بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

نواصل حديثنا عن الذكر , بقيت مسائل في موضوع الذكر,  تحتاج إلى أن نلقي عليها بعض الضوء , الحق- أيها الإخوة - أن الله أرادنا أن نكون أمة ذاكرة وشاكرة, أرادنا أن نكون أمة الذكر , لا أمة الغفلة والذهول والنسيان والعجز والكسل , والقرءان من أسماءه الذكر  {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } , فنحن أمة الذكر , لأننا أمة القرءان,  والله -جل جلاله- يقول {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن }, ويقول تعالى  {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } , وبقدر ما نحيي ذكر الله في قلوبنا وفي سلوكنا نذكر عند الله , ونذكر في دنيا الناس , وبقدر ما نغفل عن ذكر الله وننساه ونذهل عنه , فإن ذكرنا يمحى في الأرض ومن ديوان السماء , لأن الله- تعالى- يجازي الناس من جنس أعمالهم,  فيقول عز من قائل {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }, فان ذكرناه ونحن نطلب النصر نصرنا , ونحن نطلب الغنى أغنانا ورزقنا,  ونحن نطلب الكرامة أكرمنا {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} , أليس كذلك ؟ وعندما نراجع الهزائم التي لحقت بنا في التاريخ والواقع , نجد أن هذه الهزائم لحقت بنا في مرحلة سيطرت علينا فيها الغفلة , وسيطر النسيان و سيطر الذهول في التاريخ والواقع , تأملوا تجربتنا في الأندلس!! في أخريات عهد المسلمين في الأندلس , ابتلي المسلمون بحكام نسوا الله  و ذكروا أنفسهم , فكان الجزاء أن طردوا من هذه الأرض بعد قرون متطاولة مكث الإسلام هناك , ولعلكم تعرفون قصة الملك الذي خرج من آخر مملكة من ممالك الأندلس, وهو يبكي بعد أن وقع صك الاستسلام , وأمه تنظر إليه وتقول له:" ابكي مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه كالرجال",  نسوا الله فنسيهم , قادة في التاريخ والواقع جلبوا الهزائم على أممهم وعلى شعوبهم , يصدق عليهم قول الله تعالى  {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } , نسوا الله , ذكروا أنفسهم , والله يقول عن المنافقين {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} ويحذرنا من نسيان الله والغفلة عنه , فيقول تعالى  {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } , أنساهم ما يصلح شأنهم , أنساهم ..أفقدهم البصيرة , أفقدهم الهدى , وحذرنا من طاعة الغافلين , عباد أنفسهم , الناسين لله {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }, إنهم يجرون عليكم الخراب , ابحثوا عن أهل اليقظة , وأهل الوعي , وأهل الصحو , الذين يفكرون في قضاياكم وأهدافكم -وكما قلت- التاريخ شاهد على أن ما لحق بنا من هزائم إنما كان من جراء الغفلة والذهول والنسيان , والواقع الحديث -كذلك - والسنة الإلهية تؤكد هذا , والله يقول في سورة طه {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً }, والضنك يكون ضنكا سياسيا , واقتصاديا ويكون عسكريا , و يبدو أن الله يحاسب أهل الإيمان به,  بما لا يحاسب به من نفض يده من الإيمان وكفر, أولئك لهم دائرة خاصة من الحساب , قال لي بعضهم :" لماذا لا يرسل الله طيرا أبابيل على اليهود, من أجل المسجد الأقصى؟" ,  قلت له:"  إن الله- تعالى- أرسل طيرا أبابيل , عندما لم يكن هناك حماة لبيته , لم يكن هناك مسلمون , وقال قائلهم إن للبيت ربا يحميه , أما أن يرسل إليكم طيرا أبابيل , و أنتم أكثر من ألف مليون مسلم على وجه الأرض , لماذا لا تكونون أنتم الطير الأبابيل الذي يسلط على هؤلاء ؟" , ما هذا العجز ؟ إن الله –تعالى- جرت سنته أن ينزل نصره وأن يغيث جنده , عندما يأخذون بالأسباب كلها , لكن كرامات الله لا تتنزل على كسالى , على عجزة , على ناسين لربهم , ومنهج ربهم ودينهم , إن ذكر الله يسدد خطاك على طريق الحياة الصحيحة , الله هو الهادي , الله هو الموفق , في كل صلاة نطلب الهداية من الله اهدنا الصراط المستقيم , وندعوا في القنوت اهدينا في من هديت , إن ذكر الله , إن استحواذ ذكر الله عليك , يسدد خطاك على طريق الحياة الصحيحة , مهما كانت الصعاب والعقبات , إن ذكر الله عندما يملأ قلبك , يبصرك بالرسالة التي ينبغي أن تعمل من أجلها , وبالوظيفة التي خلقت لها  {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } , إن القلب الذاكر لله قلب مشرق بالنور , والقلب الغافل عن ذكر الله قلب مظلم , كما جاء في الحديث " حتى تعود القلوب الى قلبين, قلب أسود من تراكم الذنوب عليه , وتراكم الغفلات , لا يعرف معروفا , ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب في هواه , وقلب أبيض كالصفا لا تضره الفتن ما دامت السماوات والأرض " , انظر إلى البيت المظلم الذي انقطع عنه التيار , كيف يكون ؟ وانظر إلى البيت التي تشرق في أرجاءه الأنوار , ذكر الله- يا أخي- يسدد خطاك , ذكر الله يبصرك بوظيفتك , ويلهمك رشدك لتحقيق أهدافك , ذكر الله يرفع مستوى العبد الى الملأ الأعلى , يرفع مستواك المادي والأدبي , ذكر الله يحيي ضميرك , ويجعلك تعيش دائما في حالة من الصحو , وحالة من الوعي , حالة من اليقظة والشهود والإحساس بوجود الله , وبرقابته وبحضوره الذي لا يخبوا سناه وضوؤه على ذرة من ذرات الكون{ اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} , هو القيوم , القائم على كل نفس بما كسبت , أن تستشعر عظمته وجلاله وحضوره  {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } , عندما يستولي ذكر الله على أقطار نفسك , ينشئك خلقا آخر , خلقا وسلوكا وأهدافا , و وسائل وعملا , أنت صفر تافه لا قيمة لك بغير ذكر الله , لا قيمة لك , من أنت إن تخلى الله عنك ؟, من أنت إن خذلك الله ؟{ إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} , {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ } , الذين صنعوا التاريخ , وصنعوا حضارتنا وحررونا وحققوا لنا استقلالنا وحافظوا على هويتنا , كانوا قوما ذاكرين لله , ناسين لأنفسهم , لا يخضعون لغير الله , لأنهم قوم موحدون ويعرفون أنه الملك{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء },                     

 

يا من ألوذ به فيما أأمله                                   ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره                         ولا يهضون عظما أنت جابره

 نولي وجوهنا إليك في آمالنا , نلوذ بكنفك و جنابك لتحقيق ما نامل به,  أو نأمل فيه ونرجوه , ونعوذ بوجهك وجلالك مما نحاذره , ونخاف منه , لأننا نقرا في كتاب ربنا {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } , يا إخوتي في الله , ذكر الله يحتاج منا الى إعادة نظر ,  أنا لا أهون من الذكر باللسان , قل : لا حول ولا قوة إلا بالله,  قل:  سبحان الله العظيم بلسانك , إن أصبحت فقل : أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله لا شريك له,  إن أمسيت فقل : أمسينا وأمسى الملك لله والحمد لله لا شريك له , هناك كتب مطولة في الأذكار والصيغ , لكنني أقول أن الذكر باللسان وحده , والقلب في واد آخر لا يكفي , أن يكون اللسان رطبا بذكر الله شيء جيد وعظيم , لكن تعالوا معي إلى جملة من الآيات , لنرى كيف تحدث القرءان عن ذكر الله ؟ وماذا يعني به ؟ إن الله - تعالى - يذّكر الرافضين لوجوده الشاكّين بحقيقته بقوله  {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ , لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } , هذا ذكر الله لمن تشكك في الوجود الأعلى, ولمن تسربت إلى قلبه الشبهات , {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ , لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } من يتوجهون لغير الله طلبا وسؤالا وعبادة , فيشركون مع الله الآخرين , يقول الله- تعالى- لمثل هؤلاء , وهذا ذكر لله  {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ , وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ , بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ } , هذا ذكر الله للمتشكك والمشرك , عندما نقرأ قل الله تعالى{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ } , ما المقصود بذكر الله هنا ؟ المقصود أن تتذكر حق الله في المال , أن تتذكر أمر الله في مالك , و أن تتذكر وعده لك إن أنت نفذت هذا الأمر , لأن الله يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} , ثم {أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم }, الذكر هنا هو النفقة , الذكر هنا هو أداء الزكاة وإخراج حق الله المالي لمستحقيه, فأن تتذكر أمر الله , و أن تتذكر وعده بأنك إذا أنفقت فسوف ترتد إليك هذه النفقة,  و النبي -صلى الله عليه وسلم-  يحلف أنه:"  ما نقص مال عبد من صدقة " , والقرءان يقول {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } , فذكر الله هنا , ركن من أركان الدين , ذكر الله النفقة,  هل تظن أنك إذا كنت كازّا بالمال , بخيلا شحيحا , هضمت حق الله في مالك , و شحت بوجهك عن المحتاجين , هل تظن أنه ينفعك همهمة باللسان أو طقطقة على السبحة ؟ كلا , إن ذكر الله -هنا - أن تذكر أمره,  و أن تتذكر وعده , و إن تخلفت عن ذلك يا سيدي , و بخلت بهذا المال وعضضت عليه,  وكنت كازا به , إنك عصيت أمر الله , وأنكرت وعده , ثم همهمت بلسانك , فهل تظن أن ذلك يغني عنك من الله شيئا , إن الله- تعالى- يذكرنا بحقوق هؤلاء {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ , وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } , عندما تنظر فترى جيبك مملوءا وخزائنك مملوءة , هل تتذكر حق الله عليك ؟ هذا هو الذكر,  أما أن تلجأ إلى نافلة هنا ونافلة هناك لا تكلفك شيئا, إما أن تلجأ إلى السبحة والهمهمة والطقطقة , فما أظن أن هذا هو الذكر المقصود , و أنا- كما قلت- لا أهون من ذكر اللسان , لكن هذا هو منطق القرءان , {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} الغني الذكر الواجب عليه أولا وبالذات أن يبسط يده للفقراء , ولو صلى مئات الركعات , ولو صام مئات الأيام نافلة , و لو انبرى لسانه وهو يهمهم , لكنه بخيل بحق الله كاز على الفقراء والمحتاجين أنى يكون ذاكرا , إنه غافل,  إنه يمارس الغفلة والنسيان والذهول {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ , فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ , وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} , الذاكر هو الذي يتسلل من هنا وهناك بحثا عن بيوت الأيتام والمساكين والأرامل  ليعطيهم حقوقهم,  ليمسح على رؤوس الأيتام,  {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ }, ما هو اقتحام العقبة ؟ هل هو أن تعلق السبحة في يديك صباح مساء ؟ {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ , وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ , فَكُّ رَقَبَةٍ , أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} , هذه الآيات تتحدى أهل التدين الفاسد الشكلي الصوري {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} , هذه الآيات الفيصل بين التدين الصادق والتدين الصوري {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ , وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ , فَكُّ رَقَبَةٍ , أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ , يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ , أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ , ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} , حتى تعرف نفسك , هل أنت ذاكر ؟أم غافل؟  ماذا تفعل في مثل هذه الحالات ؟ عندما يقول الله تعالى  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } , {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } , ماذا يعني ذكر الله هنا ؟ إن ذكر الله هنا يعني الثبات في المعركة , يعني العمل على توحيد الجبهة , يعني العمل على إنهاء النزاع , فإن كنت سببا من أسباب النزاع المجتمعي , و إن كنت تغذي مشاعر الانقسام في جبهتك الداخلية فأنت غافل , لست ذاكرا لله , إن ذكر الله هنا أن تعمل من أجل الوحدة , و أن تعمل من أجل تمكين جبهتك الداخلية , و أن ترفع روح المجتمع المعنوية ليثبت أمام التحديات , هذه الآيات مفردات ذكر الله ,  ليس معناها الهمهمة . يقال أن الزعيم المصري التاريخي -احمد عرابي - يقال أنه كان درويشا , و أنه قبل معركة التل الكبير مع الانجليز , أقام حضرة ذكر , عقد حضرة ذكر قبل المعركة المشهورة -معركة التل الكبير- لينتصر, لكنه هزم بعد ثلث ساعة من بدء المعركة , لأنه لم يأخذ بالأسباب المطلوبة , استحضار عظمة الله في ميدان المعركة هو الذي يجعلك تثبت ويجعلك تزهد في أهداف الحياة الدنيا,  فتعمل تتنازل عن حقوقك , تؤثر غيرك,  فتطيع الله ورسوله  وتنهي التنازع إن كان هناك تنازع , لتبقى ريحنا قوية,  أما والله إن اكتفيت بذكر الله , باللسان بلا حول ولا قوة إلا بالله وسبحان الله وإنا لله وإنا له لراجون على أهمية هذه الصيغ الذكرية باللسان , فأنت تذكر الله كما أراد القرءان , هناك موطن آخر من الذكر الإلهي,  قد يهمس لك أو لي الشيطان , ارتكب هذه الحماقة  , إن  كنت موظفا مديرا , إن كنت مسئولا , إن كنت في أي دائرة من الدوائر ارتكب هذه الحماقة , افعل هذا الشر,  أسقط في هذه الشهوة , هنا يأتي دور ذكر الله , هل ذكر الله يحول بينك وبين هذه الحماقة وهذا الشر؟ أم لا ان الله يقول{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }, هب أن ضعفك قادك للمعصية , و أنك اخترقت ذكر الله , وفعلت ما فعلت , يأتي ذكر الله في مستوى آخر{ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} , فذكر الله يحجبك عن المعصية ابتداء , و ذكر الله يقودك إلى التوبة والاستغفار انتهاء  {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } , دائرة أخرى وأخيرة في ذكر الله -تعالى - إن ذكر الله ينبغي أن يمنحك القوة والطمأنينة والسكينة , هل تذكرون النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو في الغار عندما طمأن صاحبه وصديقه -أبا بكر الصديق -{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } , ينبغي إن أحاطت بك شدة , فقر, هزيمة , مرض أن يطمئن قلبك بذكر الله {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ , وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً } , لماذا لا تتوكل على الحي الذي لا يموت ؟ لينزل السكينة على قلبك , ويرزقك الطمأنينة والثبات ورسوخ القدم , اللهم أعنا على شكرك وذكرك وطاعتك وحسن عبادتك ولا تجعلنا من الغافلين , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 فما دمنا في الحديث عن الذكر والغفلة , أريد أن أتلوا على مسامعكم آيتين  من سورة إبراهيم وآيتين من سورة الجاثية لنرى أين نحن ؟ وأين تقف أمتنا ؟ هل نقف في دائرة الذكر ؟ أم الغفلة ؟ .في سورة إبراهيم يقول الله تعالى {اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ , وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } , كم مرة ترددت كلمة لكم في هاتين الآيتين هذه الأمور التي عددها الله -سبحانه وتعالى- وسخرنا لنا في واقع الأمر , ما حظنا منها , لمن الشمس والقمر أبحاث الشمس والقمر من يقوم بها, السماوات والأرض من يتأملها ويتدبرها, البحار والأنهار من يخوض عبابها , من الذي يسيطر على السماء والأرض والبحر والأرض ؟ المسلمون الذين خاطبهم الله في آيتين اثنتين خمس مرات لكم ؟ لكن من غفلتهم ومن ذهولهم ونسيانهم ليس لهم من الأمر شيء , هم يبحثون في القمر عن الماء , ونحن مهددون بالعطش , هل استثمرنا مقدراتنا وما أودع الله في بلادنا من إمكانات , هل اكتشفنا قوانين المادة كما فعلوا هم ؟ إن هذا القرءان الذي تلوته عليكم لم يتنزل عليهم , إنما تنزل علينا , إن القرءان الكريم لم يقل لهم هم لكم , وإنما قال لنا نحن ويقول الله تعالى في سورة الجاثية  {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ , وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } , هل يتفكروا المسلمون هل يتعرف المسلمون على دورهم وعلى وظيفتهم وعلى رسالتهم في هذه الحياة ليستأنفوا ويستردوا ما ضاع منهم ليكونوا كما قال الله لهم كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ .    

  

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.