بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

صنفان من الناس يسيئان إلى الإسلام , يخطئان في حق الإسلام , الصنف الأول من المنتمين إليه المنسبين إلى الإسلام, يسيئون إلى الإسلام, يسيئون من حيث فهمه , و يسيئون من حيث تطبيقه , و يسيئون إليه من حيث عرضه على الناس , هذا الصنف الأول , في سلوكهم تشدد , عنف أحيانا, في فهمهم حرفية  وجمود, في تطبيقهم مغالاة , إفراط في جانب , و تفريط في جانب آخر , كل ذلك إساءة للإسلام , و ربما ترك آثارا سلبية في نفوس الآخرين ضد الإسلام نفسه , و في هذا السياق نذكر قول الله- تعالى- على لسان إبراهيم في دعاءه في سورة الممتحنة  {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } , ومتى تكون فتنة للذين كفروا , متى أكون أنا فتنة للذين كفروا , متى يكون المسلمون فتنة للذين كفروا , بأمرين : بضعفهم, وجهلهم بدينهم , وتطبيقاتهم المنحرفة , و أدائهم السيئ , فيقول الكافرون: لو كان هؤلاء على حق لما كنا أقوى منهم, ولو كان هؤلاء على حق لما كنا أعلم منهم, {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنكَ أنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الصنف الثاني الذي يسيء للإسلام هو صنف مفتون بعقله , لا يتساوى  عقلي مع عقلك , العقول متفاوتة , فالعقل لا يصح أن يكون حكما مطلقا , العقول تتفاوت كما تتفاوت الأبصار                  

 سبحان من قسم الحظوظ                                        فلا عتاب ولا ملام

فأعمى وأعشى ثم ذو                                              بصر وزرقاء اليمامة

    إلى أي عقل نرجع , وعلى أي عقل نعتمد , إذا جعلنا العقل هو المقياس الفذ للقضايا والمفاهيم والمسائل , فهؤلاء -الإخوة - مفتونون بموضوع العقل , و أحيانا يغمزون الإسلام بأنه يتناقض مع العقل , بل ساءني جدا أن بعضهم ألحق الإسلام بالديانات الخرافية والأسطورية , و هذا الكلام- بالمناسبة- ليس جديدا,  طوال عمر الإسلام المديد , كان يواجه بنفر من هؤلاء , تذكر كتب الفقه والتاريخ والأدب , أن الشاعر المعروف -أبو العلاء المعري - اعترض على حد قطع يد السارق , فقال إن الإسلام يقطع يد السارق بربع دينار, لكنه يفرض ديتها بخمسمائة دينار, فكيف تقطع يد ثمنها خمسمائة دينار بسبب أنها سرقت ربع دينار قال :

ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض        ما لنا إلا السكوت له  ونستجير بمولانا من النار

حكّم عقله,  ومن حكّم عقله فقط إنه يضل, وقدمه تزل , العقل ليس هو المقياس, لكن سنرى موقف الإسلام من العقل , على كل حال رد عليه الفقهاء , قال له : يا أبا العلاء الأيدي ليست واحدة و أثمانها تختلف,  لا يمكن أن تكون اليد الخائنة كاليد الثمينة, اليد العزيزة ليست كاليد الذليلة فقالوا له لما قال :

ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض        ما لنا إلا السكوت له ونستجير بمولانا من النار

قالوا له :

 عز الأمانة أغلاها وأرخصها                             ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

 لما كانت أمينة كانت ثمينة , ولما خانت هانت , لما اعتدي عليها وقطعت وهي بريئة كان ثمنها خمسمائة دينار, لكنها لما خانت قطعت بربع دينار , الأحكام التشريعية في الإسلام في غالبها هي أحكام معقولة المعنى , معللة مفهومة , ولذلك عندما تكلم القرءان الكريم عن شريعة القصاص , قال في آخر الآية  {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } , أصحاب العقول القوية والمستنيرة والراسخة يدركون حكمة التشريع , أنا أتمنى على إخواننا الحداثيين أو- كما يحبون- أن يسموا أنفسهم, أن يضعوا أيدينا على موضع واحد في كتاب الله يعترض حركة العقل , يعترض حركة التقدم الإنساني, لماذا يلحق الإسلام بالأساطير ؟ والإسلام ضد العقل , العقول متفاوتة, دلونا على عقل واحد نجمع عليه , المرجع هو كتاب الله, والعقل هو في أن يتفهم هذا الكتاب , دلونا على موقع في القرءان الكريم يعترض حركة العقل , يعترض التفكير أو يعيق حركة التقدم الإنساني, إن المنصفين من الأوروبيين أنفسهم يعترفون بتأثير الإسلام في نهضتهم الحديثة والمعاصرة , و هناك كتاب وضعته مستشرقة منذ سنين, يعترف بهذه الحقائق وهذا التأثير الإسلامي في نهضة أوروبا , كتاب اسمه" شمس العرب تسطع على الغرب", مستشرقة ألمانية وهذه حقيقة تاريخية لا ينكرها أحد , وهناك حقيقة تاريخية أخرى ينبغي أن نتنبه إليها , وهي أن أوروبا لم تنهض إلا بعد أن تحررت من الدين , ومن هيمنة الكنيسة عليها , يقابل ذلك حقيقة أخرى لدينا, حقيقة تاريخية لدينا على النقيض من هذه الحقيقة , أننا لم نتقدم ولم ننهض ولم تحدث في حياتنا التحولات الايجابية الكبرى نصرا وثقافة وحضارة وعلما وتقدما إلا في ظل هيمنة الإسلام , على العكس تماما , هذه حقائق ينبغي أن نعرفها وأن يعرفها إخواننا الحداثيون أو العقلانيون , التفكير في الإسلام ليس مسألة ترف , و إنما هو فريضة إسلامية , وهناك كتاب وضعه الكاتب الشهير الأستاذ العقاد عنوانه "التفكير فريضة إسلامية ", وعندما تعود إلى القرءان الكريم تجد مادة الفكر والتفكر والذكر والتذكر ويعقلون وتعقلون, هذه المادة التي لها علاقة بحركة العقل , تجدها وردت مئات المرات في كتاب الله, حتى أن القرءان الكريم استخدم كل مفردات اللغة العربية الدالة على العقل , استخدم الألباب , استخدم الحجر , وهو من أسماء العقل عند العرب {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ  }, واستخدم النهى , وهي من أسماء العقل عند العرب {إن فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى }  , كل ذلك اعتداد بالعقل والتفكير واهتمام به , كيف تغمز قناة الإسلام في هذا الأمر؟ كيف ؟ .الإسلام ينظر إلى العقل على أنه نعمة كبرى تستحق الشكر , وتترتب عليها مسئولية كبيرة , أذكر أنه عندما أسلم خالد ابن الوليد وجاء إلى النبي , قال له النبي كلاما له دلالته , قال له -رسول الله صلى الله عليه وسلم - :" لقد كنت أرى أن لك عقلا لن يسلمك إلا إلى الخير",  أنا كنت مطمئنا بالنسبة لك , إنك عاقل,  العقل في الإسلام له قيمة كبيرة  {قُلْ هُوَ الَّذِي أنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } , الأفئدة , يعبر عن العقل في القرءان بالفؤاد , والقلب,  فالأفئدة هنا هي القوة الواعية في الإنسان, العقل هذه نعمة كبرى ويترتب عليها مسئولية  {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَأن عَنْهُ مَسْؤُولاً } , وحمل القرءان على أولئك الذين يعطلون أدوات المعرفة , يعطلون سمعهم وأبصارهم وعقلهم , الإسلام هو دين أولي الألباب , الإسلام هو دين التفكير , الإسلام هو دين العقول الراجحة  {وَلَقَدْ ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَأن لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأنعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } , عطلوا عقولهم, عطلوا أدوات المعرفة التي وهبها الله لهم , وتأمل قول الله تعالى في سورة الملك عندما تنكشف الحقائق ماذا يقول الكافرون  {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ , فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ } , ذنبهم هو تعطيل العقل , وهذا التعطيل قادهم إلى الكفر , ولذلك إن القرءان الكريم يصف الكافرين دائما بأنهم قوم لا يعقلون  {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأنهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } , {وتَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأنهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ } , اقرؤوا القرءان , سوف تجدون الكثير من هذه الآيات لا نستطيع أن نستقصيها كلها , لكن إخواننا الحداثيون أو العقلانيون للأسف , وهذا موضع عتاب لهم , لم يقتربوا من القرءان, إنهم يتكلمون في أمور هم لم يدرسوها , وهذه ثغرة خطيرة في مواقفهم, لقد سألني أحدهم, قال لي :"لا يغير ما بقوم ,أن يغيروا ما بأنفسهم  و إلى الخ ", هو لا يقرأها قراءة صحيحة "هذه مقولة أم حديث ؟", لم يجر في خاطره أن تكون آية , إذا , قلت له هذه آية من سورة الرعد يقول الله فيها {إنّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأنفُسِهِمْ} , وأنا سمعت أحدهم على قناة فضائية و هو يستعرض ويتحدث ويريد أن يقيم الحجة على خصمه , يقول هناك آية في سورة الرمز , تقول كذا وكذا , ويقصد بسورة الرمز سورة الزمر , وبالأمس قرأت مقال في إحدى الصحف لكاتبة توقع بأنها شاعرة عربية تقيم في لندن , تقول يقول الله تعالى في سورة لوط الآية الثامنة و الثمانين , هناك سورة اسمها سورة لوط ؟!!هذه الحداثة والعقلانية التي لا تعني فقط إلا القفز على جدار الإسلام , الإسلام ليس جدارا واطئا, ادرس يا سيدي , لا تضيق صدورنا كمسلمين , ولا يضيق صدر الإسلام , الإسلام يحث على التعليم وعلى العلم , على العقل والتفكير  {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَأن يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } , ثم هناك آية ينبغي أن تسجد لها العقول قبل الأجسام , انظر ماذا يطلب النبي من المشركين في سورة سبأ؟ انظر  {قُلْ أنمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إن هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } , الإسلام في دعوته إلى الإيمان يقود الناس من عقولهم,  أرأيت إلى أمة تعلن عقيدتها على الملأ كل يوم خمس مرات , من غير المسلمين ؟من؟ إننا في الأذان نعلن مضاميننا العقائدية خمس مرات كل يوم , الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا اله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله , كلام مفهوم نخاطب به عقول البشر,  الإسلام يقود الناس من عقولهم , العقل مهم جدا لدينا , العقل مناط التكليف -كما يقول الفقهاء- المجنون لا يكلف , العقل مناط التكليف , فنحن الأمة الوحيدة التي تعلن عقيدتها على الملأ كلاما مفهوما , ليس هناك أسرار في الإسلام يحتكر تفسيرها رجال الدين , ليس هناك أفكار في الإسلام أو طلاسم أو ألغاز يهيمن عليها كهنة , لا , ليس هناك كهنوت في الإسلام الأذان خمس مرات نعلن عقيدتنا للناس ,حاورونا ناقشونا, تحدثوا هذه عقيدتنا , اقرأ في سورة البقرة آية واحدة اشتملت على أدلة ثمانية على التوحيد وكلها أدلة مبثوثة في هذا الكون ,الإسلام يعتبر العقل هو المدخل الصحيح والحقيقي للإيمان  {إن فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } , هذه أدلة ثمانية في آية واحدة ,إن الإسلام يريد أن تبني إيمانك وعقيدتك على عقل راسخ , آيات الله مبثوثة في الكون,  وفي آخر آل عمران  {إن فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ } , آيات للعقول غير العادية , أختم بلفتة , أرى أنها مهمة,  و أتمنى من إخواننا العقلانيين أن يعيدوا قراءتهم للقرءان , وأن يتأملوه جيدا وأن يتأملوا هذه الفكرة التي أطرحها , وهي أن العقل لدينا هو مدخل الإيمان , في مطلع سورة الجاثية, اسمع هذه الآيات  {إن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ } , للمؤمنين , الإيمان هو ثمرة التفكر في آيات الله المبثوثة في السماوات والأرض {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ , وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ , تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} , هذا مطلع سورة الجاثية نقدمه هدية لإخواننا الأعزاء القلقين من الأسطورة في القرءان و الإسلام,  كذلك في سورة الأحقاف انظر كيف كان يحاور النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين كان يحاورهم حوارا عقليا , يقرأ عليهم قول الله تعالى {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أنذِرُوا مُعْرِضُونَ , قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} , وسنزيد الأمر وضوحا في لقاءات أخرى إن شاء الله , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

استكثر بعض الأساتذة على تلميذ له أن يخالفه الرأي أو أن يعترض عليه في مسألة , فقال له التلميذ:" لا تغضب يا أستاذ, فأنا لست أقل من الهدد وأنت لست أعلى من سليمان, ولقد قال الهدهد لسليمان أحطت بما لم تحط به ",هناك ناس ينظرون إلى الخلق بأنهم أقل من هدهد , وينظرون إلى أنفسهم كأنهم أعلى من سليمان , فلا يقبلون الاعتراض ولا يقبلون النقد , لماذا ؟ إن الخلفاء الراشدين كانوا يفسحون المجال , ويفسحون صدورهم لأراء الناس , ففي الخطب المشهورة عنهم, سيدنا أبي بكر الصديق, وسيدنا عمر ابن الخطاب -رضوان الله عليهم أجمعين- كان شعارهم:" إن أحسنت فأعينوني , و إن أسأت فقوموني ", وعمر -رضوان الله عليه- عندما كان يخطب رأى الناس أنه يتميز عنهم بثوب , وزعت عليهم ثياب , ثم اكتشفوا أن عليه ثوبين , وهم وزع عليهم ثوبا ثوبا , فوقف له سلمان الفارسي , قال له, كان عمر يقول :" اسمعوا وأطيعوا",  قال :" لا سمع ولا طاعة حتى نعرف من أين لك هذا الثوب",  لابد أن يبين الخليفة حقائق الأمور للناس , من أين لك هذا الثوب ؟ وأجابه عمر , و استعان بابنه , واعتذر بأن ثوبا واحدا لا يكفيه , فقد كان رجلا طويلا , فأخذ ثوب ابنه,  هذه مواقف نحن نذّكر بها أنفسها , ونفاخر بها بين العالمين , فلم يؤذى الرجل , من حقه هو مواطن , من حقه أن يسأل الخليفة والرئيس الأعلى,  من أين لك هذا الثوب ؟ هي لو وقفت الأمور عند ثوب فتكون في غاية السهولة,  ليس هناك فيها مشكلة , لكن انظر في السياق الإسلامي حتى الثوب كان يسأل عنه الخليفة , هل الحقيقة أو الحق -أيها الإخوة- حكر على فئة دون الناس ؟ لا,  الحقيقة ليست حكرا على فئة دون الناس , سواء كانت قليلة أم كثيرة , الكثرة ليست دائما على الحق , قد تكون القلة على الحق, وقد تكون الكثرة على الحق , الحق له مقاييسه الذاتية , الحق ليس مرتبطا بقلة أو كثرة , و وصول أكثرية معينة إلى الحكم لا يعني أنها على الحق , هناك عوامل أخرى, هناك عوامل أخرى في الأنساق الديمقراطية المنتشرة في العالم , هناك عوامل أخرى غير الحق تتدخل في خفض هذا ورفع ذاك , هناك الدعاية , هناك الأموال , هناك الإعلام , هناك النشاط الحزبي.... الخ , إنما علماؤنا وفقهاؤنا قالوا :"اعرف الحق , تعرف أهله",  فالحق له علامات وإمارات ذاتية لا علاقة لها بكثرة أو قلة , أمرنا أن نعرف الرجال بالحق , و لا نعرف الحق بالرجال , هل إذا وصلت أكثرية بالحكم عن طريق الاقتراع -كما يقال- هل تستطيع أن تمنع القلة من التعبير عن رأيها؟, لا , وحتى -كما قلت- الأنساق الديمقراطية الموجودة في العالم كله ,الأنساق الديمقراطية العريقة لا تفعل ذلك , إن عمر ابن الخطاب يقول :" رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي ", هذا كلام يوجه لمن هو في موقع المسئولية والسلطة , و كذلك هناك كلام يوجه لما هو في موقع المعارضة , لابد أن يكون الله وراء كل قصد , هناك أيضا معارضات مغرضة , ليس من أهدافها البحث عن الحق , و إنما تريد أن تستعرض وأن تثير البلابل , وأن تحقق أهدافا خاصة , إن ديننا يأمر الحاكم أن يستمع للمحكوم مهما كان,  ليس في ثقافتنا الإسلامية أن يقال لمن يعترض على الحاكم من أنت ؟ وماذا تمثل في الشارع ؟ لا,  إن عمر ابن الخطاب عندما اعترض عليه الناس , لم يقل لهم من أنتم ؟ لابد أن نستمع وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ , القضايا مشتركة بين الناس , الأوطان مشتركة بين الناس , و الدين مشترك بين الناس , وكذلك الإسلام يأمر من يريد أن يعترض أو أن يبين رأيه أن يخلص قصده لله , وألا يكون اعتراضه منطلقا من أهداف شخصية , أو أهداف خاصة به , إن هذا ينزع البركة من جهده , ويجعل كلامه هباء تذروه الرياح لا قيمة له , كذلك ينبغي أن يبتعد عن التشهير وعن التجريح , وأن يكون في دائرة النصيحة , أن يكون في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, هذه الدائرة التي أوجبها الإسلام على المسلمين.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.