بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.

 أما بعد:             

ففي تصوير الصراع بين الحق والباطل , والنهايات التي يؤول إليها هذا الصراع , يقول الله تعالى  {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ } , هذه الآية تحتاج إلى عودة لكتب التفاسير, حتى يتيقن الإنسان معناها كاملا , - على كل حال - في هذه الآية الكريمة : يصور الله الحق والباطل , الحق بأنه الماء الصافي النقي , والباطل هو الرغوة , أو الحق هو المعدن الأصيل الذي يصقل على النار, والباطل هو الهباء الذي يعلوه.

{أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً }   ( الرغوة )  {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ } ( جواهر , ذهب الخ ) {أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}  ( فالحق هو الماء النقي , هو المعدن الأصيل , و الباطل هو الرغوة التي لا تلبث أن تنقشع و أن تذهب أدراج  لكن اللافت للنظر تعبير القرءان عن الحق عندما قال{ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} وهذه هي أهم سمات الحق , أنه نفّاع للناس , مبادئ الإسلام , مبادئ الدين جاءت لمصالح العباد والبلاد , وقصة الحياة هي قصة الصراع بين الحق والباطل , أو بين المبادئ والمصالح , القوى المضادة للحق لا تسمح للحق أن يسير و أن يتواصل, تعترض هذا الحق , لأنها صاحبة مصالح , لأن هناك خرافات تعشش في أفئدتها و في أدمغتها,  وهناك مصالح تدر عليها- كما يقولون- السمن والعسل , فهي لا تريد أن يتغير هذا الواقع , ولذلك هذه القوى المضادة تتصدى للحق وتعترض طريقه بكل ما أوتيت من قوة {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} , يسطون : أي يبطشون , لا يتحملون كلمة الحق , تضيق صدورهم بالمبادئ التي ترد الحقوق الى أهلها , المبادئ التي تبشر بالعدالة , المبادئ التي تبشر بالمساواة بين الخلق , تضيق صدورهم بالدين الحق -الذي جاء من عند الله - وهذا ما مارسته قريش وقوى الشرك والجاهلية والوثنية في مواجهة النبي- صلى الله عليه وسلم-, وهذا ما تمارسه قوى البغي وقوى الضلال , وقوى الضلال في كل زمان ومكان , ولذلك جاء في وصية أبو بكر الصديق -رضوان الله عليه - لعمر , قال له :" إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة بإتباعهم الحق, والحق ثقيل على النفوس , وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة بإتباعهم الهوى , والهوى خفيف على النفوس " , ان الله تعالى يقول  {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } , الحق يحتاج الى رجال كبار يحتضونه ويحملونه ويواصلون سيرهم به , ويواصلون مواجهتم للقوى المضادة للحق به, عندما نزل الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب إلى رجل خبير بطبيعة الصراع بين الحق والباطل , مطلع على الكتب المقدسة , خبير بأوضاع المجتمعات , إلى رجل يقال له - ورقة ابن نوفل - , يسأله عن هذه الحالة التي حصلت معه , فقال له- ورقة - للنبي - صلى الله عليه وسلم-:" ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك " , فقال نبينا -صلوات الله وسلامه عليه - باستغراب : أمخرجي هم! "  كأنه يقول: لماذا يخرجوني ؟ , لا أحمل لهم إلا كل خير , إني جئت أبشرهم برضوان من الله , في الدنيا والآخرة , جئت أردهم إلى خالقهم, لماذا يخرجونني ؟ أو مخرجي هم ! قال له ورقة ابن نوفل- في تأكيد على هذه السنة الإلهية , الصراع بين المبادئ والمصالح , الصراع بين الحق والباطل , الصراع بين العقائد السليمة وبين الواقع المنحرف والواقع الضار ,- مع من تقف ؟ إلى من تنحاز ؟ الحياة - أيها الناس - موقف:

قف دون رأيك في الحياة                              مجاهدا إن الحياة عقيدة وجهاد

الحياة ليس أن نأكل ونشرب وننام:

إن البطولة أن تموت على الظما     ليس البطولة أن تعب الماء

ما قيمة أن تعب الماء و أن تملأ البطن , وأنت تعيش ذليلا ومقهورا ومظلوما؟, الحق هو الذي يرفع مستواك , الحق هو الذي ينمي قدراتك , هو الذي يملأ جنبات روحك بالأمل , الانحياز إلى الحق هو الأساس, قال ورقة :" والله ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي" ,  وهذا حق لأن الباطل لا يتعايش مع الحق , اقرءوا القرءان الكريم {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } , النهاية لك أيها المؤمن ’ النهاية لمن يعتصم بالحق ,لمن ينحاز للعدل ضد الظلم , لمن ينحاز للعلم ضد الجهل , لمن ينحاز إلى مواقع ودوائر الفضيلة ضد الرذيلة,  الإسلام جاء ليعلمك هذا الخيار , لتختار دائما المواقع التي ترفع رأسك دنيا وأخرى, البيت الذي ذكرته هو من قصيدة رثا بها أحمد شوقي - عمر المختار الشهيد العظيم-  يقول له -وهو يصور الطبيعة التي منحها الله للرجال الذين يحملون الحق - :

 خيرت فاخترت المبيت على الطوى        لم تبني جاها أو تلم ثراء

 إن البطولة أن تموت على الظما         ليس البطولة ن تعب الماء

     الله تعالى يقول عن الكافرين الذين فقدوا هدفهم في الحياة , تنكروا لوظيفتهم التي خلقهم الله لأجلها , {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} , كالأنعام, إذا كان- والله- هدفي أو هدفك في هذه الحياة أن نأكل ونشرب وننام , فإننا نلحق بالكائنات الأخرى , وكما يقول شوقي أيضا:                                       رقدوا وغرهم نعيم الباطل                          ونعيم قوم في القيود بلاء

  ما قيمة النعيم ؟ وأنت مقيد , وحريتك مصادرة , وأنت لا إرادة لك , ولا حرية لك , و لا عزة لك, لذلك إذا قرأت القرءان بتمعن , عندما طلب بنو إسرائيل من موسى -عليه السلام- {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ }, تحولت قضيتهم إلى قضية طعام المن والسلوى كذا وكذا, ثم سئموا ألوان الأطعمة فطلبوا ألوانا جديدا  {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ} , الذي لفت نظري , كيف ربط القرءان بين ضرب الذلة وبين طلب الألوان من الأطعمة , أو تمحور النشاط الإنساني على موضوع الأكل والشرب وما شابه , فما من شعب وما من أمة تنسى قضاياها الكبيرة , وتنسى أهدافها , وتجري وراء هذه - بالمناسبة أنا لا أهون من قيمة مطاليب الحياة-  هذه مسائل مهمة , وقدرها الإسلام قدرها , لكن عندما يتمحور كل نشاطك عليها , تحول الى إنسان مادي , مفصول عن المبادئ السامية , الإسلام في كل توجيهاته يريد أن يربطك بالحق ومبادئ الحق , ولذلك الله تعالى لم يخلي جيل من الأجيال من رجال يحتضنون الحق ويجاهدون في سبيله,                                           إن الذي خلق الحقيقة علقما                             لم يخل من أهل العقيدة جيلا

 هناك من يحتضن هذا الحق ويدافع عنه , إن الله تعالى هيأهم.

 قلي بالله عليك , ماذا كان ينقص الإمام الحسين ابن علي - رضوان الله عليه - , عندما خرج لمواجهة الأمويين ؟, هل كان ينقصه جاه ؟ أجيبوني -أيها الناس- ينقصه مال ؟ إنه حفيد رسول الله , انه ابن علي , ابن فاطمة الزهراء , لا ينقصه جاه , إنه من نصلي عليه مع جده في  كل صلاة , اللهم صلى على محمد وعلى ال محمد , لم ينقصه جاه - رضوان الله عليه - ولا مال , إنه أوتي حظه من المال والكمال , ومن الجمال والجاه ,لكنه توجه ليدفع ضريبة الحق , وقاد - كما يقولون - رحلة الدم الذي سيهزم السيف,  و واجه الأمويين , عندما رأى الانحراف واضحا عن خط النبوة , كان يستطيع - رضوان الله عليه - أن ينام قرير العين , و أن يعيش هادئا بعيدا عن أي معاناة , إنما أراد أن يلقننا على درب جده - صلى الله عليه وسلم-  درسا في بشاعة الحياة بلا عقيدة , وفي زهادة الحياة بلا حرية , والحياة بلا حرية تافهة, الحياة بلا عقيدة بشعة , وانحطاط هذه الحياة عندما يسيطر الطغاة على الأرواح والعقول , بعد سيطرتهم على الأجساد,  فخرج-  رضوان الله عليه - حتى لقي الله شهيدا, رفع الله ذكره وقدره , أين قاتله ؟هل تعرفون قاتله ؟لا نعرف قاتله , إن قاتله مجهول طوته يد التاريخ , وإذا ذكر شيعه الناس باللعنات , بكى الناس كثيرا على الحسين - رضي الله عنه –

 مدارس آيات خلت من تلاوة                  ومنزل وحي مكفر العرفات    

و آل زياد في القصور مصونة                و آل رسول الله في الفلوات

   قيل لأحد العلماء , ما لذتك ؟ قال :" لذتي في حق يتضح اتضاحا , وفي باطل يفتضح افتضاحا ", إذا كانت لذتك ولذتي في أكلة هنية وفي جيب مملوء , هناك من يتلذذون بانتمائهم للحق , وخيارهم باتجاه الحقيقة , ما لذتك ؟ قال :" لذتي في حق يتضح اتضاحا , وباطل يفتضح افتضاحا " , لابد من دفع ثمن في سبيل إرساء دعائم الحق , لابد , دفع الحسين دمه , والشهداء العظام في كل زمان ومكان على درب الحسين , وكان هجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- صفحة من صفحات هذا الصراع الممتد بين المبادئ والمصالح , بين العقائد الحقيقية السليمة وبين الواقع المنحرف , ولذلك سمى القرءان الكريم هذه الهجرة نصرا {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} , ما أجلّ هذه الكلمة , وما أروعها ؟ إن الله معنا , لابد أن تتأملها تأملا جيدا,  إن الله معنا , متى ؟ إن أحد الشيوخ الصالحين قال لتلميذ له: "إن أردت أن تعرف مكانتك عند الله , فاعرف مكانة الله عندك" ,  سل نفسك إن الله معنا , بثقة قالها- صلى الله عليه وسلم- وقالها موسى: إن معي ربي , وقالها إبراهيم إني مهاجر إلى ربي , والقرءان أمرنا بالهجرة إلى الله , "ففروا إلى الله" , فروا بالحق الذي حملتموه في قلوبكم وفي صدوركم , و بانحيازكم للعدالة ضد الظلم, بانحيازكم للعلم ضد الجهل, بانحيازكم للحق ضد الباطل , بانحيازكم للصراط المستقيم ضد الانحراف {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ , صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} , انظر: كم مرة تكرر هذا الدعاء -يا أخي -في صلاتك ؟ إن أردت مكانتك عند الله , فاعرف مكانة الله عندك , ولذلك عندما أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- دولته بالمدينة وقام المجتمع الإسلامي , رأيت ملامح المجتمع الإنساني , المجتمع القائم على المحبة والأخوة , لا تناحر ولا تحاسد ولا تدابر {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } , الحق يكلفك أن تخرج من دارك , وأن تخرج من مالك , الحق يكلفك حياتك ,عندما جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال :" يا رسول الله إني أبايعك على الإسلام " , لم يعده رسول الله بوظيفة ولا يعده بمال ولا جاه , قال :" يا رسول الله إني أبايعك على الإسلام " , قال:" إذا يعقر جوادك , ويراق دمك " , هناك تكاليف ضخمة للحق - أيها الإخوة - إن حمل الحق ليس سفرا قاصدا , ولا نزهة , ولا رحلة قصيرة , الجهاد نضال , لكنه نضال له لذته ونتائجه العظيمة والسعيدة في الدنيا والآخرة , هذا هو الإيمان , الإيمان ليس تشدقا , ليس خطب ولا شعارات {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }, المهاجرون شريحة من شرائح المجتمع الإسلامي , ينصرون الله و رسوله , يبتغون فضلا من الله و رضوانا , أخرجوا من ديارهم , فقراء مهاجرين,  صادقون , الشريحة الثانية {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ }, المحبة - أيها الإخوة - الحب أيها المرشدون , أيها الدعاة , أيها الشيوخ , أيها الوعاظ , أيها المفتون , الحب الذي ينبغي أن ينتشر بين الناس , انزعوا الكراهية , انزعوا التعصب , انزعوا الحزبية الانقسام التفرق , يا دعاة الإسلام , أيها المرشدون, أيها المثقفون , أيها الإعلاميون , يا من يحب فلسطين وأهلها , كرسوا المحبة في قلوب الناس , كرسوا الوحدة في قلوب الناس , انزعوا الكراهية ,انزعوا الفرقة , انزعوا الانقسام ,لا تدوروا حول أنفسكم , لا تكونوا عبيدا لذواتكم ومصالحكم وأحزابكم وأنفسكم,  {ْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ و لَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ }, هذه هي صورة المجتمع الإسلامي , والذين جاؤوا من بعدهم , الأجيال المؤمنة المتوالية {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } , هذه بعض ملامح المجتمع - الذي يريد أن يصوغه الإسلام و أن يبنيه الإسلام - ربما تساءل بعضكم , قال إن قرءانا نزل في كثير من الأحداث ,بل سور بالكامل نزلت في أحداث كثيرة, إن كان هذا الحدث نصرا , تنزل السورة تتحدث عن أسباب النصر , وتحاول أن تكسر الغرور عند المنتصرين , كسورة الأنفال نزلت أعقاب معركة بدر , وتحدثت عن أسباب النصر , تحدثت عن الإعداد والاستغاثة بالله والتوكل عليه , و واجهت المسلمين الأبطال العائدين من أكبر انتصار , قالت لهم  {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } , و إن كان الحدث هزيمة , نزلت الآيات تتحدث بصدق عن أسباب الهزيمة , وتمسح الغبار عن جباه المهزومين , وتقول لهم الدهر يومان يوم لك ويوم عليك , كما تحدثت سورة آل عمران عن معركة أحد , وكما تحدثت الأحزاب عن الخندق,  وكما جاءت سورة الفتح في أعقاب الحديبية , ربما تساءل بعضكم , لماذا لم تنزل سورة باسم الهجرة ؟ هذا الحدث الكبير , الذي انشأ أمة , و أنشأ مجتمعا وصقل أخلاق المسلمين , لماذا؟  إن الله تعالى لم يرد أن ينزل سورة في الهجرة , يقرأها الناس وينتهي الموضوع , يقرأها الناس , إنما أراد أن تكون الهجرة روحا حاضرة في ضمير كل مسلم , ولذلك جاءت الهجرة على امتداد القرءان , سورة البقرة تكلمت عن الهجرة,  سورة أل عمران تكلمت عن الهجرة, النساء تكلمت عن الهجرة , الأنفال تكلمت عن الهجرة ,التوبة تكلمت عن الهجرة , وهناك سور أخرى كثيرة تكلمت عن الإخراج من الديار , ليستحضر المسلم دائما تكاليف الحق الذي يحمله , ولتكون الهجرة صورة ماثلة في ضمير كل مسلم,  نسأل الله أن يقبلنا أنصارا للحق , أن يؤيدنا بالحق و أن يؤيد الحق بنا.

 أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 

 القاضي الجرجاني - كان من علماء القرن الخامس الهجري - , وكان فقيها قاضيا أديبا,  وكان عزيز النفس , لا يدخل أسواق الحياة الدنيا , ولا يدخل ميدان التزلف و التملق , فكان يقول - رحمه الله - :

 إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى                ولكن نفس الحر تحتمل الظما

  أرى الناس من دانهم هان عندهم           ومن أكرمته عزة النفس أكرما

  المنهل مورد الماء , هذا مكان تحقق مصلحتك فيه, نحن نريد دعاة وعلماء ومرشدين ومؤمنين ومسلمين في هذا المستوى , يحتملون الظما , ولا يردون أي مورد, إنما يعتمدون على الله ويتوكلون عليه , ويطلبون منه الرزق والعزة والرفعة والكرم , ثم عندي آية وحديث , الحديث - هو من جوامع الكلم - ومن ينابيع الحكمة النبوية , من جوامع كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ينابيع حكمته يقول "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" , تأمل هذا الحديث , وكيف جعل النبي - صلى الله عليه وسلم- مقياس الإيمان,  ليس مجرد الركعات التي نخفض فيها رؤوسنا ونرفعها, ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب في شهر رمضان , لكنه جعل مقياس الإيمان الحالة الشعورية التي تعتليك , ما موقفك من الآخرين؟ انظر هذا كلام رسول الله , "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"  هل لنا أن نجعل هذا مقياسا لإيماننا أنا و أنتم ؟ ما نحبه لنا من قول أو فعل نقوله ونفعله, أن نقول لغيرنا ما نحب ما يقوله غيرنا لنا , وأن نعمل لغيرنا ما نحب أن يعمله غيرنا لنا , هذا هو الإيمان , بعد ذلك تأتي الصلوات والتسبيحات والهيئات , تأتي مكملة متممة لهذا المعنى , أما إن خلا شعورك من هذا المحتوى , فكنا كمن يبني قصرا مهيبا على كثيب مهيب من التراب , هل يجديك شيئا أن تبني قصرا ضخما على كثيب من الرمال؟ هل يصلح ذلك؟, الحديث إذا أعطانا مقياس الإيمان , هذا هو المقياس , ليس شيئا آخر , أما الآية القرآنية فإنها قدمت لي تفسيرا للدين كله  {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ , فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ , وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} , أيضا قدم لي القرءان تفسيرا للدين , إنه المسؤولية الاجتماعية , هل أنت صاحب نفس بارد تجاه قضايا الناس ؟ هل تمر على قضايا الناس فتهز كتفيك أو تمط شفتيك -وكان الأمر لا يعنيك -؟ , ثم تأتي مهرولا للصلاة , هل أنت كذلك ؟ من قال لك أن هذا دين ؟ الدين ما قاله الله , {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ , فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ , وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} , مسؤولية اجتماعية , الحديث القدسي الشهير الذي يكرس الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين , ويعتبرها من صميم الإيمان, يقول النبي – صلى الله عليه و سلم - : إن الله يسأل العبد يوم القيامة , يقول مرضت فلم تعدني , فيقول وكيف أعودك وأنت رب العالمين,  فيقول مرض عبدي فلان,  أما لو عدته لوجدت ذلك عندي ,"  هذه أمثلة , هذه نماذج للدوائر التي ينبغي أن يحس الإنسان بمسؤوليته تجاهها - أيها الناس - ثم يقول له:"  استطعمتك فلم تطعمني , فيقول كيف أطعمك وأنت رب العالمين, فيقول استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه , استسقيته فلم تسقني " , كلها تدور حول معنى آية الماعون, التدين محبة للآخرين ,لا يكمل إيمانك ,اسأل نفسك قبل أن تصلي ,هل تحب للآخرين ما تحبه لنفسك ؟هل تقلق من أجل حقوق الآخرين ؟ من أجل استضعافهم؟ من أجل اجتياح حقوقهم واستباحة أموالهم ودماءهم ؟{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ , فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ , وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.