بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
فإننا نؤكد على أن ديننا الإسلامي هو دين يخاطب العقل والفطرة, وهو دين العقل والفكر , والله- سبحانه وتعالى- يقول: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا }, ومعنى أنه دين العقل والفطرة , أن الفطرة إذا كانت أو بقيت سليمة لم تتلوث فإنها تهتدي إلى الله , لأن الله أخذ عليها الميثاق {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} , فالإيمان بالله واحد مركوز في فطرة كل إنسان , لكن البيئات لها أثرها , هناك بيئة تعين على الضلال , هناك بيئة تدفع إلى الغي, هناك بيئات تعين على الاستقامة , وتبعث الإنسان باتجاه الرشاد , وباتجاه الهداية , وكذلك العقل, إذا تحرر العقل من عصبيته , ومن تقليده للآباء والأجداد , ومن هيمنة الخرافة و الأسطورة عليه , فانه يهتدي إلى الإسلام , فليس هناك في الإسلام ألغاز ولا طلاسم , دين واضح , مصادره الأولى الكتاب والسنة , وهي نصوص عربية يفهمها العربي , ولقد صدق القائل:
لم يمتحنا بما تعي العقول به حرصا علينا فلم نرتب ولم نهن
ويقوم الإسلام في مخاطبة الآخرين على الإقناع الحر, وعلى الدليل الواضح ,لا إرهاب ولا إكراه, إنما مخاطبة مباشرة للعقل, و إقامة للأدلة والبراهين على كل عقائد الإسلام ,وعلى كل شرائعه. الأعرابي الذي دخل على النبي- صلى الله عليه وسلم- وخرج مؤمنا, قيل له:" كيف آمنت ؟" , قال :" ما وجدت شيئا يقول له محمد لا , فيقول العقل نعم , وما وجدت شيئا يقول له محمد نعم, ويقول العقل لا ", والعقل هنا - كما قلت - هو العقل السليم من الشوائب, السليم من العصبية ومن تقليد الآباء والأجداد , ومن الأفكار المسبقة , ومن ضغط الخرافات والأساطير , ومن ضغط الانتماءات و الولاءات , لابد أن يكون العقل متحررا من كل ذلك , حتى تفاعل مع ما يلقى إليه من أفكار بأدلتها وبراهينها , لفت نظري في القرءان الكريم أن فعل الأمر -قل - تكرر أكثر من ثلاثمائة مرة , في سورة الأنعام- وحدها - ذكر هذا الفعل أربعا و أربعين مرة, وفي سورة يونس -وهي مكية أيضا كالأنعام- ذكر هذا الفعل أربعا وعشرين مرة , قل هو الله أحد , قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون , قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا , ماذا يعني أن فعل الأمر -قل - يتكرر في القرءان كله أكثر من ثلاثمائة مرة , معنى هذا أن الإسلام قائم في دعوته على الخطاب , وعلى الإقناع الحر وعلى مواجهة الآخرين بمضامين عقائدية وشرعية وأخلاقية , تقدم على كل منها الدليل والبرهان , ويعني أن هناك صراعا محتدما بين التوحيد وبين الشرك, بين الفكر السليم والمنطق المستقيم الذي جاء به الإسلام , وبين هذا الانحراف الوثني الذي انحط بقيمة الإنسان إلى الحضيض , قل قل قل , وإذا تتبعت هذه المواضع في كتاب الله وجدت أنها تتضمن أدلة التوحيد , و تتضمن معالم الرسالة وخصائصها , وتتضمن دلائل صدق النبي- صلى الله عليه وسلم- . نستعرض بعض النماذج , خذ مثلا في سورة آل عمران , أن الله -تعالى - يوجه النبي إلى ما ينبغي أن يقوله لأهل الكتاب السابقين , قل يا أهل الكتاب , قل يا محمد لهم , صراع محتدم , هم يقولون و أنت قل, بدد شبهاتهم , ادحض حججهم , أقم أدلة التوحيد , أقم براهين الصدق {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } , مقول القول هنا , قضايا ثلاثة : ألا نعبد إلا الله , ولا نشرك به شيئا, ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله , وهذا هو الإسلام , ولا يمكن أن يعترض عقل سليم, أو فطرة غير ملوثة على هذا المنطق, تعالوا , نحن لا نعلن حربا على العالمين , { تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }, هذا هو خطاب الإسلام إلى الآخرين , خطاب القرءان , خطاب الدين إلى الآخرين , مضامين عقلية , إن الإسلام يشد الناس من عقولهم ومن فطرهم , إنه لا يحترم التقليد والتعصب , لا يحترم الهوى والظن , إنه يحترم الدليل والأسس العقلية في خطابه مع الناس , وهذا المعنى جاء في سورة البقرة , في قوله تعالى {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ , أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } , في سورة الإنعام -وهي مكية كما ألمحنا- والصراع كان على أشده بين من يدافعون عن الخرافة والأسطورة والشرك والوثنية , وبين دعاة التوحيد , يتقدمهم نبيهم- صلى الله عليه وسلم - {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ , قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ , قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ , مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } , أرأيت إلى قضايا الإسلام التي يطرحها على العالمين , هل هناك من خالق غير الله ؟ وهو يطعم ولا يطعم , هل هناك من رازق غير الله ؟ أدلة وخطاب يثير العقل , ويهز المشاعر , ويدفع للإيمان والتسليم بهذه العقيدة التي تقوم على التوحيد , على لا اله إلا الله , محمد رسول الله . وجاء معنى هذه الآية في سورة الزمر -أيضا - حيث يقول تعالى {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ} , فالمسألة ليست تأليفا من محمد , ليست اجتهادا , انه ليس عملا اكتسابيا يقوم به هذا النبي المحمد , إنما هي أوامر من السماء , {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ , وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ , قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } ثم يقول في سورة الإنعام {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً }, أو{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ }, أنا لم آت لأعيدكم بالسمن والعسل , أنا داعية توحيد , داعية عقيدة ودين {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } , إن دعوة الإسلام دعوة لإثارة العقل , إن التدين الحقيقي هو الذي يقوم على التفكير , لا على التعطيل العقلي ولا على التبعية العمياء, ولا على الإمعية الضالة , أي شيء يكسبه محمد لنفسه حتى يزعم أنه أراد أن يبني له مجدا , إنه أراد أن يرسخ العقيدة , {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } وفي سورة سبأ -أيضا - يتكرر هذا المعنى فيقول تعالى لنبيه , قل لهؤلاء المعترضين , قل لعبيد أنفسهم , لهؤلاء الذين يدافعون عن الخرافة و الأسطورة و الشرك , و يعطلون عقولهم {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ , قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } , تأملت يا أخي قول الله تعالى {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } , إن الإسلام دعوة للبشرية جميعا أن تتفكر , وما من إنسان يفكر تفكيرا حرا ومستقلا إلا ويصل إلى عقيدة التوحيد , والى هدايات الله, والى الإسلام , لكن العوائق الأخرى , الحجب , المصالح , الأنانيات هي التي تحول بين الإنسان وبين الوصول إلى الحقيقة , {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ } من المجنون الذي يعبد الأصنام , ويسجد لها, أم الذي جاء ليرفع مقام الإنسان ومنزلته , ويملأ عقله وعيا وفكرا , و أدلة وبراهين , ويملك هذا الإنسان منهج التفكير, المجانين هم هذا ليس مجنونا , { مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } عندما سألوه عن الساعة , النبي دعيّا , إن لم يكن محمد نبيا , فلن يكون أحد نبيا , ولذلك هو جاء ليؤكد على الإيمان بالأنبياء جميعا والمرسلين , إن نبوته الخاتمة هي تأكيد وتصديق لنبوات من سبقه , يسأله الناس عن الساعة , لا يدجل- صلوات الله وسلامه عليه - ولا يدّعي , أذكر بهذه المناسبة يوم أن مات إبراهيم ابن النبي, وكسفت الشمس يومها , فظن الناس أن لهذه الظاهرة الكونية علاقة بموت إبراهيم , لكن الإسلام حساس من الخرافة و الأسطورة, حساس من الضلال , فقال بعضهم إن الشمس كسفت من أجل إبراهيم , لكن نبي العقل والفطرة أبى ذلك , وقام على المنبر , وقال :" أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله , لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته , إذا رأيتموهما فصلوا ", الصحف الليبرالية والتي يشرف عليها التقدميون , ما زالوا ينشرون إلى اليوم في صفحات معتمدة حظك اليوم , ثم يزعمون أنهم تقدميون وأن الدعوة إلى الدين دعوة إلى الوراء, الصحف التقدمية ذكرت يوما ما عندما مات أحدهم فأمطرت السماء , و إذا بالعناوين العريضة في الصحف كلها, السماء شاركتنا البكاء على فلان , ما هذا الدجل ؟ إن محمدا -صلى الله عليه وسلم- رفض ذلك لابنه, فلما سئل عن الساعة , متى الساعة ؟ متى القيامة ؟ انظر ماذا قال الله- سبحانه وتعالى- يقول له {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ , قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } , هذا المنطق فيه ادعاء؟ فيه غرور ؟ هذا منطق من يريد أن يحصد الناس لمصلحته الذاتية ؟ !هذا منطق النبوة , {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } عندما قدم هؤلاء المشركون الاقتراحات العجيبة على النبي , انظر ماذا يقول {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ , قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } , لبثت فيكم أربعين سنة , ولم آت بكتاب ولا بشيء , { قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } دلائل النبوة , صدق النبي- صلى الله عليه وسلم - , هناك اقتراح عجيب ذكرته سورة الإسراء {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً , أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً , أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً , أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً } , هذا هو محمد -صلى الله عليه وسلم- إنه وقاف عند حدود الله , إنه مبلغ , إنه حامل دين وليس مؤلف دين, نسأل الله أن يشرح صدورنا بنور القرءان , ويعلمنا من القرءان ما جهلنا, و أن يذكرنا منه ما نسينا , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
ما من مرحلة أوذينا فيها أو تمكن العدو منا , إلا كانت بسبب فراغ صنعناه فيما بيننا , اليهود الآن يتمددون في الفراغ الذي صنعناه نحن بيننا , و يتصايح الناس , القدس في خطر , لا نشك في ذلك , القدس في خطر منذ ما يقرب من نصف قرن , لكن كيف تأتى هذا الخبر؟ إنهم اليوم يستثمرون هذا الفراغ الذي صنعناه بأيدينا , أليس منا من يخون الآخر؟ , أليس منا من يتهم الآخر ؟, أليس منا من يسر بفضيحة الآخر ؟ وهكذا , ما زلنا يخون بعضنا بعضا , ويتهم بعضنا بعضا, وما زالت مواقعنا الإعلامية يشتغل بعضها ببعض أكثر مما يشتغل بالعدو نفسه, إن أردت أن تعالج أي مشكلة , لابد من صياغتها صياغة دقيقة, لمعرفة أسباب هذه المشكلة , أما آن لنا ونحن نتصايح هنا وهناك من أجل القدس , أن نتفق فيما بيننا على الأهداف , إن عجزنا أن نتفق على وحدة تجمعنا في صف واحد , إذا عجزنا أن نكون صفا واحدا على الأقل , فلنتحد حول الأهداف , هل هناك من يخالف حول القدس ؟ أرى أنني ما زلت مضطرا لان أذكر بذلك المثل العربي الذي يضربونه لمن يكتفي بالصياح والصراخ , لكن بسبب حماقته يأخذ العدو حقه ويمضي , إن العرب تقول على لسان ولد أحمق , تقول :" أوسعته سبا , و أودى بالإبل ", ولد أحمق استرعته أمه على الإبل فتركها ونام , فلما استيقظ وجد من يسوق هذه الإبل أمامه ويعقلها , أي يربطها ويسوقها , فبقي في مرقده وهو يقول :"ابلي ابلي " , لكن الرجل مضى في حال سبيله , و أخذ الإبل , فلما عاد الولد إلى أمه, قالت له:" أين الإبل ؟ " , فقال :" قد أوسعته سبا , و أودى بالإبل", أنا أديت ما علي من واجب في الشتيمة والسب , لكن الإبل ضاعت , هل سنبقى في مرقدنا -أيها الإخوة الأعزاء - في منامنا, أم أننا سننهض ويتحرك الدم في عروقنا ,قد يتحرك الدم في عروقنا لذواتنا , لأنانياتنا , أو عصبياتنا , أنا أريد أن يتحرك الدم في عروقنا من أجل أهدافنا الكبرى , من أجل قضيتنا المقدسة , لا ينبغي أن يصدق علينا قول إبليس :" لا تلوموني ولوموا أنفسكم ", كيف نستطيع أن نخاطب العالم , ونقول لهم انظروا إلى ظلم اليهود , انظروا إلى كيد اليهود , انظروا إلى أفاعيل اليهود , فلو قال أحدهم لنا : أنتم ظلمتم أنفسكم , أنتم مزقتم صفكم , أنتم عادى بعضكم بعضا , أنتم في رقعة صغيرة ومحاصرة , أنتم في سجن , لا ينبغي للمسجون أن يصارع السجين الآخر, لا ينبغي , ينبغي أن يفكر هو والسجين الآخر, كيف يخرجون من هذا السجن؟ أسال الله لي ولكم وللجميع انشراح الصدر و الهداية .
أمر آخر , فاتني الجمعة الماضية , أن أنوه به , أو أن أتكلم عنه وما كان ينبغي لي أن يفوتني هذا الأمر , وهو أن أنعى للأمة الإسلامية فقيدها الكبير الإمام الأكبر شيخ الأزهر -عليه رحمة الله - والذي كان بإجماع تلامذته وزملائه رجلا طيب القلب , صادقا شجاعا صريحا , وكان يقول ما يعتقده , سواء أكان خطئا أم صوابا , لكن مبلغ علمي به أن الرجل ما كان يشترى ولا يباع , ونرجو أن يكون الله قد ختم له بخاتمة الخير , عندما توفاه هناك في جزيرة العرب, ليدفن في مقابر الصحابة , في البقيع , بجوار النبي -صلى الله عليه وسلم- , ولا يعني ذلك أننا كنا نوافق الفقيد الكبير في كل اجتهاداته, أو في كل مواقفه , لكن من منا لا يخطئ -أيها الإخوة -كل البشر يؤخذ من أقوالهم و يرد عليهم , أحزنني عندما سمعت في أكثر من مجلس تناول هذا الرجل الكبير بما لا يليق , العلماء ضمير الأمة وحراس العقيدة , حماة الإسلام , لكنهم أولا وأخيرا بشر , نسأل الله أن يرحم فقيدنا وان يعلي درجاته وان يغفر لنا وله.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.