بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
فحتى يكون التدين مقبولا وعاملا من عوامل الخير والنماء والهداية , لابد أن يسنده قلب نظيف , و أن تدعمه نية حسنة, لابد للتدين من قلب تقي نقي صادق , وإلا كان خاويا لا روح فيه , جوهر التدين القلب الطيب , لا يعتد بالتدين الذي تغيب عنه طيبة القلب ودماثة الخلق ونظافة الأداء والسلوك ,هذا ليس تدينا , هذا يكون طلاءا خارجيا لبيت خرب من الداخل لا قيمة له , التدين إن لم ينبثق عن قلب يحب الناس , ويحب لهم الخير ويحب لهم الهداية ,ما قيمته ؟ إن لم يكن كذلك, ما قيمة التدين إذا انضم إليه عنف أو استبداد بالرأي ؟ أو انضم إليه ظلم ؟ ما قيمة التدين إذا انضم إليه استباحة لحقوق الناس , وإهدار لكراماتهم , وعدم احترامهم؟ التدين لابد أن يبعث صاحبه لمحبة الناس, وتحقيق النفع لهم, وتحقيق الخير والاستكثار من أفعال الخير , يقول الله- تعالى- واصفا خير القرون{ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ }, ويقول تعالى{ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} , التدين الصحيح هو الذي يقيم العلاقات فيما بين الناس على هذه الأسس من الاحترام المتبادل ,ومن المحبة ومن الصدق ومن التواضع , وإلا كان تدينا مغشوشا لا قيمة له , إن أقل ما في الإسلام هو الشكل ,وعندما نعود إلى القرءان الكريم ,إلى منابعنا الأصيلة القرءان الكريم والسنة النبوية المشرفة ,نجد أن هذه المصادر قد أولت عناية واضحة بهذا الموضوع فالله تعالى يقول {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } , إذن التدين عقيدة تملأ القلب والعقل ,وتظهر آثارها في الأداء والسلوك المنضبط ,والأداء الحسن ,عندما تكلم القرءان الكريم عن الأضاحي والذبائح التي تنحر كمناسك ,يقول الله تعالى لافتا النظر الى هذه الحقيقة{ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ }, هذه شعائر إن لم تبنى على أساس القلب الطيب الذي ينضح بمحبة الناس ,لا كراهية ولا غش ولا عنف ولا عدوانية ولا دموية ولا ظلم ,لا يمكن أن يجتمع تدين وعدوانية ,لا يمكن , وعندما يتكلم عن الإصلاح بين الزوجين ,عندما ينشب بينهما خلاف ,يرتب التوفيق بين الزوجين على حسن النية ,وعلى طيبة القلب سواء من الزوجين أو من المصلحين {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } , إن توفرت النية الطيبة -يا سادة- النية الطيبة ,القلب النظيف ,المسألة لا علاقة لها بشقشقة الكلام ,ولا علاقة لها بالشعارات الخارجية ,ولا علاقة لها بالاستكثار من المظاهر -كما سنرى -,وإنما التدين قائم على قلب صادق ,على طوية سليمة ,والله- سبحانه وتعالى- يتحدث عن الجنة وأهلها فيقول {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ , ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ , وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} , لا غل في صدور أهل الجنة ,لا يعرفونه , وعندما تحدث عن أجيال المؤمنين قال {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } , القلب هو المهم, تأمله دائما, طهره دائما ,حتى يكون تدينك تدينا صحيحا ,لا يكون تدينا مغشوشا ,القلب في واد ,والسلوك في واد أخر, إن الإسلام حريص أن تكون طوية المسلم طوية سليمة ,يقول -صلى الله عليه وسلم- "ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ,ولكن سبقكم بشيء وقر في قلبه" , المسألة ليست بالاستكثار من مظاهر ومن صيغ ,ويقول -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الإمام مسلم "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير" , هل تحمل أفئدة الطير غلا أو غشا ؟هل تحمل كبرياء وتجبر ؟وعندما سئل النبي- صلى الله عليه وسلم- أي الناس أفضل يا رسول الله ؟ ,لا تنخدع بالمظاهر -يا أخي-, لا تظن أنك إذا قمت ببعض المظاهر أنك أديت الذي عليك ,لا يكن قلبك كالبيت الذي طلي من خارجه وهو من الداخل خرب ,لا, لابد أن تتعهد هذا القلب , فالقلب هو الأساس ,هل تحب الناس؟ هل تحب لهم الخير؟ هل تحب لهم الهداية؟ هل تحسدهم؟ هل تحقد عليهم ؟هل تغشهم ؟هل تطمع فيما في أيديهم ؟هل تمتد عينك الى ما عندهم ؟هذه أسئلة في غاية الأهمية , إن أردنا أن نؤسس تدينا صحيحا يدفعنا إلى المزيد من الخير, قال:" يا رسول الله: أي الناس أفضل ؟",فقال -صلى الله عليه وسلم -:"كل مخموم القلب ,صدوق اللسان", قالوا:" يا رسول الله: صدوق اللسان نعرفه ,فما مخموم القلب ؟",قال:" القلب التقي النقي ,لا إثم فيه ولا بغي ولا غلة ولا حسد ",وكان جالسا -صلوات الله وسلامه عليه- مع أصحابه فقال لهم:" ألا أنبئكم بشراركم؟", قالوا:" بلى إن شئت يا رسول الله نبئنا", فقال- صلى الله عليه وسلم- :" شراركم من ينزل وحده, ويمنع رفده , ويجلد عبده ", ما معنى هذا الكلام؟ من ينزل وحده : الأناني الذي يحب نفسه, الذي يريد أن يتفرد في كل شيء , انظر إلى هذه الآفات التي تهدد التدين الصحيح, ويمنع رفده :البخيل الشحيح الذي يمنع عطاءه , الذي يظن أنه ببعض الصيغ اللفظية إن رددها أو بأداء بعض العبادات أقام التدين , لا , إنك تستطيع أن تكذب على الناس , لكنك لا تستطيع أن تكذب على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور , لا تكذب على الله وعلى نفسك , ويجلد عبده: القسوة على من ولي عليه , وهذه آفات وعاهات اجتماعية تعصف بالمجتمع إذا انتشرت فيه , الأنانية والبخل والقسوة , ثم قال لهم:" أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟", قالوا :" بلى إن شئت يا رسول الله", قال:" شراركم من يبغض الناس ويبغضونه ", هذا الذي يكره الناس والناس تكرهه , والله-سبحانه وتعالى - يقول {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} , يقيم العلاقة بينه وبين الآخرين على أن الأساس في العلاقة العداء , يبغض الناس ويبغضونه , ثم قال:" أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟" قالوا :" بلى إن شئت يا رسول الله", قال:" شركم من لا يقيلون عثرة , ولا يقبلون معذرة , ولا يغفرون ذنبا ", هناك متعصبون لا يعرف التسامح إلى قلوبهم سبيلا , لا يتسامحون , يريدون مالهم كاملا غير منقوص , أما أن يخفض الجناح لأخيه , أن يتسامح أن يعفو أن يتجاوز حتى يتجاوز الله عنه , لا, الآخرة ليست في ذهنه , في ذهنه هذه الركعات الجوفاء فقط , هذا تدين مغشوش لا خير فيه , إن لم يدفعني إلى التسامح مع أخي أو إلى خفض الجناح لأخي , إن لم يملأ قلبي محبة تنضح على الناس من حولي , ثم قال -صلى الله عليه وسلم - :"أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟", قالوا :"بلى يا رسول الله ", قال:" شركم من لا يؤمن خيره , ولا يرجى شره ", هذه مصيبة كبرى أن ينتسب إلى التدين من لا يرجو الناس خيره , أو يؤمنون شره, مصيبة كبرى, وفي حديث ذي دلالة وأرجو أن نتأمله جيدا , لنعرف قيمة القلب في التدين, جاء رجل يسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال له :" يا رسول الله , ما علامة الله فيمن يريد ؟ وما علامته فيمن لا يريد؟", فقال -صلى الله عليه وسلم- :" كيف أصبحت؟ كيف تجد نفسك أنت ؟" قال:" يا رسول الله أصبحت أحب الخير وأهله , و إن قدرت على شيء منه بادرت إليه, و إن فاتني شيء منه حزنت عليه وحننت إليه ", هل سمعت ؟ قال قس الأمور على نفسك, أنت كيف شعورك ؟كيف إحساسك تجاه الآخرين ؟ تجاه هذا الواقع ؟ التدين موقف ايجابي تجاه الحياة وتجاه الناس , التدين ليس تجهما وليس اتهاما للآخرين ولا تربصا بهم , وليس تمنيا لأن يقع الآخرون في المعصية أو الخطأ , هذه أمور هي أقرب إلى الأمراض النفسية من الممارسات الدينية , في الحديث السابق: النية الحسنة لابد أن تستحضرها دائما , القلب الطيب لابد أن يكون وراء كل عمل وكل قول تقوم به , " أصبحت أحب الخير وأهله , و إن قدرت على شيء منه بادرت إليه, و إن فاتني شيء منه حزنت عليه وحننت إليه "الإنسان يحزن على فوات الخير, هذا تدين صحيح , مع التدين الصحيح والقلب الطيب لن يضرك قلة العمل , ومع القلب الأسود المغشوش لن تنفعك كثرة العمل ," أصبحت أحب الخير وأهله , و إن قدرت على شيء منه بادرت إليه, و إن فاتني شيء منه حزنت عليه , وحننت إليه ", هذه النفوس الطيبة , قال -صلى الله عليه وسلم -:" هذه علامة الله فيمن يريده ", اطمئن, و الرجل الذي بشره النبي -صلى الله عليه وسلم - بالجنة ثلاث مرات متتاليات , ثم ذهب إليه أحد الصحابة وبات عنده ليرقب عمله , فما وجد الرجل يقوم بالليل شيئا , ينام الليل كله , بعض الأعزاء يظنون أن النوافل تكفي لستر العورات النفسية , لا , البخيل مهما صلى من النوافل ومهما قال من الصيغ لا يجزيه ذلك فتيلا , ما لم يبسط يده لإخوانه المحتاجين , وما لم يؤد حقوق الله في ماله , لا , الرجل كان ينام الليل كله , يقول الصحابي الذي بات عنده , غير أنه إذا تقلب في فراشه ذكر الله , قال لا اله إلا الله , فلما قضى عنده الليالي التي قضاها , سأله قال له يا رجل إن النبي- صلى الله عليه وسلم- بشرك بالجنة ثلاث مرات , ونحن جلوس معه , يطل علينا رجل من أهل الجنة , فجئت لأعرف ماذا تفعل ؟فما وجدتك تفعل شيئا ذا بال, يؤدي الفرائض فقط , فقال له:" والله ما هو إلا ما رأيت ", أنا لا افعل إلا ما رأيته , قال:" فلما وليت دعاني", وقال :"والله ما هو إلا ما رأيت يا ابن أخي ,غير أني لا أجد في نفسي غشا لأحد من المسلمين , ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه" , فقال الصحابي :"هذه التي بلغت بك ",لا كثرة الصلاة ولا كثرة الصيام ولا كثرة التسابيح , ولا الصلوات الهروبية, بعض الموظفين يهرب إلى صلاة الضحى , أو إلى بعض النوافل هروبا من مسئولياته التي هي تقربه أكثر إلى الله من هذه النوافل التي يهرب إليها , أو يحرص على الصلاة أحيانا في أول وقتها , في الوقت الذي بين يديه عمل للمسلمين وللمؤمنين لابد أن يؤديه, لابد , التدين مسألة أخرى- أيها الإخوة- لا علاقة لها بالإشكال , قال :"هذه هي التي بلغت بك ", وفي رواية أخرى , قال له :"غير أني لم أبت ضاغنا على مسلم", أي حاقدا على مسلم, التدين كف الأذى باليد واللسان, كف الأذى ولسانك أحسن الظن بأخيك المسلم , المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } , لا تسخر من المسلم لا تسخر من صوته , لا تسخر من هيئته, لا تسخر من نسبه , من أنت؟ انك مخلوق خلقك الله كما خلقه , فلماذا تسخر منه لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ , أنت تدري ما عاقبتك عند الله تدري ما عاقبة هذا عند الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً} , كيف متدين ثم يلغ في عرض أخيه ؟ مع أن الله صور هذه المسألة تصويرا تشمئز منه النفوس , { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ }, لأن المغتاب جبان , وانظر إليه عندما يدخل من اغتابه عليه وهو يتحدث عنه , كيف يتغير لونه , ويتغير هيئته؟ جبان , فالقرآن صوره بمن يأكل لحما ميت , والميت لا يملك أن يدفع عن نفسه , ما لجرح بميت إلام , لا تغتب مسلما , لا تسيء الظن بأخيك المسلم , كف يدك , كف لسانك , انظر أيضا والقرآن الكريم يعطينا إشارة يدركها أولوا الألباب للقلوب الطيبة , يقول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } , والحب مسألة قلبية , هو لم يقم بفعل مجرد أن انحرف هذا القلب وضل طريقه وسبيله , لم يقل إن الذين يشيعون, إن الذين يحبون , عمل قلبي بقلبه وهو صامت لا يتكلم , لكنه في قلبه يحب أن تؤذى سمعة فلان , و أن يتحدث في عرض فلان, و أن تنتشر الفاحشة في المؤمنين بقلبه , و لأن الله تعالى يريد أن يقول لنا أن التدين هو عمل القلب في الأساس يقول {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } , عمل قلبي قد لا يأبه به الإنسان , وأيضا عندما تكلم عن الناس الكبار العظماء الأتقياء , لفت النظر إلى أن قلوبهم مأوى للحب {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } , ويقول الله تعالى عن المؤمنين المتدينين حقا {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ , أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } , في المقابل وترى كثيرا من أهل الكتاب , لكن قد يتخلق بعض المسلمين بأخلاق أهل الكتاب {وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } , المؤمن دائما يستحضر نية الخير , ونية المسارعة في الخير والسباق له , ما أجمل قول بعضهم , وهو يقول في مواصفات الصادقين يقول :
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه كأن به عن كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسط يدا ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا
أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
أنت تقاوم نفسك وشهواتك وأهوائك , فأنت متدين , أنت تحرص على أن تنفع الناس فأنت متدين ,أنت تحب أن يصل الخير وأن تصل الهداية إلى كل الناس ,فأنت متدين, هذه ملامح التدين الصحيح ,أما من يتربص بالناس الخطأ ,ومن يتمنى لهم الضلالة ومن يستكبر عليهم حتى بتدينه ,لا ينبغي أن تتطاول على الناس حتى بتدينك ,هذا لا يجوز ,عليك أن تتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى- بالحمد والشكر ,الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ,لابد أن نعرف أن التدين لابد أن يقوم على قلب طيب وتقي ,والتدين لا يعدل أن يكون قلبا طيبا وأخلاقا دمثة -كما قلت - وسلوكا حسنا ,وتحرك في المجال الذي أشار إليه ربنا ,وهو يقول {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } , إنما ينبغي أن نمارس ديننا رحمة وعلما ومحبة ونصحا وتعاونا ونفعا للناس ,ولابد أن نعرض ديننا على الآخرين رحمة بهم ,وإنقاذا لهم من ضلالهم, إننا نقول للعالم كله أن لدينا ما لا يوجد عندكم ,ولا نعني بذلك فقط المظاهر والأشكال ,أن لدينا عقيدة وشريعة ولدينا أخلاق وقرآن ولدينا سنة نزعم أنها تضمن سعادة البشر أجمعين ,هذا هو ما لدينا ,هلم إلينا واسمعوا ما عندنا ,إن لدينا عقيدة تفسر لنا نشأة هذا الكون ,وهذه الحياة ,حركة هذا الإنسان, إن لدينا أنظمة في التشريع والعبادة والأخلاق ,هذا ما ينبغي أن نقدمه للناس أو نخاطب الناس به, نحن ليس أمامنا إلا طريق واحد ,أن نحمل هذا الإسلام, وأن نعمل على ضبط حياتنا وفقه , ما أريد أن أنبه إليه, أن هناك ثقافات كثيرة غائبة عن واقعنا العملي , و إن كانت موجودة في تاريخنا الثقافي , ثقافة نقد الذات , أن ننقد أنفسنا , هناك الإحساس المتضخم بالذات , هناك تنزيه الذات , بدل النقد , ثقافة أدب الاختلاف , كيف يختلف بعضنا مع بعض ؟أدب الحوار , ثقافة التسامح , ثقافة محبة الناس , كل هذه الثقافات للأسف ليست موجودة بالشكل الذي نؤمله, و إن كانت جزء من تاريخنا , لا يمكن أن نستطيع أن نكمم أفواه الناس- أيها الإخوة -لا نستطيع , أن نكمم أفواه الناس وأن نفرض على الناس وجهة نظر واحدة , و أن نفرض رأيا واحدا , لا, أن ثقافتنا عرفت التعدد وعرفت الاجتهادات الكثيرة والأئمة الكثيرين, وابن تيمية -عليه رحمة الله- وضع كتابا ينظم عملية الخلاف , ويفسره بين المسلمين , عندما وضع كتابه رفع الملام عن الأئمة الإعلام , وهو يتكلم عن منهج الاختلاف الشرعي والأخلاقي بين الناس , لا يمكن , لا تستطيع أن تكمم أفواه الآخرين, و أن تتجاهل الرأي الآخر, وأن تكون وحدك , لا, إن الله لم يخلقك وحدك , وإنما خلق معك كثيرين , ولكل وجهة هو موليها , لكن ما نطالبه نحن , نطالب أن نؤصل لأدب الاختلاف , إن الشافعية في كتبهم يقولون يقول السادة الأحناف , والأحناف في كتبهم يقولون يقول السادة الشافعية , أنا لا أنكر أن هناك تعصبا قد حدث في عصور الجمود والاستبداد السياسي , لكن أصل ما أقوله عندما قال بعضهم لأبي حنيفة:" هل ما تقوله هو الحق لا ريب فيه؟" قال :"والله لا أدري فلعله الباطل الذي لا ريب فيه , هذا أحسن ما قدرنا عليه , من جاءنا بغيره أخذنا به ", هذا أبو حنيفة الإمام الأعظم , لماذا يتعصب بعضنا؟ لماذا يتعصبون ؟ ولماذا تظن أنك تحتكر الحقيقة من أطرافها ؟لا, هذا تقول على الله بغير علم , هذا تقول على تاريخنا وتجاوز له , إن أئمتنا قالوا :" رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب ", وعلماؤنا المعاصرين قالوا:" نلتقي على ما اتفقنا عليه, ويعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا فيه ", والكفار قالوا, والفيلسوف المشهور فولتير قال:" قد أختلف معك في الرأي, لكني على استعداد أن أضع روحي على كفي في سبيل أن تقول رأيك", وهذا عرفناه قبل فولتير , أما آن لنا أن نؤسس لثقافة محترمة يحترم فيها بعضنا بعضا , بعيدا عن التهديد والوعيد والتشنج والعنفوان.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.