بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

 

فأريد أن أتكلم في موضوع أرجو أن تنتبهوا له و أن تهتموا به ,  دائرة الأخلاق في الإسلام تشمل أمرين,  تشمل الأخلاق الحسية : كالحياء , غض البصر , الصدق,  وتشمل الأخلاق الفكرية التي تتعلق بالعقل , وطريقته في التفكير , وكذلك الأخطاء , هنالك أخطاء في الدائرة الحسية كالنظرة المحرمة , كالسرقة,  كشرب الخمر , هذه أخطاء في دائرة الأخلاق الحسية , وهناك أخطاء في الدائرة الفكرية كالتشدد , التعصب , القول على الله بغير علم , تقحم أمور أنت لست مستعدا لها,  الأخلاق الفكرية هي مرتبطة بالعقيدة , بهداية الله , بنظرة الإسلام للكون والإنسان والحياة , وهي الأساس للحياة المستقيمة , قال الله تعالى { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }, وإذا تحرر المجتمع , الفرد والجماعة , إذا تحرر من الخوف والحزن , معنى هذا أنه امتلك الاستقرار , وامتلك السعادة  , أخطر ما يهددك ويهددني كفرد , و أخطر ما يهدد المجتمع أن يسيطر عليه الخوف والحزن , الخوف من المستقبل , والحزن على الماضي , هذا شيء خطير جدا يقتل لدى الإنسان الفرد ملكات الإبداع , و يهدد كيانه المعنوي والمادي- أيضا - وكذلك بالنسبة للمجتمع {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى , وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} , ما قيمة هذه الأخلاق الفكرية التي تقوم على أساس مهم وأساس عتيد هذا الأساس هو التحرر الفكري وحب الحقيقة لاحظ معي جيدا التحرر الفكري هنا الذي يمكن عقلك من ان يعمل بكل ما أودع الله فيه من قوى دون أي ضغوط لا تبعية ولا تقليد ولا ظن ولا أوهام ان الظن لا يفني من الحق شيئا  {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } , لا تبعية ولا تقليد ولا ظن وأوهام, التحرر الفكري يجعل عقلك يمضي في البحث والتأمل دون أي ضغط , وهذا أساس من أسس التربية الإسلامية للكيان العقلي والروحي للإنسان , كذلك حب الحقيقة , يمثل دافعا مهما للسعي الحثيث من أجل إدراك الأمور على ما هي عليه. في الدعاء المأثور :" اللهم أرنا الأمور على ما هي عليه " , من العاهات التي تصاب بها المجتمعات والأفراد , أن يصابوا بعمى الألوان, بالضبابية في التفكير , لا يرون الأمور على ما هي عليه , ولذلك لن تجد في العالم كله أشد وفاءا للحقيقة من المسلم  عندما يعيش الإسلام حقيقة , لماذا ؟ لأن المسلم هو الشخص الوحيد الذي يقف بين يدي الله مرات عديدة في اليوم الواحد, ليقول  {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ } , حب الحقيقة , الوفاء للحقيقة,  يقول الله تعالى{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }, احترم عقلك , لا تقتحم ميدان أنت لست متخصصا فيه {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } , من الأخطاء الفكرية أو الإنحرافات في دائرة الأخلاق الفكرية , القول على الله بغير علم ,  {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } , نسمع وعاظا ودعاة يتحدثون عن تحريم الخمر- مثلا - إذا شرب الخمر انحراف أخلاقي في الدائرة الحسية , لكننا لا نسمع الا قليلا من يتحدث عن محرم القول على الله بغير علم , أن تتقحم أنت أمرا لا تجيده, أن تتنطح لأمر أنت لست متخصصا فيه , {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } , حسن الحوار من الأخلاق الفكرية الإسلامية , عندما يضيق صدرك بالأخر,  فأنت منحرف عن الأخلاق الفكرية , هنا في خطأ فكري , في خطأ في الأخلاق الفكرية,  لكن الناس يرفعون لواء الأخلاق الحسية فقط , وسنرى نهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في علاج الأمرين , كيف ؟ حسن الحوار,  التسامح الفكري , { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ }  نحن في هذا المسجد لا يشبه أحد أحدا,  لا في الصوت ولا في الصورة ولا في السمع ولا في البصر , فإذا تعايش الناس وهم مختلفون صورة وسمعا وبصرا , فلماذا لا يتعايشون وهم مختلفون اجتهادا وفكرا وعقلا ؟ لماذا ؟ وجهي لا يشبه وجهك , التعدد أساس, الله -سبحانه وتعالى - خلق الخلق مختلفين , لا يشبه أحد أحدا , فكما قبلنا التعايش فيما بيننا ونحن مختلفون خلقا , فلماذا لا نقبل التعايش فيما بيننا ونحن مختلفون فكرا وعقلا واجتهادا ؟ التسامح الديني,  كل هذه أخلاق فكرية , عندما تهدر يوشك أن يقع المجتمع في خطر كبير,  التبين والتحري {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا }, أخلاق فكرية - يا سادة -, كيف كان يعالج النبي- صلى الله عليه وسلم - الأخطاء في الدائرة الفكرية , والأخطاء في الدائرة الحسية , حتى نقتدي بالنبي , ونحن ندعو إلى دين الله ونحن نريد استئناف الحياة بالإسلام , نريد تجديد ديننا في هذه المرحلة التاريخية الخطيرة, كيف كان يتعامل ؟ و كيف كان يعالج ؟ الحديث المشهور , عندما أطال معاذ ابن جبل في صلاة العشاء , أطال القراءة , وخرج رجل من الصلاة , الآن سوف تلاحظ –انتبه جيدا- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في دائرة الخطأ في الأخطاء الفكرية كان يتشدد ويغضب , وفي دائرة الأخطاء الحسية , كان- صلوات الله وسلامه عليه- يترفق بالناس , العكس تماما , عكس الواقع , في أغلب الأحيان , فمعاذ أطال الصلاة , قرأ سورة البقرة فانسحب الرجل من الصلاة , ثم قالوا إن الرجل منافق , فاشتكى الرجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم –يقول الراوي : فقال النبي -صلى الله عليه وسلم - لمعاذ :" أفتان أنت يا معاذ , إن منكم منفرين , من أمّ الناس فليخفف " , ثم يقول الراوي :" وما رأيت رسول الله غضب في موعظة قط كغضبه يوم ذاك ", لاحظ لا تنسى,  غضب هنا , الخطأ ماذا يتناول هنا ؟ يتناول الترفق بالناس , ويتناول اليسر , وهذا أصل من أصول الدين{ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }, فالانحراف هنا انحراف عن خلق فكري مهم يريده الإسلام أن يسود , وهو الرفق بالناس واليسر بهم حتى في الصلاة , أفتان أنت يا معاذ , وغضب غضبا لم يغضب مثله من قبل . الثلاثة الذين استقلوا عبادة النبي- صلى الله عليه وسلم - أو قالوا هذا رسول الله ويقيم الليل , فكيف بنا ؟ فأخذوا على أنفسهم عهدا أن يصوموا فلا يفطروا , و أن يقوموا فلا يناموا , وألا يتزوجوا ألا يقتربوا من النساء , فعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك , لاحظ هنا ما هو الخلق الفكري الذي انحرف عنه هؤلاء الناس , إنه خلق الاعتدال والتمتع بالحياة الطيبة , فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال عبارة مشحونة بالتهديد,  :"إني أصوم وأفطر , وإني أصلي و أرقد , وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " , هذه العبارة أليست مشحونة بالغضب ؟ لأن الخطأ هنا خطأ في دائرة الأفكار , الانحراف عن الأخلاق الفكرية , فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم-.  أسامة ابن زيد , وهذه مسألة مهمة , هذه مسائل مهمة في مرحلة البناء أو في مرحة إعادة البناء , وإلا كيف سنخرج من أزمتنا ؟ لابد من إعادة البناء العقلي والبناء النفسي , هنا تكمن المشكلة , أسامة ابن زيد في معركة ما قال رجل لا اله الا الله فقتله , فعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له:" أقتلته بعدما أن قال لا اله الا الله ", قال أسامة : "قلت يا رسول الله لعله قالها متعوذا أي هروبا من السيف ", فقال له- صلى الله عليه وسلم- :" أفلا شققت عن قلبه ",وهذا نوع من الإنكار على أسامة , هناك رواية ذكرها أهل التفسير , ارجعوا لتفسير قوله تعالى  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} , ارجعوا الى تفسير القرطبي وتفسير ابن كثير,  في رواية تقول :أنه عندما قال النبي- صلى الله عليه وسلم- أفلا شققت عن قلبه , قال :"يا رسول الله أكنت أعلم لو شققت عن قلبه " , الرجل يقول للنبي يظن أن النبي يقول له شق عن قلبه حتى تعرف , فيقول لو شققت عن قلبه كنت أعلم, فقال النبي:" لا , لا أنت الذي صدقته فيما قال , ولا أنت الذي تعلم ما في قلبه ", وتقول بعض الروايات عن رجل أخر غير أسامة أنه قتل رجلا قال لا اله الا الله , أن الأرض لفظته عندما دعا عليه النبي -صلى الله عليه وسلم - أو اشتد عليه النبي , حتى تقول الرواية أنه جاء إلى رسول الله قال له:" استغفر لي يا رسول الله", قال:" لا غفر الله لك ", وهذه رواية ذكرها ابن كثير في التفسير , فخرج من عند رسول الله وهو يتلقى دموعه بكفيه , فما لبث غير أسبوع حتى مات , فلما دفنه أهله لفظته الأرض , لم تقبله عدة مرات , وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- له :" إن الأرض لتقبل من هو شر منه , لكن الله أراد أن يريكم حرمة دماءكم ", هنا هذا التغليظ والتهديد والتشديد من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأن الخطأ هنا انحراف -كما قلت- في الدائرة الأخلاقية الفكرية , الخلق الذي تم الانحراف عنه  هو خلق التحري والتبين واحترام دماء الناس , و إجراء أحكام الناس على الظاهر , وليس على الظن وعلى الهوى , كما قال أحمد شوقي -وهو يرثي الخلافة الإسلامية الغاربة -وكيف كان يتوقع ما الذي سيحدث بعد هذه الخلافة , سيكثر الدجاجلة والكذابون , وستكثر الفتن يقول:

فلتسمعن بكل أرض داعيا                          يدعوا إلى الكذاب أو لسجاح

ولتشهدن بكل أرض فتنة                           فيها يباع الدين بيع سماح

يفتى على ذهب المعز وسيفه                      وهوى النفوس وحقدها الملحاح

 قال لا اله الا الله تعصم دم صاحبها , كذلك هناك مثال آخر , الأمير الذي قال لمأموريه ادخلوا النار , لاحظ كل هذه الأخطاء ليست أخطاء حسية , إنما هي أخطاء في دائرة الأخلاق الفكرية , الأمير الذي أمر أن يجمعوا حطبا , و أن يوقدوا نارا , ثم قال:  ألست أميركم ؟ أراد أن يوظف الدين لعقده النفسية ولهواه,  فأوقدوا نارا , قال :ادخلوا فيها , فتردد الناس فلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم -بنبئهم قال :"والله لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا , لماذا هذا الغضب يا رسول الله أو هذا التهديد لأن هذا انحراف عن خلق ينبغي أن يتسم به المسلم دائما وأبدا , وهو خلق الوعي واليقظة والطاعة البصيرة, ليست الطاعة العمياء , لاحظ لا تنسى , كان يغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويشدد في دائرة الأخلاق الفكرية أكثر مما سنرى في دائرة الأخلاق الحسية . حديث المرأة الأنصارية -أم علاء الأنصارية -عندما وقفوا عند قبر عثمان ابن مظعون , وقد قامت هي على تطبيبه وعلى علاجه , وكان رجلا صالحا من صلحاء الصحابة , ومن سابقيهم وهو أول من دفن في البقيع في المدينة , عثمان ابن مظعون -أبو السائب -فالمرأة وقفت على قبره وقالت :"ابشر يا فلان بالجنة , أشهد أن الله قد أكرمك ", لكن النبي المعلم لا يريد من الناس أن يتكلموا بغير علم , أن يتقولوا على الله , قال :"من المتألية على الله؟ ما يدريك , والله أنا وأنا رسول الله ما أدري ما يفعل بي ولا بكم, أما هو فقد لقي اليقين , و إني لأرجو له الخير",  ردها عن هذا التهجم والغيب , أرجوا أن تكونوا قد حفظتم هذه الشواهد , وقد عرفتم هذه الفكرة , إن النبي -صلى الله عليه وسلم -كان يتشدد ويغضب في دائرة الأخطاء الفكرية , أكثر مما سنراه في الدائرة الحسية في الأخلاق الحسية .

انتبه معي -يا أخي- عندما جاء الرجل الى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مثقلا بوطأة الذنب الذي اقترفه , ما هو الذنب اقترفه , ذنبا دون الزنا , معصية , قال :فعلت كذا وكذا يا رسول الله , لم يلتفت إليه النبي بعد الصلاة , قال يا رسول الله :"فعلت كذا وكذا", فقال له- صلى الله عليه وسلم -:"أصليت معنا ؟",قال:" نعم", قال:" قد غفر الله لك ,واقرأ إن شئت قول الله تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} ", كان في الحج –صلى الله عليه وسلم -واستوقفته امرأة خفعمية وضيئة الوجه ,تسأله -وكان معه ابن عمه الفضل ابن العباس - فنظر النبي -صلى الله عليه وسلم -وإذا بالفضل ينظر إلى المرأة , فحول وجهه بيده , فسأله العباس :لماذا حولت وجه ابن عمك؟ قال :"رأيت شابا ينظر الى شابة فخشيت عليهما الشيطان", هذا كل ما حصل وما حدث , كذلك الرجل الذي أوتي به وقد شرب الخمر , وكما يذكر ابن حجر العسقلاني في شرحه المشهور والكبير , يقول :"لقد أوتي به الى رسول الله أكثر من خمسين مرة", بالله عليكم لو أوتي به إلينا أكثر من ثلاث مرات او أربع مرات, ماذا نفعل ؟ "أوتي به إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خمسين مرة , فلما سئم منه بعض الناس وشتمه, قال :أخزاك الله ,ما أكثر ما يؤتى بك؟ غضب النبي -صلى الله عليه وسلم -وقال :" لا , لا تلعنه , لا تكن عونا للشيطان على أخيك , فو الله ما علمت الا أنه يحب الله ورسوله ", المرأة الغامدية , لما جاءت,  قالت يا رسول الله :"إني فعلت كذا وكذا , إني زنيت ", لم يكن لدى النبي رغبة في تثبيت الجريمة عليها , حتى لا تتراجع و أن يبصمها و أن يثبت عليها , الإسلام ليس لديه عشق ولا لهفة في إدانة الآخرين , الإسلام يريد حرية الآخرين , ويريد كرامة الآخرين , فأخذ يسألها أسئلة حتى قالت يا رسول الله :"لعلك تريد أن تردني , كما رددت ماعزا بالأمس,  طهرني يا رسول الله , والله إني حبلى ", فقال لها- صلى الله عليه وسلم- :" اذهبي حتى تضعي وليدك ", وأنا على يقين- كما أن العلماء الذين تناولوا هذا الحديث على يقين- أنها لو غابت أبد الدهر لن يسأل عنها النبي ,ولن يبعث لها شرطة , و لا مخبرين , فذهبت المرأة , لكننا أمام ضمير يقظ , فعندما وضعت ولدها عادت للنبي , قالت يا رسول الله :"ها قد وضعته ", قال :"اذهبي حتى تفطميه ", يريد أن يترك لها فرصة أن تتوب بينها وبين الله , لكنها جاءت المرأة بعد سنتين , قالت يا رسول الله:" ها قد فطمته , فأقم علي الحد",  فلم يجد مناصا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إقامة الحد عليها, وعندما نضح دمها على بعض الصحابة , سبها أيضا , فقال:" لا تسبها,  ألا ترى أنها جادت بروحها في سبيل الله, والله لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين منكم لوسعتهم ", انظر كيف تعامل هنا , وانظر كيف تعامل هناك في الأخطاء الفكرية ؟, انتبه وقارن الرجل ماعز, سأله لعلك فعلت كذا , ما هو دون الفاحشة , ثم قال للرجل الذي دفعه للاعتراف عند النبي , قال له -صلى الله عليه وسلم-:" لو سترته بثوبك , وهكذا القصص كثيرة والحوادث في السنة النبوية , لكن السؤال الآن -ونختم به -لماذا كان الخطأ أو الانحراف في دائرة الأخلاق الفكرية أخطر؟ لماذا ؟لأمرين اثنين , الأول : أن الخطأ كانحراف فكري,  يورث حالة تجعل هذا الخطأ نهجا عاما في حياة الفرد , وحياة الجماعة,  يعني التشدد يصبح نهجا , وهذا خطير جدا جدا , ليست معصية فردية , والأمر الثاني: أن هذه الأخطاء في هذه الدائرة –وانتبهوا- كثيرا ما تتلبس بمسحة دينية , تتغلف بغلاف ديني , فلا يظن الناس أنها في حاجة توبة , أو في حاجة للرجوع عنه , لو أن النبي- صلى الله عليه وسلم -تعامل بسهولة مع هذه القضايا, إذن :هذه الدائرة أخطر خشية أن تتحول إلى نهج عام,  تطبع حياة الفرد , وتطبع حياة المجتمع , ولأنها تتلبس بلبوس ديني  في ظاهرها , أما الأخطاء الحسية فهي مبنية على أساس أن كل إنسان فينا قابل للخطأ , كل بني آدم خطاءون,  هي معصية عابرة , كل بني آدم خطاء, وخير الخطاءين التوابون , ثم إن الإنسان نفسه ينكر على نفسه الوقوع في الخطأ , وإذا لم ينكر أنكر الناس عليه, أسال الله لي ولكم التوفيق والسداد والهدى والصواب , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

كان من المفترض أن تموت إسرائيل منذ سنين, أن تموت خنقا , لماذا لأنك إذا فكرت معي , رأيت هذا الكيان قائما وكأنه جزيرة في بحر محيط من العرب والمسلمين , هي محاطة بالعرب والمسلمين من الشمال والشرق والجنوب ومن الغرب بالبحر , فكان المفروض أن تكون هي المحاصرة , وليس نحن ,  لكنها استطاعت بعملها الدائب -ولا أتردد أن أقول- بإخلاص قادتها ومؤسسيها , أن يوسعوا علاقاتهم حتى امتدت علاقاتها من شواطئ المحيط الأطلسي الى الخليج العربي , وبدل من أن تموت خنقا أو تموت محصورة وسط هذا البحر المحيط من العرب والمسلمين , انظر من وراء سوريا ولبنان في الشمال , و من وراء الأردن من الشرق , و من وراء مصر من الجنوب , إحاطة فبدل أن تختنق وتحاصر وتموت , تمددت وتوسعت , وأصبح رئيس وزراءها يتبجح أمام العالم كله , أمام المليار أو أكثر من مليار مسلم , ليقول :" إن هذه عاصمتنا منذ ثلاث ألاف سنة,  ومنذ ثلاث ألاف سنة آباؤنا يبنون فيها , وأنا سأستمر في البناء ", والعرب صم بكم عمي وهم لا يعقلون , هم يحضرون لمؤتمر قمة قادمة, ومؤتمر القمة , أعتقد عندكم وعندي وعند كل العقلاء ما عاد يفتح آفاقا من الأمر,  لأننا جربنا ذلك , نتمنى , هل هذا المؤتمر سيسفر عن اتخاذ قرار بأن الإسلام هو المرجع , لنسترد قوتنا وديننا , وشروط نصرنا وشروط نهضتنا , هل سيتخذ قرارا كهذا؟ إن لم يتخذ قرارا مثل هذا ,  إن لم يتخذ قرار كهذا , كل القرارات لا قيمة لها , هذه ليست عدمية , لكن هذا هو الحق والواقع , إن لم يتخذوا قرار بهذا المستوى , إن الإسلام هو مرجع الأمة , أن يتخذوا قرارا بتوحيد أنفسهم , حماية لأنفسهم , إن لم يكن حماية لفلسطين أو الحقوق المهدرة , هل سيتخذون قرارا بمنح شعوبهم الحرية والكرامة وحق التعبير , هل سيتخذون قرارا بإلغاء ما يسمى بالجرائم السياسية , والإبقاء فقط على العقوبات على الجرائم الجنائية ؟, هل سيتخذون قرارا يملك فيه الشعب حق الإشراف على الحكومة ؟ وتصبح الحكومة بحق هي حكومة الشعب , وليس الشعب هو شعب الحكومة , الشعوب الآن شعوب الحكومة,  والحكومات ليست حكومات الشعب , كيف يعرف العرب والمسلمون طريقهم الى بيت المقدس ؟وهم في هذا الحال الذي تعرفونه أكثر مني , لن يستطيع العرب الدخول الى بيت المقدس , ونصر فلسطين,  طالما هم يتحلون بأخلاق الجبابرة الذين كانوا في فلسطين يوما ما , الذي سلط الله عليهم وبعث عليهم موسى -عليه السلام- وتلاميذه , بعث عليهم الأنبياء وتلاميذهم , فدمر الله عليهم , على الجبابرة , ونصرهم على الجبارين , بالمناسبة الجبارين هنا , ليست في معرض المدح , إن فيها قوما جبارين , ليست في معرض المدح , إنها في معرض الذم , فهل يستطيع العرب والمسلمون وهم يتخلقون بأخلاق الجبابرة , الذي سلط الله عليهم الأنبياء وتلاميذهم , فانتصروا عليهم وهزموهم , بل كما تقول الروايات :الله- سبحانه وتعالى- أخر الشمس عن المغيب , من أجل القائد المؤمن من أتباع موسى -عليه السلام- حتى يتم الفتح له , والانتصار له على هؤلاء الجبارين , لابد أن يتخلى العرب والمسلمون ونحن منهم عن الأخلاق الرديئة , أخلاق الجبروت , أخلاق الاستبداد, وأخلاق الظلم , وندرس دراسة جديدة ودراسة عقلية بسيطة أخلاق عمر ابن الخطاب , الذي دخل بيت المقدس على ناقته وهو يخوض بركة من الماء , ليعلم البشرية أخلاق التواضع , كان عمر ابن الخطاب معنيا بتصدير أخلاق التواضع , ملأ الدنيا عدلا , حنت البشرية كلها الى تواضع عمر وعدله , لابد من دراسة أخلاق صلاح الدين الذي لم يكن عربيا بالمناسبة, لكنه نسي قوميته وذاب في عقيدته , صلاح الدين الذي كان يجمع الغبار من أثر معاركه ويضعه في وسادة لتدفن معه في قبره , لتكون شاهدا له بين يدي الله سبحانه وتعالى , هذا هو الطريق الذي سيؤهلنا ويؤهل العرب والمسلمين لدخول بيت المقدس  مرة أخرى , أما الإسلام غائب, الوحدة غائبة, الأخلاق الفكرية مهترئة , هل تظنون أنه بالإمكان أن يقوم حوار بن اثنين منا , ثم نختلف في المسألة , ومع ذلك نبقى أصدقاء يشرب بعضنا الشاي عند البعض الآخر , ربما حال من مئات حتى أولادنا وأبناؤنا الذين ينتمون للأحزاب, عبئوا بهذه الكراهية وتحولوا , لا يقرؤون ولا يطلعون , تحولوا إلى هتافين ولاصقي صور , وكتاب شعارات , كيف ؟إذن لابد اذا أردنا حتى الجهاد والمقاومة وما شابه ذلك فهذا لن يؤتي ثمرة ما لم يكن على أساس متين من الوحدة الإسلامية , والعقائدية وتغيير ما في النفوس والعقول.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.