بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

فيقولون :" ومن النفوس حرائر وإماء" ,  تتفاوت طباع الناس , فهناك من تغلب عليهم طباع الأحرار , وهناك من تغلب عليهم طباع العبيد , هذا هو معنى من النفوس حرائر وإماء , هناك نفس حرة , وهناك نفس عبدة أمة , و معنى هذا أن العبودية والاستذلال لا علاقة لها باللون ولا بالعنصر , و إنما هي مسألة نفسية , هناك بعض الناس لديهم قابلية للاستعباد,  أو كما قال المفكر الإسلامي الجزائري -مالك ابن نبي -عندما تكلم عن حالة الاستعمار في العالم الإسلامي , تكلم عن مسألة القابلية للاستعمار,  فهناك ناس لديهم قابلية للذل,  ومن النفوس حرائر وإماء , طبعا نحن نريد لنا أن نكون أحرار , و أن نتحرر من طباع الذل والاستذلال , وعندما نتوسع قليلا في الأمر نجد أن كل طليعة لها محور تدور حوله أو تدور عليه , النفوس الحرة تتشبث بالمبدأ , وتدور معه حيثما دار , والنفوس العبدة الأمة الذليلة تتمحور حول المصلحة , وتدور معها حيث دارت. أمير المؤمنين -علي ابن أبي طالب - كرم الله وجهه , له كلمة مهمة في التحولات التي تعتري الناس , عندما تتغير الظروف والأحوال التي حولهم,  يقول رضي الله عنه:"  إذا أقبلت الدنيا على أحد سلبته مساوئه , وأعارته محاسن غيره , وإذا أدبرت عن أحد سلبته محاسنه , وأعارته مساوئ غيره",  هو يتكلم هنا عن بعض النفوس المتلونة المتغيرة التي تتغير وفق الظروف , والتي تميل مع النعماء حيث تميل , والتي تلبس لكل مرحلة لبوسها , فيقول:" إذا أدبرت الدنيا عن أحد سلبته محاسنه وأعارته مساوئ غيره,  وإذا أقبلت عليه سلبته مساوئه وأعارته محاسن غيره", يعني الغبي مثلا إذا أقبلت الدنيا عليه فربما يصبح ذكيا وعبقريا , والذكي والعبقري إذا أدبرت الدنيا عنه ربما يصبح غبيا أو يكثر نقضه وتعداد مساوئه,  في غالب الأحيان هذه الصفة غالبة ورائجة بين الناس , أنهم يتلونون وفق الظروف والأحوال , لكن أصحاب المبادئ يدورون مع مبادئهم , ولا يتلونون , لا يتنكرون لمبدأ ولا يتنكرون لصديق ولا يتنكرون لموقف , لأنهم يتشبثون بمبادئهم أو كما قال أحدهم

 خليل لا يغيره صباح                     عن الخلق الجميل ولا مساء

     لا يتغير مهما تغيرت الأحوال , يبقى وفيا لأصدقائه , يبقى وفيا لمواقفه , والإمام علي -رضي الله عنه - نفسه جاءه أحد المنافقين الذين يتغيرون بتغير الأحوال , فأثنى عليه ثناء كبيرا , فأراد الإمام -رضوان الله عليه- أن يلقن هذا المنافق الصغير درسا لا ينساه , قال له -عندما مدحه وأثنى عليه – قال:" يا رجل أنا دون ما تقول , وفوق ما في نفسك", هو أدرك من لحن خطابه أنه كذاب , فأراد أن يلقنه هذا الدرس , قال له أنا دون ما تقول, مما تقول , لكنني فوق ما في نفسك, فوق موقفك الحقيقي , ما تضمره لي , والناس من يلقى خيرا قائلون له ما يشتهي و لام المخطئ الهبل

 طالما أنت قوي , وطالما أنت في منصبك , وطالما أحرزت جاها أو وضعا اجتماعيا معين فسوف تسمع كل ما تشتهيه , لكن الويل لك إن زال عنك هذا الذي حولك , الذي يقع للناس الناس تفترسه , لأن طباع العبيد هكذا , تجعل الرجل يقبل يد خصمه إن كان قويا , ثم يتنمر عليه إن أصابه ضعف ما , إذن تتضح هذه الأخلاق حول محوري المبدأ و المصلحة,  الأحرار هم الأوفياء لمبادئهم , العبيد هم الذين يجرون وراء مصالحهم ولو على حساب المبدأ , ولو على حساب العقيدة,  ومن النفوس حرائر وإماء , كذلك هناك ميدان آخر تتضح وتظهر فيه النفوس الحرائر من النفوس الإماء , هناك من يغيب عند الفزع , ويكثر عند الطمع عند المغرم , لا تراه وعند المغنم تراه , ويعجبني في هذا قول عنترة -وهو يخاطب ابنة عمه عبلة - يقول لها:

 هلا سألت القوم يا ابنة مالك                               إن كنت جاهلة بما لم تعلم

 يخبرك من شهد الوقيعة أنني                            أغشى الوغى و أعف عند المغنم

     أنا أخوض المعترك وأقارع الأبطال , لكنني أنسحب عند الغنيمة وتوزيع الغنائم , من لنا برجال بهذا المستوى؟ من لنا بنفوس حرائر تترفع على مصالحها الخاصة ؟ وعلى مصالحها الشخصية ؟ , من الميادين التي تتضح فيها النفوس الراسخة والثابتة من النفوس المتلونة , كذلك المظهر والجوهر , هناك من يبهره المظهر , ويقترب أو يبتعد من الناس بناء على مظاهرهم المادية –مثلا- , و تراثنا الأدبي زاخر بالمعاني الجميلة في هذا المجال , اسمع مثلا ما يقول أحدهم يقول:

 ليس الجمال بمئزر         فاعلم و إن رديت بردا

إن الجمال معادن و          مناقب أورثن مجدا

      والآخر يقول:

 لم يدنس من اللؤم عرضه       فكل رداء يرتديه جميل

إذا لم تكن لئيما في طباعك ومنحرفا في سلوكا , فلا يهمك أي لباس لبست , لا يهمك , لكن النفوس الإماء أو النفوس العبدة تراعي هذه المسألة أكثر مما تراعي المحتوى والمضمون , والعرب يقولون:" المرء بأصغريه لسانه وقلبه ",لا بمظهره , وجاء الإسلام وأكد هذا المعنى في أعظم صوره, عندما يقول- صلى الله عليه وسلم - :"إن الله لا ينظر إلى صوركم ,ولكن ينظر إلى قلوبكم , التقوى ها هنا ", وعندما مر عليه رجل ذو هئية و ذو شأن , فسأل الصحابة حوله عن هذا الرجل , فقالوا :" يا رسول الله هذا رجل حري (أي جدير) إن تكلم أن يستمع الناس له,  و إن خطب أن يزوج,  و إن غاب أن يفتقد",  فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم -ثم مر رجل آخر تقتحمه العين , قال :" وما تقولون في هذا؟" ,  قالوا:"  يا رسول الله هذا حري إن تكلم لا يستمع الناس له , وإن خطب لا يزوج , و إن غاب لا يفتقد" ,  فقال -أستاذ البشرية الذي يريد أن تترسخ قيم الأحرار في أمته - , قال لهم :" فو الذي نفسي بيده , إن هذا خير من ملء الأرض مثل ذاك ", وترجمت هذه المعاني في الحياة العملية , دخل أحد المسلمين وهو يلبس عباءة ممزقة على أحد الأمراء , دخل عليه فانكمش الأمير , فقال له الرجل الذي استوعب تعاليم الإسلام , قال له :" لا تنكمش أيها الأمير,  إن العباءة لا تكلمك , إنما يكلمك الذي فيها " , هذه بعض ملامح للقيم الحرة التي ترسخت في المجتمع الإسلامي , مجتمع الله اكبر,  ومجتمع لا اله إلا الله , مجتمع تحرير الإنسان وتكريمه , الإمام الشافعي ينسب إليه أنه كان يقول :"نفسي نفس حر يرى المذلة كفرا ", الانحناء لغير الله , التملق ,النفاق , التذلل -كما قلت من قبل -الدوران حول المصلحة , كل ذلك الإسلام يلفظه , {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} , كذلك من الدوائر والميادين التي تتمايز فيها النفوس الحرة من النفوس الإماء , النفوس الحرة نفوس فرسان لا تعرف الحقد والانتقام من خصمها إذا ضعف , إنما تتحداه وهو قوي,  فإذا ضعف تعف عنه , النفوس الذليلة الإماء هي التي تتملق خصمها وهو قوي , فإذا قويت وضعف , أفرزت مكنونات حقدها عليه , لكن هذا ليس من أخلاق الأحرار , ولا من أخلاق الفروسية , يقول القائل -وهو يمتدح مواصفات معينة للزعامة- , يمتدح نفسه ويميز بينه وبين قومه الذين يغتابونه ويسيئون إليه , لكن يترفع عن ذلك فيقول

ولا أحمل الحقد القديم عليهم                    وليس رئيس القوم من يحمل الحقد

الحاقد لا يصلح للرئاسة أو الزعامة , أنا لا تحركني أحقادي تجاه الآخرين , هذه أيضا نفوس عبيد .

في العصر الحديث أحمد شوقي في سينيته المشهورة يقول :

   إمرة الناس همة                    لا تأتى لجبان ولا تسنى لجبس

إمرة الناس :أي زعامتهم , والمسئولية أي قيادتهم , أو المسئولية عنهم , لا يصلح لها جبان أو جبس :الجبس يعني النذل أو الوغد , لا حقد ولا انتقام , وعندما تقرؤون القرءان الكريم تجدون مستويات رفيعة في العفو, انظر إلى مستوى يوسف -عليه السلام- عندما أستقبل أبويه وإخوته الذين تآمروا عليه{ وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي }, لكنه لم يذكر قصة البئر , لم يتشفى من إخوانه , ولو قال:" وقد أحسن بي إذ أخرجني من البئر" لفتح ملفا أغلق من قديم , لا يريد أن يحرج الآخرين وهو الآن في موقع القوة,  وموقع المسئولية وهم ضعفاء,  كان باستطاعته أن يتشفى , لكن حاشاه هو نفسه نفس حر , لم تكن نفسه نفس عبد , حتى يتشفى من الضعفاء , ما رأيكم لو أنه قال:" وقد أحسن بي إذ أخرجني من البئر",  لأحرج هؤلاء الضعفاء المكسورين بين يديه , لأحرجهم.  كذلك من الميادين التي تميز بين النفوس الذليلة والنفوس الحرة , الفتنة , كيف يتعامل كل طرف معها؟ بعض الناس تراه خاملا بليدا كسولا في دائرة الخير والدعوة إليه , لكنه مجتهد نشيط عندما يرى مجالا للفتنة ولحمل الحطب لإيقاد نار الفتنة

   سريع إلى ابن العم يلطم خده                             وليس إلى داعي الندى بسريع 

  عندما تدعوه إلى الجلة والفضيلة , وهو بطيء الخطى , لكنه سريع في الشر , فعال في الفتنة , متماوت في الخير, ألا ترون هذه النماذج , ينقل الشر سريع على لسانه الفتنة قولا أو فعلا , يبسط يده ولسانه بالسوء , لكن إذا أريد منه أن يقوم بفعل خير هو يعتذر بشتى المعاذير , القرءان الكريم ذكر نماذج لهذه النفوس المتلونة , والتي تتغير بتغير الظروف , اسمعوا هذه النماذج , النموذج الأول وهو تستطيع أن تقيس عليه كل الأوضاع , في سورة التوبة يقول تعالى{ وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} كان النبي -صلى الله عليه وسلم -إذا توفر لديه بعض الصدقات يقسمها بين أصحابه , الغنائم أو ما شابه,  البعض يعيب النبي في القسمة , حتى أن بعضهم تطاول على المقام النبوي , وقال هذه قسمة ما أريد بها وجه الله , من الذي دلك على وجه الله غير النبي ؟{وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } , ترتفع أصواتهم عندما لا يحققون حظوظهم , وأنا عندما أقرأ هذه الآية والله لا أقف فقط عند هذا المعنى القريب, وإنما فورا يقفز إلى ذهني المعارضة والسلطة , عندما يكون أحدهم في المعارضة كيف يكون خطابه وكلامه ؟ وعندما يحقق السلطة كيف يكون خطابه وكلامه ؟, نموذج ثاني في سورة النور , وهو نموذج تستطيع أن تلمسه بأطراف أصابعك في المجتمع , يقول تعالى {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ , وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ } , أنتم قلتم آمنا بالله وبالرسول , فلماذا تعرضون الآن ليس لهم مصلحة في الاحتكام إلى منهج الله , هذه وضحته الآية التي بعدها عندما قال تعالى {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } , هو مع الإسلام إذا حقق الإسلام مصالحه , يأتي مذعن,  إذا عارض الإسلام أهواءه عندئذ يتوقف , ويبحث عن مصوغات هنا وهناك , لاحظ -كما قلت- منذ البدء يدورون حول مصالحهم {أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ , إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } , النموذج الثالث في سورة يحفظها الكثير منكم وهي سورة المطففين {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ , الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ , وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} , إن كان له حق فهو يريد أن يأخذه كاملا غير منقوص , و إن كان عليه الحق هو يساوم ما وسعته المساومة , لكن هل التطفيف -أيها الإخوة- مقصور على الجانب المادي الكيل والميزان , أم أن التطفيف أيضا حتى في الدوائر الأدبية والمعنوية والسياسية والثقافية ؟ لا , هناك تطفيف في كل هذه الدوائر التي ذكرتها , مثلا بعض الناس يريد أن يثنى عليه وأن يمتدحه الناس , و أن يذكروا سابقاته الحسنى , لكن هو بخيل في ذكر الآخرين بالخير , فإذا قيل له الآخرون فعلوا كذا وكذا , عندئذ يصاب بالخرس , لماذا لأنه مطفف , يريد أن يستوفي ما له , ويريد أن يسخر الناس ما لهم هذه نفوس متلونة , وأختم بقصة عبد الله ابن سلام -وهو حاخام رجل دين يهودي- أسلم في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- لكنه كان يخاف من اليهود,  قال :" يا رسول الله إن اليهود قوم بهت , إذا علموا بإسلامي يبهتونني,  فسلهم عني دون أن يعرفوا أنني أسلمت ", فسألهم النبي,  قال:" ما تقولون في عبد الله ابن سلام ؟" , قالوا :" سيدنا وابن سيدنا, وعالمنا وابن عالمنا" , فلما خرج عليهم الرجل , وقال:" أشهد أن لا اله إلا لله , و أشهد أن محمدا رسول الله, وإنني يا معشر يهود قد أسلمت", قالوا :"انه يا محمد سفيهنا وابن سفيهنا, وإنه شرنا وابن شرنا", ما أحوجنا في هذه المرحلة- أيها الإخوة -إلى النفوس الحرائر , فهل سنصنع هذه النفوس ونتحرر من النفوس الإماء ,أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 أيها الإخوة: أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله وطاعته في قوله تعالى  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } , في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ } , فالتقوى تقوى الله خير ما تدخره في ميزانك , وخير بضاعة تتاجر بها مع الله -سبحانه وتعالى- بعد ذلك , في معركة أحد عندما تقرؤها أو عندما تقرأ قصتها في القرءان الكريم , تتسائل ما هي المخالفة التي وقع فيها المسلمون , واستحقوا بناءا عليها ما أصابهم من غم ومصيبة؟ القرءان سمى ما أصاب المسلمين في أحد مصيبة وسماه غما {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } , وسماه مصيبة في قوله تعالى {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } , يجب أن نلاحظ أن القرءان الكريم يلفت أنظار المسلمين دائما إلى نقاط ضعفهم , ويكون واضحا وصريحا معهم , لا يطبطب على أخطاءهم , إنما يبين لهم أنتم أخطأتم في كذا , وأخطأتم في كذا , والسبب كذا وكذا,  ولذلك كانت النتيجة على النحو الذي لا تريدونه {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} , بالله عليك, هل هناك من يحتملك لو قلت له{ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ}  ؟؟ , لو أنك قلت لجهة ما من الجهات المستنفدة الآن أو الموجودة , والله فيكم من يريد الدنيا وفيكم من يريد الآخرة , هل يحتملونك ؟هل يسمحوا لك أن تقول ذلك ؟ الله سبحانه وتعالى وهو يتحدث عن أسباب هزيمة أحد وما لحق بالمسلمين فيها يخاطب خير القرون مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ }, عبد الله ابن مسعود يعلق على قول الله تعالى هذا,  يقول :"والله ما كنت أعلم أن أحدا من أصحاب محمد يريد الدنيا, حتى نزلت هذه الآية ", يذكر لهم الأسباب, المهم فالسبب الكبير الذي أدى إلى هزيمة المسلمين في معركة أحد هو مخالفة من أمرهم النبي ألا يغادروا الجبل , فلما انتصروا في بدء المعركة , ورأوا الغنائم غادروا الجبل, يشاركوا إخوانهم في الغنيمة فلحقت بهم الهزيمة ,هذا هو الخطأ الذي وقعوا فيه , ونياتهم حسنة , وهم مؤمنون صالحون من صحابة رسول الله,  لكنهم استعجلوا وظنوا أن المعركة قد انتهت , وبناءا على هذا استحقوا أن تلحق بهم الهزيمة التي لم ينجو منها النبي -صلى الله عليه وسلم- كسرت رباعيته , وشج وجهه الشريف -صلى الله عليه وسلم- و وقع على جنبه , وكانت هناك بطولات أيضا عظيمة جدا جدا , الشيء الذي خطر لي إذا كان المسلمون وفيهم رسول الله والقرءان يتنزل عليهم خالفوا مخالفة بهذا الحجم , استحقوا هذه العاقبة والنتيجة التي نقرأها ليل نهار في القرءان , إذا قسنا مخالفتهم -أيها الإخوة -بمخالفاتنا نحن,  بمخالفات الأمة اليوم , ماذا تكون النتيجة ؟, النتيجة أننا نحس , أننا نحيا بلطف الله وكرمه ورحمته , و أنه لا يؤاخذنا بما نفعل,  ولو أنه آخذنا بما نفعل كما آخذ صحابة رسول الله على هذا الخطأ , وأذاقهم مس الهزيمة , والقرءان يتنزل عليهم وفيهم رسول الله , أنتم أدرى مني بالنتيجة التي تتناسب مع مخالفاتنا وأخطائنا,  علينا أن نتوب -أيها الإخوة -وعلينا أن نستقيم وعلينا,  أن نستغفر الله, وعلينا أن نتحرر من أخلاق العبيد , وأن نتسم بأخلاق الحرية التي غرسها الإسلام في قلوبنا وصدورنا.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.