بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

فقد أخرج الإمام القرطبي في تفسيره المشهور بسنده المتصل , هذه الحكاية الظريفة , قال : " جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-  يشكو أباه , يقول:" إن أبي أخذ مالي" فنزل جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم -وقال له :" إذا جاءك الشيخ -أبا الرجل - فاسأله عن شيء قاله في قلبه ما سمعته أذناك " لم يصرح به , فجاء إليه الشيخ فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم - وقال له :" أتريد أن تأخذ مال ابنك ؟" قال :"لا يا رسول الله, سله وهل أنفقه إلا على نفسي أو على إحدى عماته أو خالاته"  فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-  :" دعنا من هذا , وقل لي عن شيء قلته في نفسك لم تسمعه أذناك " , فقال الرجل -وقد استغرب – فقال:  "فو الله ما زال الله يزيدنا يقينا بك يا رسول الله"  في إشارة إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم - أعلم من قبل الله ماذا قال في نفسه , فقال الرجل:" فو الله ما زال الله يزيدنا يقينا وإيمانا بك أنك رسول الله " , فقال الرجل- لعل هذه الأبيات التي قالها في نفسه ولم يفصح بها أمام ابنه , لعلها من محفوظاته وليس من إنشاءه أو لعلها من إنشاءه - لكنه لم يسمعها ابنه و أسمعها رسول الله ,  قال في لحظة عتاب مع هذا الولد المتشدد مع أبيه , المنكر لجميل أبيه عليه يقول له

غدوتك مولودا وعلتك يافعا                         تعل بما أجني عليك وتنهل

إشارة إلى كسبه عليه وهو صغير,  يطعمه المرة بعد المرة , العرب تقول: أعله إذا سقاه مرة بعد مرة , وتقل أنهله إذا سقاه أول مرة

غدوتك مولودا وعلتك يافعا                         تعل بما أجني عليك وتنهل                                    

 اذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت                        لشكواك إلا ساهرا أتململ

كأني أنا المطروق دونك بالذي                        طرقت به دوني فعيني تحمل

تخاف الردى نفسي عليك                          وإنها لتعلم أن الموت حتم مؤجل

   فلما بلغت السن والغاية التي                      إليها مدى ما كنت فيك أأمل

 جعلت جزائي غلظة وفظاظة                            كأنك أنت المنعم المتفضل

  لما بلغت مبلغ الرجال,  وقد بدلت في تربيتي كما بدلت , كافأتني بهذه الفظاظة وهذه الغلظة , وهذا ما نلمحه في كثير من الأبناء تجاه آباءهم, ثم يقول الرجل

فلما بلغت السن والغاية التي                           إليها مدى ما كنت فيك أأمل

جعلت جزائي غلظة وفظاظة                            كأنك أنت المنعم المتفضل

فليتك إن لم ترع حق أبوتي                            فعلت كما الجار المجاور يفعل

وسميتني باسم المفند رأيه                              وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل ( لا رأي لي )

  ثم يصف ابنه بوصف عجيب , أيضا تراه في كثير من الأبناء عندما يغترون بأنفسهم عند شيخوخة آبائهم                تراه معدا للخلاف كأنه                                برد على  أهل الصواب موكل

  محشو بالجدل والنقاش والبذاءة لا يستجيب إلى دعوة الخير { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } , ثم يكمل القرطبي روايته,  فيقول : فأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم- بتلابيب الرجل الشاكي -ابن الشيخ - وقال له :" أنت ومالك لأبيك , أنت ومالك لأبيك " , الإسلام في محافظته على بناء المجتمع الإسلامي,  تميز عن المناهج الأخرى, موضوع بر الوالدين مما اختص به الإسلام , الإسلام لا يذهب بالآباء الى بيوت العجزة والمسنين, إنما يوجب الرعاية بهؤلاء على أبناءهم , على الأبناء , وخيانة الأبناء أو بالتعبير الإسلامي , العقوق, جريمة كبرى , والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول :" أكبر الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين", عدم البر بهما ,عدم طاعتهما , أسمع من يدفع أباه , وأسمع من يرفع صوته عليه, و أسمع بمن يطمع فيمن في يد أبيه قبل أن يأتيه الأجل,  و أسمع من يعتدي على أبيه , أو على أمه أو على والديه معا بأبشع أنواع الاعتداءات والسب والشتم والحرمان من النفقة , والبخل عليهما  بالكلمة اللطيفة , هل تظنون -أيها الأعزاء -هذا الذي ينكر جميل أقرب الناس إليه , هل تعتقدون أنه ينفع لدين أو لوطن أو لمجتمع ؟ هذا لا ينفع ,  هذا خائن , لا يمكن أن ينفع دينا أو ينفع وطنا أو ينفع مجتمعا , هذا الذي يسيء إلى أبويه , لأنه لا خير فيه لأقرب الناس له , فكيف يمدني أو يمدك أنت بالخير؟! كيف؟! هذا الذي سهر على تربيته , هذا الذي تعب من أجله , إنهم يقولون :" إن الوالد أو أن الرجل لا يتمنى أن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه , إنه يحمل في قلبه كل الحب لابنه , وكل الأمنيات الصادقة , أن يحقق هذا الابن أفضل مستقبل, لكن إذا كان هذا الولد عاقا منكرا لجميل أبيه , فقد وقع في الهاوية , لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:" أكبر الكبائر" والقرءان الكريم رهن غفران السيئات باجتناب الكبائر {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً } , لاحظ يا أخي , أن القرءان الكريم عندما تكلم عن هذه المسألة المهمة , والتي تميز المجتمع الإسلامي في بناءه الداخلي , الأسرة , هل يمكن لها أن تستقر وهناك مناوشات دائمة ومناوشات غير منطقية بين الابن وبين أبيه؟  هذا خروج عن المنطق , وخروج عن الفطرة , خروج عن الدين , ولذلك -كما قلت- عندما نرجع الى القرءان, نجد أن القرءان أولى هذه المسألة عناية كبيرة , هناك سبعة مواضع في كتاب الله في سبع سور يتحدث فيها القرءان عن ضرورة بر الوالدين , ليقدم لنا هذه المسألة كفريضة قرآنية تضمن استقرار الأسرة , وتضمن سعادتها , وتضمن استقرار المجتمع ككل , الابن العاق , عاهة وآفة من الآفات التي تتهدد المجتمع , هذا الابن لا شرف له , لا دين له ,لا قيم عنده , هذا الذي ينظر إلى أبيه وقد بلغ من الكبر عتيا , أو لم يبلغ, نظرة خالية من الاحترام أو من التوقير وخالية من الاستجابة لنداء الله تعالى . في مواثيق بني إسرائيل الأولى , عندما أخذ الله عليهم ألا يعبدوا إلا إياه , أوصاهم ببر الوالدين, في مواثيق بني إسرائيل الأولى , الكتب الأولى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }, سوف تلاحظ -يا أخي العزيز- أن هناك ربطا بين الأمر بالإحسان للوالدين , وبين عبادة الله, في إيحاء لا يخفى على ذي عقل , أن عبادتك و أن دينك مهدد , إذا كنت سيء العلاقة بوالديك ,هذه إشارة ينبغي ألا تخفى علينا , {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } فعبادتك مرهونة بإحسانك إلى والديك , لأن كلا الدائرتين شكر , عبادة الله هي شكر لله على نعمة الإيجاد , وبر الوالدين هو شكر للوالدين,  فأنت إذا جحدت في دائرة وشكرت في دائرة , معنى هذا أنك هددت الدائرة التي شكرت فيها , وأن شكرك ليس صادقا , {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } انتقل إلى سورة النساء , وهي تحدث المؤمنين مباشرة , يقول الله فيها { وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }, فإذا انتقلت إلى سورة الأنعام سمعت الله يقول{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا}ً , هذه مواضع ثلاثة في البقرة وفي النساء والأنعام ربطت فيها عبادة الله بالإحسان الى الوالدين , ثم جاءت الآيات التي فصلت نوعا من التفصيل في سورة الإسراء {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} , أربعة مواضع , لا تصح لك عبادة الله إلا بالإحسان للوالدين , هذا الأحمق الذي يرفع صوته على أبيه أو أمه , هذا الغر الغبي الذي يدفع والدته المسكينة , هذا الذي يبخل عليهم بالنفقة , هذا الذي يطمع في ما في أيديهما من مال أو ملك و هم أحياء ,  أي تدين هذا وأي عبادة هذه ؟ {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ,  وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } , خمس فرائض- أيها الإخوة- وهل هناك أقل من أف , التأفف لا يجوز,  هذا نهي والأصل في النهي التحريم,  فكيف بسبهما وشتمهما وطردهما من البيت والاعتداء عليهما , و رفع الصوت عليهما , كيف -أيها الإخوة -؟ الذي قال لك أقم الصلاة , هو الذي قال لك لا تقل لهما أف , هو الله- سبحانه وتعالى - وهو الذي ربط عبادته بطاعتهما و, قل لهما قولا كريما,  كلاما لينا لطيفا , عندما قيل لأحد الصالحين , أنت من أبر الناس بأمك , كان يضرب به المثل في بره بأمه , لكنه كان لا يأكل معها ,  لكننا لا نراك تأكل معها , فماذا قال الرجل؟ , قال:" والله إني أخاف أن أكل معها, فتسبق يدي إلى لقمة اشتهتها بعينها" , { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ,  وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }  وجاءت الوصاة بالوالدين أيضا في ثلاث سور أخرى , لكن بصيغة ووصينا الإنسان , أكثر إطلاقا, في العنكبوت  {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } , وفي سورة لقمان بعد أن جاء على لسان لابنه  {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ , وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } , هناك بعض الناس من أحسن الناس في علاقاتهم مع الآخرين , ومن أكثرهم تجثما مع أبيه وأمه , كما جاء في بعض الأحاديث :" يبر صديقه ويجثوا أباه, ويعق أمه , ويطيع زوجته " , هذه تحولات اجتماعية و انتكاسات أخلاقية يتحدث عنها النبي- صلى الله عليه وسلم- ,هذه نصوص القرءان الكريم في , سورة الأحقاف تكلمت أيضا عن الوصاة بالوالدين والإحسان إليهم , لكنها رسمت نموذجين أو صورتين للولد البار وللولد العاق , وتكلمت عن جزاء كل منهما,  في سورة الأحقاف يقول الله تعالى{ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً }, فيه إشارة إلى مشقات الحمل , ومشقات الولادة , وقول الله هذا ذكرني بالقصة التي تأتي أن رجلا وزوجته تقاضيا عند قاضي المسلمين , بعد أن قررا أن ينفصلا , وتقاضيا حول ولد لهما, فجلس الرجل والمرأة أمام القاضي, فقال الرجل : " أيها القاضي هذا ولدي , علمته من علمي , وآتيته من حلمي , وهي تريد أن تأخذه مني" ,  فقالت المرأة :" رحم الله القاضي, صدق والله, لكنه ولدي , كان بطني له وعاءا , وثديي له سقاءا , وحجري له فناءا , وهو يريد أن يأخذه مني " , فقال الرجل الفصيح -الزوج – قال:" أصلح الله القاضي, هذا ولدي حملته قبل أن تحمله , و وضعته قبل أن تضعه " -يظن انه اكبر ذكاءا - في إشارة إلى مرحلة النطفة,  لكن المرأة المسكينة أمام طاغوتية الرجل أنطقها الله فقالت :" رحم الله القاضي , صدق والله , لكنه حمله خفا , وحملته ثقلا , و وضعه شهوة ووضعته كرها ",  فقال القاضي:"  خذي ولدك وأنت دعني من سجعك"  {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } , أرأيت هذه الخاتمة؟  أرأيت هذا المنطق الودود الجميل الرحيم؟ يقول الله تعالى  {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } , هذا جزاءك يا أخي , جزاءك أيها البار , ومهما فعلت لن تفي والديك , النبي- صلى الله عليه وسلم - قال للرجل -الذي كان يحمل أمه على كتفيه ويطوف بها في الكعبة - فقال : " يا رسول الله, هل تراني جازيتها , كافأتها؟ "  قال:"  لا والله, ولا بزفرة واحدة من زفرات الميلاد " , يظن بعض الناس أنه يرعى أباه المريض -وهو في شيخوخته - أنه كافأ أباه , وكافأ رعاية أمه وأبيه عندما رعوه وهو صغير,  فقال أحد العلماء :" لا , ولا مجال للمقارنة , هم رعوك وهم يتمنون لك المستقبل السعيد , الحياة والسعادة , وأنت ترعاهما وتتمنى أن تستريح منهما , هناك فرق , لا مجال للمقارنة , ثم تكلمت سورة الأحقاف عن الولد العاق فقال تعالى  {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ , أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } , أمامك -أيها الأخ المسلم- فريقان , فريق الربح , وفريق الخسارة , طريق النجاة,  وطريق الهلاك , أما قرأت قول الله تعالى من سورة هود عن نوح ومن آمن معه {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ , قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء} , هذا الابن العاق المضلل التافه,  فاقد القدرة على التأمل والتحليل والمنطق , { سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء} ممن يعصمك يا غبي؟  من الله ؟ وهل هناك شيء يعصم من الله؟ وهي تجري بهم بموج كالجبال , هذا نموذج صارخ للابن العاق , يدعوه أبوه للنجاة , لما فيه مصلحته, كم من أب يبح صوته وهو يدعو ابنه لما في من مصلحته,  لكن العاق مطموس البصر , مطموس البصيرة {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ , قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ , وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} , وبعد ذلك يبقى قلب الأب رحيما ورءوفا  {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ , قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } , هذه مصاير العاقين , لكن البررة أولئك الذين يطيعون في أحلك الظروف { قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ }, ضع الصورة أمام الصورة , وضع النموذج أمام النموذج , نموذج مطموس البصر والبصيرة , يدعى للنجاة فلا يستجيب , ونموذج يدعى للذبح ,

{ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ  فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} لكن الله خلد ذكره , اللهم إنا نعوذ بك من العاقين والعقوق , ونسألك يا رب أن تهيئ لنا أسباب البر بآبائنا وأمهاتنا وان تغفر لنا ولهم انك على كل شيء قدير أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 

قضية بر الوالدين قضية في غاية الأهمية , والمجتمع الذي يروج فيه البر وحسن الخلق مع الآباء والأمهات , مجتمع مضمون السعادة, ومكفول برحمة الله, لأن هؤلاء الأبناء البررة , هم الأمناء على الوطن, والأمناء على الدين , إن الله تعالى يحدثنا عن كبار الأنبياء , وكيف كانوا يدعون لآبائهم وأمهاتهم , على لسان نوح {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً } , وعلى لسان إبراهيم  {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } , إبراهيم - أبو الأنبياء - , ونوح, إبراهيم رغم أن أباه كان كافرا,  لكن إبراهيم عندما جادله , جادله جدالا رقيقا مع أن أباه كافر  {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً , إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً , يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } , لم يكن فظا مع أبيه , أنا أسمع بعض المنتسبين للتدين,  يتباهى إن كان أبوه على معصية صغيرة أو كبيرة , كيف أنه فاصل أباه , وفعل وفعل , حتى لو كان أبوك مخطئا , لابد أن تخفض له الجناح , حتى لو كان مشركا , وهذا نبي الله {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} و هذه تساوي ( يا أبت انك جاهل لا تعرف شيئا ) لكن إبراهيم عدل عن هذا التعبير و عبر تعبيرا آخر {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } حذره من الشيطان  {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً } , وعندما هاجمه أبوه بعنف  {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً , قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } , ولقد وقع في يدي دعاء طيب مبارك , وضعه أحد الصالحين , أنا والله لا أعرفه , لكن صيغته صيغة مباركة , فكتب عليه دعاء بر الوالدين , وأتمنى أن يكون في يد كل واحد منكم , وعلى كل حال لقد تطوع بعض الإخوة بتوزيع هذا الدعاء المبارك على أبواب المسجد بعد الصلاة , احتسابا لوجه الله تعالى , خذوه واقرؤوه , اجلس ولو مرة واحدة في العمر , ادعوا بهذه الصيغ الجميلة الطيبة لأبويك , إن كانوا أحياءا أو أمواتا,  جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم – قال: " يا رسول الله , هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟" , قال:" نعم الصلاة عليهما( أي الدعاء ) والاستغفار لهما , و إنفاذ عهدهما , وصلة الرحم التي لا توصل الا بهما , وإكرام صديقهما " , هناك أحاديث أخرى وآيات عظيمة حول هذا الموضوع , لكن الوقت يضيق بذلك , وكان بودي أيضا أن أتكلم عن الموضوعات العامة في حياتنا , هناك مثل شعبي يقول:"  يرى الذئب ثم يقص مع أثره" ,  إذا  رأيت الذئب فلماذا تقص أثره؟ هذا الذي يحدث بنا -أيها الأعزاء - إنهم يخدعوننا , الدولة الفلسطينية خدعة,  كلها فكرة الدولة على أرض قطاع غزة والضفة الغربية , هذه من الخدع إن قضيتنا ينبغي أن تكون العودة,  و أن يتمحور نشاطنا السياسي والثقافي والفكري على هذه القضية الأساسية , هذا هو جوهر قضيتنا , فكيف دخلنا في هذه الدهاليز , وأصبح الآن الاستيطان هو القضية المقيمة المقعدة , والمعابر والحدود , هذه أيها الأعزاء تداعيات للمسألة وليست هي المسألة , إننا إذا تشبثنا بهذه التداعيات وغفلنا عن القضية الأم الأساسية,  كنا كمن يرى الذئب ويقص أثره.

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.