بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
إن الإقرار بالإلوهية هو الأساس الذي قام عليه دين الله على ألسنة جميع الأنبياء , فما من نبي بعثه الله إلى قومه إلا قال لهم{ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} , فالإلوهية في التصور الإسلامي هي الحقيقة الكبرى والأساسية , وهي الحقيقة الفاعلة , والله تعالى هو المالك , وهو الخالق , وهو الرازق , وهو المدبر {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ } , وهو المحيط بكل شيء{ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ }, هذه الحقيقة , حقيقة الإلوهية لابد أن تكون حاضرة في حس كل مؤمن , و في روحه وقلبه وعقله {أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } , الأشياء هي ملك لله- سبحانه و تعالى- , كل ما في الأرض والسماوات , والأشخاص , الكائنات العاقلة {أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } , أوهام وخيالات , كل ما غير الله أوهام , خيالات , ظنون , الإلوهية هي الحقيقة الكبرى في الإسلام , أن تعلم أن الله تعالى هو الفاعل, هو المدبر , هو المحيط , هو المهيمن {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ , هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ, هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } , هذه هي الحقيقة التي ينبغي على كل مؤمن أن يطوي قلبه عليها , وبهذه الحقيقة الكبرى جاء الأنبياء تترا {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ }, هذا هو أساس الإسلام , وأساس الإيمان , أن ترد الأمور كلها إلى الله - سبحانه وتعالى - . وهناك تجربة في القرءان لنبي من أنبياء الله مر بأحوال متعددة , وفي كل حال كانت الإلوهية حاضرة من حسه وروحه , في قلبه وعقله , إنه نبي الله- يعقوب - , خذ هذا الموقف الوحيد في سورة البقرة , لكننا سنتتبع أحواله في سورة يوسف , في سورة البقرة عند الوفاة , يسجل الله تعالى هذا الموقف , الإخلاص لهذه العقيدة حتى الرمق الأخير {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } , لكنهم لم يفوا بهذا الميثاق أو بهذا العهد , نقضوا مواثيقهم, إنما عليك أن تتأمل نبي الله- يعقوب - وهو في حالة الاحتضار , ما الذي يشغل باله؟ علام يريد أن يطمئن في المستقبل ؟ على مستقبل بنيه , على مستقبل المسيرة من وراءه , إنها حقيقة الإلوهية , {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } هي قضية المصير, هي قضية العقيدة, قضية الدين , قضية التوحيد, أساس التوحيد الإلوهية , هل ننسى الله ونضعه وراء ظهورنا ؟ فينسانا الله! أم أننا نذكره ليذكرنا , ان الله –سبحانه و تعالى- يجازيك من جنس عملك{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ , نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ }, في موضع آخر {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } , إنها العقيدة -أيها الناس - إنه الدين , إنه التوحيد , إنها الإلوهية , الرجل يلفظ أنفاسه الأخيرة , ويوصي أبناءه بالتوحيد , {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } مستسلمون , هو الفاعل الحقيقي , هو المدبر , هو المهيمن , هو الملك , هو المحيط بالأسباب, الأسباب لا تفعل بذاتها ولا تؤثر بذاتها , إنما بقدرته ومشيئته , هذه العقيدة التي ينبغي أن تستكن وأن تستقر في ضمائرنا . انظر إلى يعقوب في سورة يوسف , جاءه ابنه يوسف – وهو صبي صغير - قص عليه رؤياه المعروفة, شعر بالنعمة , لمن رد النعمة ؟ لله , الإلوهية حاضرة في قلبه وعقله, {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } , في مواجهة النعمة لابد من ذكر وشكر , {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } في مواجهة المصيبة , عندما تآمر إخوة يوسف على يوسف و ألقوه في غيابة الجب {وَ جَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ , قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ , و َجَآؤوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } , أمام النعمة ذكر وشكر , وأمام المصيبة ركون إلى الله , وتفويض إليه , العقيدة أساس العمل في الإسلام , عندما فعلوا فعلتهم , وطلب منهم يوسف أن يحضروا أخاهم الآخر , تضاعفت المصيبة {فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} , ماذا قال و هو يستودع ابنه الحبيب الثاني ؟ { قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } , لأنه كان يعلم أنه يستودع ربه , و هو يودع ولده الحبيب الأخر بعد يوسف , الألوهية حاضرة عند استشعار النعمة , وعند مواجهة المصيبة , وعند مضاعفة المصيبة , لا خور , لا ضعف , لا خنوع , { قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }وعندما أخذ عليهم الميثاق , {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ } لاحظوا -أيها الإخوة - منطق العقيدة هنا {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } , العقيدة حاضرة , و الألوهية قائمة , لم تتلاشى, لم يضعف هذا الشعور , هذه العقيدة , ولما ودع أبناءه و ابنه الثاني معهم , ماذا قال لهم؟ {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } , عند النعمة والرؤيا والبشارة ذكر الله , عند المصيبة ركن إلى الله , عندما تضاعفت المصيبة ذكر الله , عندما أخذ الميثاق من أبناءه , قال الله على ما نقول وكيل , عندما ودعهم { لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } , ولما رجعوا إلى أبيهم من دون أخيهم الثاني , وتواصوا أن يقولوا له إن ابنك سرق {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ , وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } , المحنة بلغت منتهاها, الولد الحبيب الثاني لحق بالأول , إنها محنة شديدة , ثم جاؤوا ليقولوا له إن ابنك سرق {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ , وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ , قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } , أرأيت - يا أخي- كيف يكون حضور الألوهية في كل موقف من مواقف الحياة ؟ أرأيت ؟ عسى الله أن يأتيني بهم جميعا , وانظر بماذا أجابهم هذا المؤمن الكبير عندما لاموه على حزنه على يوسف , وألمه من أجل يوسف وأخيه , عندما قرعوه ولاموه {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ , قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ , قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } , لاحظت هذه المواقف , عد إليها في سورة يوسف , استعن ببعض التفاسير , وتأملها لتعرف كيف ينبغي أن تكون الألوهية حاضرة في ضميرك ؟ لا تكن غافلا - يا أخي- هذه الدنيا ليست هي نهاية المطاف, هل يأس النبي يعقوب بعد ذلك؟ لا قال {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } , أمام النعمة , أمام المصيبة , إذا استحكمت حلقات المصيبة لا تضعف , وكيف تضعف وهناك رب مدبر؟ كيف تضعف وهناك مالك للملك ؟ أمره بين حرفين, يقول للشيء كن فيكون , نضعف عندما تتراكم الحجب على قلوبنا , وعندما يتسلل حب الدنيا , وحب المصلحة إلى ضمائرنا , عندما تقسوا هذه القلوب , عندئذ يحال بيننا وبين الإحساس بأثر هذه العقيدة , {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } وفي النهاية عندما جاءته البشارة إن يوسف قال لإخوته {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ , وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ ( أي غادرت مصر ) قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ ,( لولا أنكم سوف تتصدون لي بالتفنيد و الاتهام و التقريع كعادتكم ) قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ , فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً( قال الرجل المؤمن الكبير الذي كانت الألوهية حاضرة في حسه و عقله و قلبه في كل الأحوال ) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } , نحتاج -أيها الإخوة - إلى أن نجدد إيماننا نحتاج إلى ان نرجع البصر في نفوسنا كرتين , يا أيها الناس إن ربكم يقول {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ }, والفلاسفة والخبراء يقولون غير نفسك يتغير التاريخ , عندما استقرت عقيدة التوحيد في قلوب المؤمنين على مر القرون تغير وجه التاريخ , وعندما نسي الناس مصيرهم , و رضوا بالحياة الدنيا واطمئنوا بها , وخافوا , وجبنوا , وطمعوا , وضعفوا , واستكانوا , ونافقوا, و تزلفوا , و أخذوا يدورون حول أنفسهم ومصالحهم { اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ }, عندما تعلقوا بماذا ؟ قالوا {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ} أصبحوا عبيد الشهوات , أصبحوا عبيدا الأهواء , و هذا ليس خاصا ببني إسرائيل , هذا قانون عام, كل من يتعلق بأهوائه و شهواته و ينسى قضية مصيره و تضمحل العقيدة بداخله , سوف يدفع الثمن {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} , ألم تلاحظ ما هذا الاقتران بين الذلة التي كتبت عليهم , وبين مطالبهم المادية ؟ نسأل الله أن يهب لنا من الإيمان ومن اليقين ما يبلغنا مرضاته وجنته , وما يحول به بيننا وبين كل الآفات النفسية والعقلية والاجتماعية , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
أيها الإخوة إن من مقاصد الإسلام الكبرى , أن يطمئن الناس على حقوقهم , فكان القضاء في الإسلام , ولطالما استشهدت بقول شوقي :
الدين يسر والخلافة بيعة والأمر شورى والحقوق قضاء
القضاء في حقيقة الأمر وجه المجتمع , إن كان القضاء نزيها فالمجتمع نزيه , و إن كان المجتمع نزيها فالقضاء نزيه, هناك علاقة -كما يقولون –جدلية بين القضاء وبين المجتمع , حتى يستقر المجتمع , فلابد أن يكون هناك قضاء نزيه , قضاء يعطي كل ذي حق حقه , ولا يكون القضاء نزيها إلا إذا تمكن من جلب أكبر رأس وإيقافه مع أصغر الناس, أن نحقق المساواة , ولذلك عندما بعث عمر ابن الخطاب -رضوان الله عليه -كتابه الشهير في القضاء , إلى أبي موسى الأشعري في اليمن , ماذا قال له؟ , قال له:" آسي بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك ", حقق المساواة في نظرتك, و في مجلسك, لا يجلسن فلان في مكان , و فلان في مكان آخر , وعدلك, لاحظ معي يا أخي ان عمر يقول :"آسي بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك ", ثم قال عبارة مهمة جدا , لماذا كل ذلك ؟ لماذا كل هذا الاحتياط يا أمير المؤمنين ؟ قال:" حتى لا يطمع قوي في ظلمك , ولا ييأس ضعيف من عدلك" , المجتمع يا أخي الذي لا يجد الضعيف والفقير فيه باب يطرقه لينتصف , هذا مجتمع يحكم على نفسه بالويل والهلاك, ولقد ضرب عمر ابن الخطاب المثل بنفسه , عندما تحاكم هو و أحد الصحابة عند قاض -هو عينه- , فمسكين القاضي عندما دخل عمر أراد أن يميزه , فقال :" هنا هنا يا أمير المؤمنين " , ففوجئ بعمر يقول له :" هذا أول ظلم وقعت فيه" , فقال :"وما هو يا أمير المؤمنين ؟" , قال :"كنيتني ولم تكني خصمي , يا أمير المؤمنين " , لم يقبل بذلك, الإسلام حساس جدا من الظلم , ولذلك القضاء لا يكون نزيها إذا لم يتمكن من استدعاء أكبر رأس للمحاكمة , هذا القضاء في الإسلام وفي دين الله , والله عندما يخاف الفقير أو الضعيف يلتفت يمنة ويسرة, ولا يعرف أين يذهب , معنى هذا أن العدل الإسلامي غائب , "آسي بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك , حتى لا يطمع قوي في ظلمك ", القوي يقول انتهت المشكلة , المشكلة بين يدي فلان وفلان , سوف يحل الأمر, "حتى لا يطمع قوي في ظلمك , ولا ييأس ضعيف من عدلك " , ما الذي جعل القبطي - القصة التي تحفظونها - من آخر الدنيا , من مصر , يأتي إلى سيدنا عمر ابن الخطاب ليقول له :" إن ابن عمرو ابن العاص ضربني " , من هو عمرو ابن العاص ؟ هو من كبار المجاهدين ,و من كبار الصحابة , والذي فتح مصر , فاتح مصر , وهذا القبطي لا يعرفه عمر , ولا يعرف اسمه , كل ما يعرف أنه من مواطني مصر من أهل الذمة , و أن ابن فاتح مصر قد ضربه , فلم يتأخر لحظة واحدة , هذا هو الإسلام إن أردناه , واستدعى عمرو ابن العاص , واستدعى ابنه , ومكن القبطي الذي لا يعرفه عمر , أول مرة يراه في حياته , وعمرو ابن العاص صحابي مثله , وابنه مسلم , ومن رواة الأحاديث , ابنه عبد الله , ثم مكن القبطي من ضرب ابن عمرو, وقال له:" اضرب ابن الأكرمين ", ولم يضع في اعتباره جهاد عمرو , وفتح عمرو ابن العاص لمصر , كل هذه الاعتبارات لم يضعها عمر في ذهنه , لماذا ؟لأن عمر يريد أن يطبق الإسلام , ويحقق المساواة , هل سألتم أنفسكم- أيها الإخوة- لماذا يحشرنا الإسلام كل يوم في المسجد خمس مرات ؟ لماذا ؟ لتحقق هذه المساواة بين الناس, ليقفون صفوفا صفوفا , لا فرق بين غني وفقير , ولا متعلم وأمي, لا فرق , المساواة والعدل أصل أصيل في الإسلام ,عمر لم يتأخر لحظة واحدة واستدعى عمر فاتح مصر ,واستدعى ابنه , قال للقبطي اضرب ابن الأكرمين كما ضربك , والتفت إلى عمرو قائلا له :"يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ", في الثورة الفرنسية التي نهضت بأوروبا , كان المفكرون الذين قادوا الثورة يحرضون الشعوب الأوروبية ضد رجال الدين وضد النبلاء وضد الإقطاعيين , وهم يحرضونهم يستشهدون بكلام عمر , يقولون :"إن أحد القادة العرب كان يقول :"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "" , بماذا يستشهدون اليوم -الأوروبيون- ؟ ما هي التجارب المضيئة لدينا التي تحرج ضمائرهم؟ ولما ضربه قال له أدرها على صلعة أبيه , قال يا أمير المؤمنين: إنما أضرب من ضربني , وعمرو ابن العاص, قال لماذا يضربني يا أمير المؤمنين ؟ قال والله لولا مكانتك ما تجرأ ابنك عليه, قصة ليس بين مسلم ومسلم, ذمي مواطن مصري , لكنها عدالة الإسلام فهل يشهد العرب والمسلمون في بلادهم جميعا قضاءً بهذه الشفافية وهذه النزاهة؟!.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.