لماذا الإسلام ؟هل فعل ذلك اليهود؟ هل فعل ذلك النصارى؟ هل فعل ذلك الملحدون ؟هل فعل ذلك الهندوس؟ من فعل ذلك؟ كما أتابع أنا عصر الصحابة هو ليس أفضل عصر في التاريخ الإسلامي , والله بقراءة محايدة هو أفضل عصور التاريخ البشري من الأزل إلى الأبد, والنبي -صلى الله عليه وسلم -قال " خير القرون قرني " , عندما تعود إلى عصر أبي بكر الصديق, وتسمع قول الرجل العظيم أول حاكم بعد رسول الله للمسلمين- سيدنا أبو بكر- يقول :"أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم, أطيعوني ما أطعت الله فيكم,( في كتاب بيني وبينكم) فان عصيت الله فلا طاعة لي عليكم" أنا أعرف مشكلة هؤلاء الباحثين هم ضجرون من تطبيقات الإسلام في الواقع المعاش , والواقع التاريخي , وأنا أعترف أن كثيرا من تطبيقات المسلمين في تاريخهم وفي واقعهم المعاش , تطبيقات سيئة وتطبيقات لا تجذب إلى الإسلام , وإنما تنفر منه, حتى أنا عندما أريد أن أدافع عن الإسلام لا يسعفني الواقع بتطبيقات أقدمها للناس ,لأقول لهم هذا هو الإسلام , و إنما أبحر باتجاه التاريخ , هذا هو عمر ابن الخطاب , هذا هو أبو بكر الصديق , هذا هو علي ابن أبي طالب , إنما التطبيقات الواقعية والتطبيقات التاريخية دخلها بعض الخلل , لكن علينا أن نعلم أن تاريخنا لم يكن خطا مستقيما, وإنما هو شديد التعرج , قد نصل الأفق الأعلى أحيانا , وقد نصل الحضيض وفق السنة الإلهية {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ , ما أريد أن أصل إليه أن أبناء الإسلام في هذا البلد , وفي كل مكان , عليهم أن يقتربوا من دينهم أكثر فأكثر, بكل ثقة واعتزاز , و بكل أمل في أن المستقبل لهذا الدين , عليهم أن يدرسوه و أن يحبوه و أن يفاخروا بانتسابهم إليه , و أن يحسنوا فهمه وتطبيقه وعرضه , وعلى إخواننا الذين تتلجلج في صدورهم بعض الأسئلة , الإسلام لا يخاف منها أبدا , و لا يمنعها , و أما السائل فلا تنهر, البث عن الحقيقة, هذا شيء يفرح به الإسلام ويريده , ويريد أن يبني الناس مواقفهم في الإسلام على أساس السؤال والبحث والتأمل لكنني مرة أخرى أقول لهؤلاء الإخوة عليهم قبل أن يبسطوا ألسنتهم في بعض التجارب أو بعض الأحكام أو الأحاديث والرموز عليهم , أن يقرئوا جيدا , و أن يتحرروا من المنهج الانتقائي والتجزيئي, عليهم أن ينظروا إلى الصورة كاملة حتى يصلوا إلى الحقيقة كاملة. اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.