بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

فيقول الله تعالى  {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } , ذكر الله أكبر من كل شيء , تأمل في العالم الآن:  سبعة آلاف مليون إنسان سواي وسواك , من يطعمهم ؟ من يرزقهم ؟ من يملك سمعهم و أبصارهم ؟ من يرقب دقات قلوبهم ؟ ويحصي أنفاسهم ؟ ويجري الدم في عروقهم ؟ إنه الله , وعندما تستحضر عظمة الله, وتستشعر هيبته وقدرته , و تتأمل مظاهر أسماءه الحسنى وتجلياتها,  تضؤل القوى الهائلة في نظرك , لأن القوة لله جميعا , ويتلاشى العلم الواسع مع علمه سبحانه وتعالى{ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }, وتحس أمام عظمته و أمام جماله وجلاله وهيبته وكماله أنك صفر في هذا الكون الواسع والممتد {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } , ذكر الله غذاء الروح والقلب , ودواؤه ونوره وحياته وسلاحه , القلب الذي لا يذكر الله ولا يستشعر عظمته قلب ميت , قلب جامد , قلب قاس , والله- جل جلاله- يقول: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ}, و الأحياء هنا أحياء بالذكر, أحياء بالإيمان,  بذكر الله تستدفع الآفات , وتنكشف الكربات , و تهون المصائب , عندما تستحضر عظمة ربك وقوته تهون المصائب مهما كانت شدتها أمام عينيك , يقول القائل الذي ملأ الإيمان واليقين قلبه يقول :     

  الهول في دربي وفي هدفي                              و أظل أمضي غير مضطرب

 ما كنت من نفسي على خور                              أو كنت من ربي على ريب

 ما في المنايا ما أحاذره                                    الله ملئ القصد و الأرب           

  إذا كان الله هدفك , و إذا كان الله غايتك,  فما في المنايا ما تحاذره,  ذكر الله -أيها الإخوة المؤمنون-  أشرف ما يخطر على البال , و أطهر ما يجري على اللسان , و أشرف ما يتألق به عقلك الواعي,  أو ما يستقر في عقلك الباطن , بذكر الله تحيا القلوب , وتستنير العقول , و من الله نستمنح القوة , و نستمنح المعرفة , و نستمنح الخير والرزق , وبغير هذا الذكر و بغير هذا الاستحضار نحن أصفار -أيها الناس - لا قيمة لنا, والذكر في حقيقته ليس كما يظن كثير من الناس هو الوقوف عند الهمهمة باللسان , و إن كان ذكر اللسان مطلوب -كما سنرى - لكن الذكر في حقيقته , هو استحضار واستشعار لجلال الله وجماله وكماله , و هو إدراك لهيبته -سبحانه وتعالى - وقدر له حق قدره , اللاغون  اللاهون العابثون هم الذين لا يقدرون الله حق قدره يقول تعالى  {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ , مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } , ويقول جل جلاله  {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } , وذكر الله عبادة ليست مؤقتة بوقت محدود , إنما هي العبادة الدائمة , ما قيمة عبادتك في أوقات محدودة إذا خلا قلبك بعدها من الله؟  ذكر الله عبادة دائمة ينبغي أن تصاحب الإنسان بالغدو والآصال , تمتزج بنبضات قلبه, تمتزج بروحه, تمتزج بأنفاسه , عندما جاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال له يا رسول الله :" إن شرائع الإسلام كثرت علي,  فمرني بأمر أتشبث به",  فقال- صلوات الله وسلامه عليه- :"لا يزال لسانك رطبا بذكر الله ", وضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مثلا لمن يذكر الله , ومن لا يذكره , فقال- عليه الصلاة والسلام -:" مثل الذي يذكر ربه , والذي لا يذكر ربه , كمثل الحي والميت ",الذكر روح الأعمال , والأعمال بلا ذكر هي جسد خاوي لا قيمة له , و أنت تستمد قوتك ومعرفتك وغناك من الله رب العالمين , فالذكر عبادة دائمة ينبغي أن تصاحبك في كل لحظة من اللحظات , وإلا كنت من الغافلين , ليست عبادة محدودة ومؤقتة , واسمع ما يقول القرءان الكريم وهو يتكلم عن العبادات التي تعرفونها , يقول -جل جلاله -عن عبادة الحج {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً }, لم ينته الذكر بالعبادة المعروفة , وإنما تنتهي العبادة لتبدأ عبادة الذكر التي تكلأ الإنسان وتحيط به , {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً },  ويقول تعالى{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ }, ويقول جل جلاله عن صلاة الجمعة  {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } , إذا الذكر ليس محصورا في العبادات التي نعرفها,  و إنما هو عبادة ممتزجة بروح الإنسان ودمه ولحمه ووقته , و إلا كان الإنسان غافلا وكتب مع الغافلين,  ووالقرءان الكريم دعانا -أيها الإخوة - لأن نستشعر هذه العظمة , و أن نستحضر هذا الجلال وهذا الكمال دائما , ليحول بيننا وبين الضعف,  ليحول بيننا وبين اليأس , ليحول بيننا وبين الجهل , ليحول بيننا وبين المعصية , واسمع ماذا يقول الله تعالى في كتابه الكريم  {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } , تتراكم الذنوب على القلوب , وتقسو ويغفل الإنسان, يغفل عن بداياته , ويغفل عن نهاياته , ويغفل عما بينهما , ما مبدئك ؟ما هي وظيفتك في الحياة ؟ ما هو مصيرك ؟ إلى أين ستصير؟ هل مهمتك ووظيفتك في الحياة أن تأكل و أن تشرب و أن تتناسل ؟ وانتهى كل شيء , هذه غفلة غليظة ويقول تعالى  {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ , اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } , هذا هو حقيقة الإيمان -أيها الإخوة -أينما تحركت,  أينما وجدت , لابد أن يكون هذا المعنى حيا في ضميرك , و إلا فأنت ميت الضمير , ميت القلب. إن من أهم مشكلاتنا الاجتماعية والدينية : موت الضمير , الضمائر الميتة لا يراقب أحد فينا نفسه , إن استشعار عظمة الله  و إن استحضار هيبته,  و إن استذكار جلاله وجماله وكماله وصفاته الحسنى تملؤك قوة ويقينا, فلا تضعف أمام أي قوة مهما كانت هائلة  {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ , هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ , هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } , {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى , لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى , وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى , اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } , إن استحضار عظمة الله في حياتك , إنها تمدك بسلاح المقاومة للضعف والعجز والخنوع,  تدفعك لمزيد من العلم واليقين , إن كنت متكبرا تدفعك إلى الافتقار والانكسار أمام الله -سبحانه وتعالى- وبين يديه , إن كنت فقيرا, إنها تملؤك غنى , إن كنت ضعيفا , إنها تمنحك القوة, استحضار هذه العظمة , ولذلك إذا رجعت إلى القرءان الكريم, و رأيت خطابه للنبي -صلى الله عليه وسلم -في العهد المكي, ترى أن هذه المعاني قد تكررت كثيرا لتشحن المؤمنين الذين كانوا حول النبي -صلى الله عليه وسلم -بالقوة , ولتملأ قلب النبي يقينا بما آتاه الله  {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً , وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً , وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } , هكذا يخاطب النبي في العهد المكي , وهو يواجه طواغيت قريش , كيف سيواجههم ؟ باستحضار العظمة الإلهية , باستحضار الجمال والكمال الإلهي  {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ } , {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً , وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } , ذكر الله سلاحك كلما ادلهمت عليك الأمور , إن من يستحضر ذكر الله لا ينكسر ولا يضعف , أنت تضعف وتنكسر عندما تغفل عن الله- سبحانه وتعالى- , وعندما تغفل عن ذكر الله , ولذلك جاء هذا القرءان بهذا الحث على ذكر الله -جل جلاله - وما له عليك من حقوق , وتجد القرءان أيضا يحذرنا من الغفلة والنسيان ومن القسوة , و أن نستجيب لأولئك الغافلين , يقول الله- تعالى - انظر هذا التهديد الشديد للمعرضين عن ذكر الله {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } , والذكر- هنا- الاستحضار والاستشعار بعظمة الله,  أن تستشعر أن هناك ملكا كبيرا , و أن هناك مهيمنا على هذا الكون , الملك القدوس السلام المؤمن , أن تتأمل أسماءه الحسنى , وصفاته العظمى , وتجليات هذه الأسماء وهذه الصفات في هذا الكون الذي أنت جزء صغير فيه {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى , قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً , قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى , إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً , كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً , مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً , خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً } , هذا عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة , الوزر والخلود في العذاب وساء حملا , وفي الدنيا الحياة الضنك , ومن يسمع هذه السورة ثم يوغر في الإعراض عن الله,  اسمع وهو يصور لنا حال المعرض عن الله, وتأمل حولك -يا أخي- تأمل نفسك عندما تعرض عن الله مع هذا النموذج الذي يعرضه القرءان  {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } , نظرت, هل تأملت جيدا عندما تعرض عن ذكر الله فتهمل الصلوات وتهمل تلاوة القرءان , و تهمل التسبيحات المستحبة , وتنسى يغلف قلبك بحب الدنيا , ويغلف قلبك بالأحقاد والكراهية , وتخطط لحياتك ولمستقبلك المادي , وكأنك ستعيش أبد الدهر , إلام تقودك هذه الأحوال كلها , {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } ما الذي يدفعني إلى أن أنسى الذكر أو تنسى ذكر الرحمن , من ؟ ما الذي يدفعك ؟ ما هو  ؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } , ولماذا يتلهى الإنسان بماله وولده عن ذكر الله ؟ انه يبتغي الربح , لكن الله يقول لا ربح هناك , الربح في ذكر الله, {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وعندما تكلم الله تعالى عن الذاكرين , مدح هؤلاء الذاكرين وذكر صفاتهم و إذا هم في الدرجات العليا , إن الله -سبحانه وتعالى - وصف الذاكرين بأنهم هم المؤمنون حقا , في سورة الأنفال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }, إنهم يخافون الله في السر والعلن , تهتز قلوبهم لله وحده , ولا تهتز لمال ولا لجاه ولا لمنصب , إن الخوف من الله وحده,  و إن الطمع في الله وحده , و إن الرجاء في الله وحده , و إن الأمل في وجه الله وحده,  هذا هو تعريف المؤمنين , {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ }, جربت أن تسأل نفسك و أن أسال نفسي- أيضا- هل نحن في هذه الدائرة؟ ما هي أحوالنا عندما يذكر الله؟ هل تمر الأمور مرورا عابرا, أم أننا نتغير, وذكر الله يغيرنا وتوجل قلوبنا, هذه هي مواصفات المؤمنين, هذه صفة , صفة أخرى: إن الله -سبحانه وتعالى -وصف الذاكرين بأنهم أولوا الألباب أولوا العقول المتألقة  {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ , الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} , وكان -صلى الله عليه وسلم- كما قالت عائشة: يذكر الله في كل أحيانه هم أصحاب العقول{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ , الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ}  الذاكرون هم أصحاب العقول المتألقة ربما تزل قدمك ربما تزل قدمي أيضا فماذا نفعل نعود إلى دائرة الذكر  {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } , وهذه صفة من صفات المتقين وهم مؤمنون أولوا الباب متقون {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ , الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ , وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } , وهم المجاهدون -أيضا - وهل تملك أن تجاهد؟ أو أن تقاوم وأنت لا تستحضر عظمة الله ولا تذكره؟  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } , أي لعلكم تنتصرون , ما الجزاء الذي ادخره الله للذاكرين -أيها الإخوة-؟ ما الجزاء هناك؟  جزاء كبير يكفيني ويكفيكم ويكفي البشر جميعا  رفعة وعزة , أن الله  وعدنا عندما نذكره أن يذكرنا,  فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ , بالله عليك يا أخي لو أن أحد الناس أبلغك أن فلانا صاحب المنصب , أن الرئيس , رئيس الوزراء , أن الملك قد ذكرك في مجلسه بخير, وقال أن فلان كذا وكذا , كيف يكون شعورك ؟ بالله عليك , هذا ضعف إيمان,  ضعف يقين , هذا الذي ذكرك رئيسا كان أو رئيس وزراء أو ملك , هو قد لا يفي بما وعد, وقد يموت مباشرة بعد ذكره لك , فلماذا تفرح بهذا الذكر؟ ثم لا تتحرك مشاعرك عند ذكر الله؟  لماذا؟  إن الله يقول {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } , اذكروني بفقركم أغنكم , اذكروني بإنكاركم أجبر خواطركم , اذكروني بذلكم بين يدي أكتب لكم العزة , أرفعكم أقويكم أغنيكم  {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } , فالذاكر يذكره الله , والذاكر يطمئن الله قلبه,  وينزل عليه السكينة , الفقير الذي يقلقه الفقر , الذي يخاف من المستقبل وما يحمل إليه , الذي يحزن على الماضي وما فاته فيه,  كل ذلك يتبدد عند ذكر الله 

ولي بالله إيمان وثيق                          فمن لكم بإيمان وثيق

قويت به فما أعيا بعبء                   ولا اشكوا عثارا في طريقي

ولا أخشوا المضرة من عدو             ولا أرجو المبرة من صديق

     هذا هو الإيمان,  النافع الضار هو الله -سبحانه وتعالى- الله مانح القوة, مانح المعرفة , الله هو مانح الغنى وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً , نسأل الله -سبحانه وتعالى -أن يجعلنا وإياكم من الذاكرين الله كثيرا , و أن يحول بيننا وبينكم من الغفلات , وألا يجعلنا من الغافلين , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

فمنذ خمسة وسبعين عاما زار فلسطين أمير من أمراء العرب , يطمئن على الفلسطينيين في بدايات الحركة الصهيونية,  لكن كان الخطر قائما في فلسطين , وكانت الهجرة الصهيونية على قدم وساق , والمناوشات هنا وهناك,  فجاء هذا الأمير قبل خمسة وسبعين عاما , فوقف بين يديه الشاعر الفلسطيني الشهيد والمشهور- عبد الرحيم محمود - وقال له:                                

يا ذا الأمير أمام عينك شاعر                   ضمت على الشكوى المريرة أضلعه

المسجد الأقصى أجئت تزوره               أم جئت من قبل الضياع تودعه 

وغدا وما أدناه لا يبقى سوى                 دمع لنا يهمي وسن نقرعه

      وصدق,  هذا قبل خمسة وسبعين عاما , تذكرت هذا- و أنا-  أقرأ أوراقا ومنشورات وملصقات تتحدث عن الخطر الذي يتهدد بيت المقدس , بعض هذه الملصقات تقول مقدساتنا في خطر,  أغيثوها,  شكرا لكم , الخطر جاثم منذ قبل خمسة وسبعين عاما , القدس والمسجد الأقصى , باختصار لا يحتاج المزيد من الشعارات والمزايدات والحزبيات والمباهاة , يحتاج عمل جاد , كيف صنع اليهود عندما عادوا إلى فلسطين ؟ وعندما لجئوا إلى فلسطين , كيف صنعوا أنهم جمعوا أنفسهم  بعد الشتات الطويل , إنهم أحيوا التوراة واللغة العبرية , إنهم عملوا على امتلاك القوة والمعرفة وامتلكوا إرادة القتال , لم يأخذوا فلسطين بالأحاديث الجانبية , أو على طاولة مفاوضات أو ما شابه ذلك , لا  , قاتلوا , وحدوا أنفسهم,  أحيوا هويتهم , عشرات الجنسيات في دولة الكيان , في دولة اليهود , ذابت في التوراة واللغة العبرية , لماذا نحن عاجزون عن توحيد أنفسنا ؟ وعن استنهاض هويتنا ؟ نوحد صفوفنا نحيي الإسلام فينا , نحيي القرءان فينا,  نحيي اللغة العربية,  أنا ألاحظ على طلابي في الجامعة , و أنا أتحدث باللغة العربية أنهم لا يفهمون عني ما أقول , فكنت أقول لهم إن استمر هذا الحال إلى ربع قرن قادم,  فسوف نحتاج إلى من يترجم اللغة العربية , من يطالع كتب التراث ؟ من يقترب من كتب التاريخ ؟ , لقد قال لي أحد المثقفين الكبار : لماذا تشتغلون أنتم المسلمين بالماضي ؟ قلت له:"   وأي ماضي هذا ؟ قال:  تستشهدون بعمر ابن الخطاب , بخالد ابن الوليد,  بصلاح الدين الأيوبي,  قلت:  هذا الاعتراض علينا نحن فقط أم على الآخرين أيضا , قال :الواضح أنكم انتم الذين تشتغلون , قلت ومن الذي يتكلم عن ثقافة سقراط   وأرسطو قبل الميلاد ؟ , ومن الذي يتكلم عن شكسبير وعن شوسر وغيرهما ؟ من ؟ لماذا إن تكلموا عن رموزهم في الماضي ؟ هم على حق , ولا يعترض عليهم أحد , وعندما نتكلم عن قياداتنا وعن زعاماتنا , أنا ضد الغرق في الماضي

بلا شك , لكن لابد من النظر إلى الماضي , قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ  لابد أن نعرف الحضارات التي قبلنا , لماذا سادت ثم بادت؟ لماذا سقط من نهض ؟ و لماذا نهض من سقط ؟ هذه السنن و هذه القوانين , لا أمل من تكراري لومي و عتبي على قوانا السياسية و الحزبية التي لا تبذل الجهد الكافي لتثقيف أبنائنا , لا يبنغي أن يكون أبناؤنا فقط هتافين أو كتاب شعارات  أو ملصقي صور هنا و هناك  , لا بد أن نعرف تاريخنا, إنهم استحضروا تاريخهم – الإسرائيليون – كذبا صدقا زورا حقيقة , هذه مسألة أخرى ’ لكنهم  استحضروا تاريخهم , وحدوا صفوفهم ,  و أحيوا هويتهم و عملوا ليل نهار من أجل امتلاك القوة  و المعرفة , نحن اليوم مطالبون بذلك –أيها الإخوة الأعزاء - , من أراد أن يستعيد القدس , فلابد أن يستعيد وحدته و لا بد أن يستعيد هويته , و لا بد أن يعمل لامتلاك القوة و المعرفة , و لا بد أن يمتلك إرادة القوة و القتال . في كل دولة عربية جيش و وزارة دفاع , و رتب عسكرية و خبراء عسكريون , أعرف أنكم تعرفون , لكن لابد أن نذكر بعضنا , لمن تعد هذه الجيوش , إن لم تعد لمواجهة اليهود في بيت المقدس , لمن تعد ؟ هؤلاء العسكريون الذين يطلون علينا بين الفينة و الفينة , أنا أعتقد أن بيت المقدس و أن فلسطين و أن المسجد الأقصى لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات  , يحتاج إلى مزيد من العمل و الجهد , و التواضع و الصدق , يحتاج إلى أن نخفف من حزبياتنا و من ذاتياتنا , و من أنانيتنا و من عبادتنا لأنفسنا , أن ننطلق دعاة للوحدة و المحبة و الإيمان , إن ننطلق دعاة لإحياء الإسلام في أنفسنا و في سلوكنا و في مجتمعاتنا ,  كما أحيا هؤلاء التوراة و اللغة الميتة اللغة العبرية , و أذابوا الناس فيها, و وضعوا نجمة داوود و رموز و شعارات دينية كثيرة و أسماء مناطق و أسماء شوارع و رموز هنا و هناك , إننا نريد من قادتنا و زعماء جيوشنا أن يتوجهوا الوجهة الصحيحة , أما أن تبقى المسألة مسألة شعارات و أن نتناولها نحن الفلسطينين أيضا , فهذا ملا يجدي نفعا.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.