بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

لقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - وفيا لدعوته , حريصا عليها , متفانيا في سبيل إيصالها لكل الناس بأحسن الوسائل والأساليب , ولا عجب في ذلك , لقد وصفه الله بالحرص على الناس , فقال تعالى  {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } , فوصفه بالحرص على الناس,  و وصفه بالشفقة , و وصفه بالرأفة والرحمة , وخصائص النبي هذه , هي خصائص الدين نفسه  {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } , فالإسلام هو رحمة في عقيدته وشريعته وفي توجيهاته وفي تنظيماته , وكان- صلى الله عليه وسلم - يحب اليسر في الأمر كله , كان يقول:" يسروا ولا تعسروا , بشروا ولا تنفروا" ,  وكان يقول- صلى الله عليه وسلم - :" إنما بعثتم ميسرين , و لم تبعثوا معسرين " , وعندما بعث معاذا وأبا موسى الى اليمن , قال لهما :" يسرا ولا تعسرا , بشرا ولا تنفرا " , كان حريصا على دعوته , وعلى دينه , على هذه الفكرة العظيمة التي أمره الله أن يبلغها للناس جميعا{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} , إلى حد أن القرءان الكريم يقول  {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً } , كان- صلوات الله وسلامه عليه-  يؤلمه ويحزنه إصرار الناس على الضلالة , عندما يرى الناس يصرون على الضلال , ويصرون على الغي والخطأ , إنه يتألم قلبه الشريف -صلى الله عليه وسلم - , فلعلك باخع نفسك , لعلك قاتل نفسك لأنهم لم يؤمنوا , {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً } ويقول القرءان له { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ }, تأمل كم كان يتحسر النبي -صلى الله عليه وسلم- , وكم كان يحزن ويألم عندما لا يهتدي الناس , إنه يفرح بهدايتهم ويحزن لضلالهم , ولا تحزن عليهم { وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ }, إذا كان وفيا لدعوته , حريصا عليها , وكان يألم إذا أصر الناس على الضلالة , وإذا وقعوا فيها , كان يفرح إذا اهتدى الناس, وهذه- كما نوهت - هي خصائص الإسلام , الدين يسر , والخلافة بيعة , والأمر شورى , والحقوق قضاء , هذا الشاعر الموهوب لخص الإسلام في هذا البيت :

 الدين يسر والخلافة بيعة                           والأمر شورى والحقوق قضاء

 لكن بعضنا ممن يتصدى للدعوة - الإسلام - أي يدعو الناس الى الإسلام , و إلى إتباع الهدى , نجدهم- أحيانا- غلاظا شدادا , على النقيض من الخصائص التي ذكرناها,  ينفر ولا يبشر,  يعسر ولا ييسر ,  ديدنه أن يتهم الناس , ويفرح- للأسف - إن أخطا الناس , و ربما تصيبه حالة من الكآبة لو أنه رأى الناس قد اهتدوا , أو لم تثبت عليهم ما أشيع حولهم من أخطاء ومن مشكلات , ربما ! لأنه يظن أنه أفضل من الناس,  و أنه خير منهم , وهنا يحضرني ما روي عن عيسى- عليه السلام-  في موطأ الإمام مالك , كان يقول :"لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب , ولكن انظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد,  فإنما لناس مبتلى ومعافى , فارحموا أهل البلاء , واحمدوا الله على العافية",  تأمل هذا الكلام , لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب , لستم آلهة , لستم ديانين , الناس مخطئ و مصيب,  فإنما الناس معافى ومبتلى , فارحموا أهل البلاء , واحمدوا الله على العافية , لا تتهموا الناس , لا يكن موقفكم من الناس موقف الإدانة و الاتهام , إنما هو موقف الحرص , وكونوا جذابين لدين الله , كل من يقف في دائرة الدعوة الى الله,  خطابة أو تأليفا ودعوة و تبليغا ,  ينبغي عليه أن يختار أفضل الأساليب , وأحسن الوسائل,  ليجذب الناس الى دين الله , فهو مسئول أمام الله,  والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما قالت عائشة:" ما خير بين أمرين الا اختار أيسرهما , ما لم يكن إثما ".

وأنا أضع بين أيديكم جملة من المواقف والمخالفات , عالجها النبي- صلى الله عليه وسلم - بحكمة فائقة , و أعرف أنكم تعرفون هذه المواقف مسبقا , لكن من باب الذكرى  {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } , ونحن عندما نتقابل هنا إنما يذكر بعضنا بعضا . الموقف الأول ,: و لك أن  تقارن بين ما فعله النبي- صلى الله عليه وسلم-  كما سترى وبين ما يمكن أن يفعله بعض المنتسبين إلى الدين , الرجل الذي بال في المسجد , العرب قبل الإسلام,  كانوا لم يكونوا شيئا مذكورا , ولذلك هذا العربي بال في معبده , لم يذكر التاريخ أن أحدا بال في معبده الا هذا الإعرابي , الإسلام هو الذي رفع العرب الى أعلى عليين , الرجل جاء إلى المسجد و صلى مع النبي- صلى الله عليه وسلم-  فقال -وهو يصلي - :" اللهم ارحمني ومحمدا , ولا ترحم معنا أحدا",  جاهل , هذه الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء,  أراد أن يقفها عليه وعلى النبي , والله تعالى يقول{ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } , اللهم ارحمني ومحمدا , ولا ترحم معنا أحد , فلما قضى النبي صلاته , نظر إليه وقال له:"  يا أخ العرب , لقد تحجرت واسعا" ,  ضيقت أمرا وسعه الله, الله ذو رحمة واسعة , فكيف تدعوا هذا الدعاء العجيب؟! لكن علمه النبي هذه الحقيقة الإيمانية  في غاية الهدوء , ثم ما لبث الرجل أن قام وبال في المسجد , لما بال تناوله الناس بألسنتهم ونهروه وزجروه , فقال- صلى الله عليه وسلم, معلم البشرية الخير,  أستاذ البشر , وسيد الخلق - قال :" دعوه لا تزرموه",  لا تقطعوا عليه بوله , دعوه يكمل مهمته , فتركه الناس,  فلما انتهى أقبل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له :"يا أخ العرب , إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر, إنما هي للصلاة ولذكر الله,  ولقراءة القرءان",  ولم يزد النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك . هذه واحدة , لك أن تتخيل لو حصل ما يشبهها أو ما  قاربها , لا ينبغي أن نكون غلاظا شدادا , إننا نسيء إلى ديننا , إننا ننفر الناس منه,  إن الإسلام عندما انتصر أول مرة , وانتشر في العالمين , لم يتقدم فقط بمنظومة عقائدية وتشريعية نظرية , لا كانت البشرية في حاجة للإسلام ,تأمل !! كانت البشرية تعيش في ظلم كسرى وقيصر , فكان عدل عمر ابن الخطاب , كانت البشرية أحوج الى عدله , من الظلم والقهر الذي يعيشه العالمون آنذاك , فعندما تقدم الإسلام للناس لم يتقدم بالسيف , كان يحمل العقيدة ويبشر بها , ويحمل الشريعة , لكنه كان يحمل العدالة والمساواة والحرية , والكرامة,  ترى ماذا يحمل المسلمون اليوم؟ ماذا نقدم للبشرية اليوم؟ ما الذي يغري الناس في العالم باتباع ديننا؟ أن نقدم لهم العقيدة مجردة عن التطبيق الحسن , والمحترم للإسلام . أوتي برجل كان يشرب الخمر , وجلد فيها أكثر من مرة  , -وكما تقول كتب السنة - أوتي به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في شرب الخمر أكثر من خمسين مرة, الإسلام لا يريد أن يوقع الناس بالخطأ , لا يتلهف لعقوبة الناس, العقوبة أمر استثنائي في الإسلام , الهداية هي الأصل , -وكما قلت - أوتي للنبي أكثر من خمسين مرة , فجلده -صلى الله عليه وسلم - على شربه الخمر,  فغضب أحد الناس من كثرة الإتيان به , فقال له :" ما أكثر ما يؤتى بك ؟ أخزاك الله أو لعنه ", فقال -صلى الله عليه وسلم - :" لا تلعنوه, لا تكونوا عونا للشيطان عليه , فو الله ما علمت الا أنه يحب الله ورسوله ", يحب الله ورسوله , ويشرب الخمر ؟! نعم , ربما أدى الإدمان على شلل في إرادته , لكنه في أعماقه يحب الله ورسوله , والمعصية لا تخرج صاحبها من دين الله,  والله تعالى يفتح أبواب التوبة , انظر يا أخي : يشرب الخمر خمسين مرة , و يؤتى به في كل مرة الى النبي -صلى الله عليه وسلم - والرسول يقول :" لا تلعنوه , فو الله ما علمت الا انه يحب الله ورسوله ", نريد أن نقف عند هذه النماذج وهذه الأساليب , الذين يظنون أن مفاتيح الجنة في جيوبهم , وأنهم خير من خلق الله , هؤلاء يسيئون إلى أنفسهم ويسيئون الى دين الله , فلينظر هؤلاء إلى سيرة سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم -.  جاء رجل أيضا يقال له معاوية ابن الحكم -هو يروي قصته -في صحيح مسلم , يقول:"  بينما أنا أصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في الجماعة , إذ عطس رجل , فقلت :يرحمك الله , أثناء الصلاة , فرماني القوم بأبصارهم , فقلت وا ثكل أمياه (يدعو على نفسه بأن تفقده أمه) ,  الثكل أن تفقد الأم ولدها,  واثكل أمياه( يا ويل أمي ) ما الذي فعلته ؟ ما شئنكم تنظرون إلي ؟ يقول لهم أثناء الصلاة , فجعل الصحابة يضربون بأيديهم على أفخاذهم,  يصمتون و قال: فعلمت أنهم يصمتونني , فسكتت , فلما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم - صلاته نظر إليه,  يقول الرجل : فبأبي هو وأمي رسول الله(  يعني افديه بابي وأمي ) , ما رأيت قبله ولا بعده معلما أحسن تعليما منه ! قال لي: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس , إنما هي للتسبيح والتكبير وقراءة القرءان " ", وانتهت المسألة , لكن هذا الأسلوب الحسن الذي رأيناه مع الذي بال في المسجد , والذي شرب الخمر , والذي تكلم في الصلاة , هذا يحدث تحولا كبيرا في عقل الإنسان وقلبه , هذه مواقف الحقيقة إذا قسناها نحن بعقولنا , مواقف استفزازية , من الصعب أن نتحملها نحن , أن يبول رجل في المسجد , و أن يؤتى برجل يرتكب الجريمة نفسها خمسين مرة , و أن يتكلم رجل في الصلاة , مواقف استفزازية , لكن رأيتم كيف عالجها النبي- صلى الله عليه وسلم-؟!,  القصة الاستفزازية الأخيرة , في حديث أخرجه الإمام احمد في مسنده,  جاء رجل -فتى شاب - يقول للنبي-  صلى الله عليه وسلم- :"  يا رسول الله ايذن لي بالزنا - يستأذنه في فعل الفاحشة - , فزجره الصحابة , وانتهروه فأومأ إليهم النبي أن يكفوا عنه , فقال له: ادنوا, اقترب فدنا الرجل منه قال: له أتحب أن يفعل بأمك ؟, قال: لا وفداك أبي وأمي يا رسول الله,  بأختك؟ قال: لا فداك أبي وأمي يا رسول الله, عدد النبي كل قريباته , يريد أن يقول له: لماذا تحب لغيرك , ما لا تحبه لنفسك ؟ هذا ضرب من الأنانية , يريد أن يلهب مشاعره الداخلية , و أن يحرره من أنانيته , كل مرة كان يقول:  لا , وفداك أبي وأمي , ثم قال له -صلى الله عليه وسلم - : وكذلك الناس , لا يحبون لأمهاتهم وبناتهم وأخواتهم , ثم وضع -صلى الله عليه وسلم - يده الشريفة على صدره,  وقال:" اللهم اغفر ذنبه , اللهم طهر قلبه , اللهم حصن فرجه ", فيقول الرجل :" فو الله لقد جئت الى النبي -صلى الله عليه وسلم - وما من شيء أحب إلي من الفاحشة , ولقد خرجت من عنده وما من شيء أبغض إلي منها" .

  هذه بعض المواقف النبوية , وبعض المعالجات النبوية ,لبعض المواقف الشاذة , نقدمها هدية متواضعة لإخواننا الأعزاء الذين يمارسون أحيانا غيرة , أشد من غيرة النبي -صلى الله عليه وسلم – و لو فكر كل منا في نفسه , لوجد أنه يمكن أن يقع في نفس المنكر الذي يحذر منه الناس , فليحمد الله على العافية{ َلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً }, أيها الإخوة : الإسلام ينظر إلى العصاة , والمخطئين نظرة الطبيب الى المريض , وليست نظرة الشرطي للمجرم , يريد أن يثبت ويحرم هذا المتهم من التراجع , عندنا في الفقه الإسلامي و لو تراجع الإنسان عن اعترافه  يجوز له , ولا يجوز لنا أن نلاحقه و أن نثبت عليه , ونقول له:" أنت قلت كذا وكذا,  أن نتحايل عليه رغبا ورهبا " ,- فكما قلت - ينظر الإسلام إلى العصاة والمخطئين , على أنهم مرضى , أقول قول هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

  فيقول العرب : "أنه عند الشدائد تذهب الأحقاد ", وهذا خلق رفيع,  وجميل,  ألا يبقى حقدك على أخيك حتى لو في وقت الشدة  والمحنة , والله لا ينبغي أن ينطوي قلبي وقلبك كمؤمنين على حقد, حتى في الرخاء , فكيف بالشدائد ؟! ونحن -أيها الأعزاء - منذ سنين , ثلاث أو أقل نعيش هذه الظاهرة الخطيرة ظاهرة الانقسام , والعجيب أننا كمسلمين وكعرب , وكفلسطينيين,  كمثقفين , وكنا نحلم بالوحدة تضم العالم العربي والإسلامي , وإذا بنا نبتلى بالتجزئة والفرقة والانقسام في أخطر بقعة من بقاع العالم العربي والإسلامي,  قلب الأمة فلسطين,  فلسطين قلب الأمة و قضيتها المحورية , نبتلى بهذا الانقسام الخطير , وخطورة هذا الانقسام أننا ما زلنا نعيش سطوة الاحتلال , والاحتلال ما زال يتحكم فينا , يتحكم في دخولنا وخروجنا , في هوياتنا , وشهادات ميلاد أطفالنا , في سماءنا وأرضنا , في بحرنا وبرنا , فهذا الانقسام لا مسوغ له على الإطلاق , لا مسوغ دينيا له , ولا سياسيا , اللهم إلا النفس , وما أدراك ما النفس؟ , النفس هي مجمع الآفات و الرعونات , إن النفس لأمارة بالسوء , الاحتلال ما زال يسيطر علينا , كيف يمكن أن ينقسم شعب على نفسه ومقدساته محتلة , وأسراه في السجن , وأرضه سليبة,  وحريته مصادرة,  وأنا اعرف والله بأن واجبي أن أتكلم , لكني أعرف أنكم تعرفون أكثر مني  في هذا الموضوع , لكننا  قدر الله أن الناقوس في أيدينا دائما, لكن على من تقرع مزاميرك يا داوود ؟ أو لمن تقرع الأجراس ؟ الناس في آذانهم وقر , لأن المصالح والذات متضخمة جدا جدا ,  فالأمم عندما يصعب عليها أو يستحيل أن تحقق وحدة الصف , إنها تبحث عن مستوى آخر من الوحدة , تتحد حول الهدف -يا سيدي - , إذا عجزنا أن نكون صفا واحدا , أنا أسمع الكل يتحدث عن التحرير وعن الاستقلال والدولة, هناك أهداف يمكن أن يلتقي الناس عليها, مما يؤسف له أنك عندما تطالع المواقع الالكترونية , أو الإذاعات , أو مقالات بعض الصحافيين , تجد ما يؤجج الناس , كلما اقترب الناس بعضهم من بعض , وجدت من يؤجج , لقد سميت هذه الإذاعات والمواقع يوما ما "حمالة الحطب " , افتح على هذه المواقع لترى العجب العجيب , وأنا أتابع هذه المواقع أو هذه المقالات , أتخيل الأعداء,  ما موقفهم يا ترى ؟أتخيلهم يفركون أيديهم سرورا , لقد حققوا أهدافهم , - أيها الناس- ماذا ننتظر؟ ماذا في أيدينا ؟ إن لم ينهض الناس جميعا  سوف يقتلون فرادى , نحن نرى خطوات على الطريق, بدايات نسأل الله أن يتوجها بالوحدة والمحبة , والإخوة والتماسك , وأن ننفتح على أهدافنا الكبيرة , في ظل هذا الانقسام الخطير والبشع , انطمست أهدافنا الكبرى , أمالنا العظيمة في التحرير والعودة , والاستقلال , كل ذلك في ظل هذا الانقسام البشع والمشين والكريه , انطمست,  لم يعد أحد يتكلم في الأهداف الكبرى لقضيتنا , إنما نتكلم بأوضاعنا المتواضعة , لها علاقة بالمعيشة اليومية,  وبنهاية هذا الوباء الذي أصابنا.

 أيها الأعزاء :من مشكلاتنا الكبرى,  مشكلات الأمة العربية والإسلامية  في هذا العصر , غياب القيادات الرشيدة , في نظري أن القيادة نوعان , نوع يحتمي بالشعب , ونوع يحمي الشعب , قيادة تحتمي بالشعب , و قيادة تحمي الشعب , قيادة تتكلم عن الشعب كثيرا ولا تخدمه إلا قليلا,  وقيادة مسخرة لخدمة الشعب , أنا عندما أقرأ في السيرة النبوية أن المسلمين في المدينة المنورة , سمعوا صوتا شديدا أزعجهم , فهرعوا إلى جهة الصوت ليعلموا حقيقة الأمر,  فماذا وجدوا ؟, وجدوا النبي -صلى الله عليه وسلم- راجعا من مكان الصوت , وهو يقول لهم: "لن تراعوا "لا خوف عليكم , سبقهم إلى مكان الصوت , يؤمن شعبه وأمته . أعجبني الشاعر العربي أيضا -وهو يمتدح القائد الشهير سيف الدولة الحمداني- وسيف الدولة خاض معارك كثيرة مع الروم , وحقق انتصارات عظيمة , يقول له -وهو يصف القيادة التي تدخر نفسها لشعبها , ولا تدخر شعبها لها -يقول المتنبي -وهو يصف ويخاطب سيف الدولة - يقول له :

الجيش جيشك غير أنك جيشه                           في قلبه ويمينه وشماله

ترد الطعان المر عن فرسانه                           وتقاتل الأبطال عن أبطاله                                                               

كل يريد رجاله لحياته                                 يا من يريد حياته لرجاله   

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.