بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين.

 أما بعد:             

فنريد أن نقف عند حديث القرءان الكريم عن بعض مشاهد الاحتضار , اللحظات الأخيرة في حياة الإنسان,  كيف وصفها القرءان؟ كيف تكون أحوال الناس في تلك اللحظات ؟ عند ساعة الاحتضار - ساعة الحقيقة - فلعل القلوب ترق , و لعلنا نستحضر هذه الساعة الحتمية في حياتنا , إنها ساعة الحقيقة , عندما نغادر هذه الحياة الدنيا , و نقف وجها لوجه أمام ما كنا نؤمن به غيبا , تصبح حقيقة ماثلة أمامنا , و الله جل جلاله يقول {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} والقرءان سمى الموت اليقين  {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} , باعتباره أعلى مستويات الحقيقة , لم يختلف اثنان من البشر حول حتمية الموت , و أنه نهاية كل حي , و لذلك تكرر الحديث عنه في القرءان , وتكرر عرض هذه المشاهد في هذه اللحظة في كتاب الله , و أيضا النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما كان يوصي باستحضار هذه اللحظة , و هي لحظة نهاية الدنيا بالنسبة لك أو بالنسبة لي , لا لتمثل هذه الحقيقة عبئا علينا , بل لتمثل دافعا وحافزا للمزيد من عمل الخير , فإذا أيقن الإنسان منا أنه سينتقل حتما إلى الله , فلماذا يحقد اذا ؟ ولماذا يستكبر؟  و لماذا يستكثر من حطام الدنيا ؟ ويخوض المشكلات تلو المشكلات من أجل هذا الحطام ؟ إن ثلاثة أرباع المشكلات أو أكثر بين الناس أساسها الدنيا وحطامها , فإذا أيقنت أن لابد أن تغادر هذا العالم , و أن ترحل عنه , فلابد إذا أن يرق قلبك و أن تخفف الحمل عن كاهلك, و أن تخفف الوطء على أديم هذه الأرض , و أن تخفف- أيضا - من ذنوبك وخطاياك , تستعد لذلك اللقاء الفذ,  ذلك اللقاء  العتيد مع الله.

 المشهد الأول في سورة النساء يقول الله تعالى  {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً , وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } , إذا نحن أمام إنسان يحتضر - في اللحظات الأخيرة من حياته - وعندئذ يتذكر ذنوبه وخطاياه , لا يا أخي!! , إن الله يريدك أن تتوب وأنت قادر على الذنب , لا أن تتوب بعد أن ينكسر سلاحك , إنها توبة العاجز , ماذا تغني هذه التوبة وأنت تغرر ؟ ولكن جاء في الحديث :" أن الله - سبحانه وتعالى-  يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ }, والقريب كل ما كان قبل الموت , وقبل الغرغرة , فإن الله الرحمن الرحيم  فتح لنا باب التوبة , طالما كنا قادرين على المعصية , نذنب ثم نعود إليه, فمنا من تصدق توبته ويصمد , و منا من يعود مرة بعد مرة , لكن في كل مرة يستقبله الله الاستقبال الحسن , ويغفر له , لكن إذا غرغر وبلغت الروح الحلقوم , فكيف تكون هذه توبة ؟ وهو عاجز عن الفعل , وهذا ما حدث مع فرعون , الآيات التي استشهدنا بها في الجمعة الماضية وفيها يقول تعالى {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } , يقول الله له { آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ , فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } , هذا المشهد يحثنا أيها الإخوة على أن نتوب الآن, وعلى أن نستغفر الآن , فلربما يأتينا الأجل فجأة , ماذا نفعل أيها الأعزاء؟  {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ }, لا فائدة, هذا مشهد.

 في سورة الأنعام , مشهد آخر يقول الله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ , وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } , ما طبيعة المشهد هنا ؟, هنا نحن أمام ظالمين عتاة , لكنهم يتحولون إلى ضعاف وصغار وهم في غمرات الموت , {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} , بعد قولهم الإفك , وبعد افترائهم على الله , وبعد تعديهم على الإنسان وكرامته , إنهم صغار صغار , {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} أي في سكرات الموت , غمرة تسلمهم إلى غمرة , إنهم يتحولون إلى خرقة بالية لا قيمة لها , {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ  والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } هذا التحدي الكبير أمام هذا الإنسان  العاتي الظالم الذي نسي هذه اللحظة , والله - سبحانه وتعالى - أكد هذا المعنى في سورة الأنفال , وهو يقول {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ } , وفي سورة الأنعام التي معنا { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } من هذا العذاب الذي أنتم فيه  {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ }, كما كنتم تهينون الناس نهينكم , فالجزاء من جنس العمل , { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} , الإنسان عرضة  - أيها الإخوة - لأن تتراكم على قلبه حجب كثيرة تحجبه عن هذه الساعة , وتحجبه عن هذه اللحظة , فيم يختلف الناس؟ وفيم يتقاتلون ؟ وفيم تنشأ بينهم المشكلات ؟ من أجل هذا الحطام , من أجل هذه الدنيا الفانية , ولذلك يقول الله تعالى - وهو يتحدث في هذا المشهد -{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ }, ما خولناكم من مال , وما خولناكم من نعم ,  وما خولناكم من أثاث , وما خولناكم من رياش ,  والنبي- صلى الله عليه وسلم - وهو يشرح هذه الحقيقة, يقول : " يقول ابن ادم مالي مالي , وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت , أو لبست فأبليت , أو تصدقت فأمضيت , وما سوى ذلك فذاهب عنه وتاركه للناس " هذه هي الحقيقة - أيها الإخوة- , هذه الحقيقة التي تغيب عن أذهاننا في زحمة الحياة , فنتصارع ونتعارك و نتهارش من أجل هذه الدنيا , وفي لحظة نخرج منها ونترك ما خولنا الله وراء ظهورنا {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء }, أين الأتباع ؟ أين الحراس ؟ أين الجماهير الملتفة ؟ لا , أنت فرد . { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً }  أمام الله , أمام هذه الحقيقة الكبرى , أمام اليقين , {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } حيث تفرق شملكم وهذا هو المعنى نفسه , في قول الله تعالى{ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ }.

 عندما مرض الخليفة  القوي - عبد الملك ابن مروان - مرض مرض الموت , فجاءه الناس يعودونه , قالوا له : يا أمير المؤمنين كيف تجدك؟  فقال الرجل - وهو صاحب الشخصية القوية , وهو ربما كان المؤسس الحقيقي للدولة الأموية , وهو على فراش الموت - كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟  قال: " أجدني كما قال الله تعالى {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ }, ويا ليتني كنت كفلان" ,  من يكون فلان هذا؟  فلان كان غسالا للموتى في ناحية المدينة , الخليفة الأكبر -الشخصية الأقوى في تاريخ الدولة الأموية – يقول:  ليتني كنت كفلان -غسال الموتى – في ضاحية من ضواحي دمشق , فلما بلغ كلامه فلانا هذا , علق عليه -غسال الموتى - قال : "الحمد لله الذي جعلهم إن حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه , و إن حضرنا الموت لا نتمنى ما هم فيه" ,  من - أيها الأعزاء - يتمنى أن يكون رئيسا عند لحظة الموت , عندما يحتضر الإنسان, ماذا يتمنى؟ هل يقل ليتني كنت ملكا ؟ ليتني كنت رئيسا ؟! سنرى ماذا يتمنى؟ ,  لكن بكل تأكيد ما من رجل في عروقه مسؤوليات ضخمة كالرؤساء والملوك والحكام إلا ويتمنى هذه الأمنية , إن عمر ابن الخطاب - رضوان الله عليه – قال: " ليتني أخرج من هذه الدنيا كفافا لا لي ولا عليّ " , وعندما قيل له - وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة -: اعهد لابنك , لعبد الله ضمن الستة الذين رشحهم للخلافة بعده , إعهد لابنك"  , فقال الرجل العظيم :" كلا , كيف أعهد لابني ؟ أما يكفي واحد من آل الخطاب تغل يداه في النار" أما يكفي وهو من المبشرين بالجنة  - أيها الأعزاء - الإيمان استعلاء على حطام الدنيا , تخاصم أخاك من أجل المال , تتقطع  العلاقات فيما بيننا من أجل هذا الزائل , ننسى مهماتنا, ننسى وظيفتنا الأساسية , ولذلك إذا قرأت آخر سورة المؤمنون , تجد أيضا مشهدا آخر من مشاهد الاحتضار,  يقول تعالى {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ } , لم يقل رب ارجعون لعلي أطور الشركة , رب ارجعون لعلي افعل كذا وكذا , لا هو عرف الحقيقة , اعمل يا أخي صالحا الآن , اعمل  صالحا الآن , توجه نحو  الإسلام , توجه نحو الله , اعتصم بحقائق الإيمان , اعتصم بمصادر التشريع , اعتصم بالتوحيد  الآن , اجعل الموت عند رأسك , و افعل ما كنت ستفعله لو حضرك الموت , افعل ما كنت ستتمنى أن تفعله لو حضرك الموت , {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ } هل يستجاب له ؟ {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }, وجاء هذا المعنى أيضا في سورة إبراهيم, والقرءان يقول {وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ , وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ } , أجيال تأتي وراء أجيال , حكومات وراء حكومات, جبابرة وراء جبابرة , إني أعطيتكم فرصة و وقتا , فلماذا لم تعتبروا بتجارب السابقين - الذين أخلينا لكم مكانهم - ؟ فلماذا ظلمتم كما ظلموا ؟ ولماذا سرتم على طريقتهم ؟ لا مجال أن ترجعوا مرة أخرى , وهذا أيضا المعنى بالذات جاء في أخر سورة المنافقون , والله يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ , أسباب المشكلات والصراعات فيما بيننا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } , لاحظ يا أخي ،أنك عندما تدخل مشكلة من أجل المال أنك تريد أن تكون من الرابحين , لكن الله يقول إذا ألهاك هذا المال عن واجباتك , فأنت خاسر لست رابحا , ان نتائج الربح والخسارة لا تظهر في هذه الحياة الدنيا , وإنما تظهر عند الله {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } , وفي سورة السجدة التي نقرأها صباح كل جمعة {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ } , وفي سورة الواقعة التي نتبرك بها , ونقرأها للبركة , لكن كثيرا منا لا يتدبر معانيها , يقول الله تعالى  - وهو يتحدث عن مشهد مؤثر جدا - أيضا مشهد الاحتضار والمحتضر  و أهله حوله , لا يملكون له من الأمر شيئا {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ , وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ , وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ } , أليس كذلك بلغت الروح( الحلقوم) ؟ {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ , وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ , وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ  فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ }, إن كنتم غير مقهورين , إن لم يكن هناك من يقهركم , إن لم يكن هناك إله يملك الملك , ويملك الدنيا وما فيها وما عليها , إن كنتم كذلك فارجعونها إن كنتم صادقين , كم من ميت يموت وأهله وشعبه وأحبابه يتمنون لو أنهم افتدوه بكل ما يملكون؟  وهل يستطيعون ؟ لا يستطيعون! هذه بعض المشاهد -مشاهد الاحتضار- لكن هناك مشهد لا ينبغي أن يفوتنا و أختم به , إنه مشهد الإحساس بالمسؤولية , إنه مشهد الإيمان , العلاقة بالله, هل قرأتم قول الله تعالى { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} إن يعقوب عاش لله , و مات لله , لم يكن فيه شئ لغير الله , و لذلك عند الوفاة لم يهتم إلا بهذه الرسالة و هذه الوظيفة , { إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي} الرسالة لابد أن تتواصل , مواكب الهدى , مواكب الرحمن , لا مواكب الحياة الدنيا ومشكلاتها {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }.     

اللهم أحسن قدومنا إليك , اللهم اجعل خير عمرنا آخره , و اجعل خير أعمالنا خواتيمها اللهم اختم بالصالحات أعمالنا , اقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم.

 

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

                أيها الإخوة : آفة الأحزاب والنخب السياسية في عالمنا العربي , الوقوف عند الشعارات المفرغة من المضمون , والبرامج الانتخابية والدعائية  التي لا رصيد لها , وكأنهم هم المعنيون بقول الله تعالى { لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ , كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} , أو هم المعنيون بقول الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ , وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ , وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ } , الأحزاب والنخب السياسية في العالم العربي يغلب عليها طابع الشعارات , والكلام الكبير , والخداع والتزييف,  لكن مما يؤسف له : أن مادة الخداع هذه هي الشعب نفسه , باسم الشعب تستباح حقوق الشعوب,  باسم الشعوب تنتهك حقوقه وتطمس آماله, وأنا أتأمل هذه الأحزاب الشعاراتية, أحزاب البرامج الانتخابية والدعائية , تذكرت موقف الخليفة العباسي - من أواخر الدولة العباسية - عندما تحولت الخلافة إلى شبح لا روح فيها , و أصبح الخليفة اسم بلا مضمون , عنوان ليس له جوهر , وأحاط به مجموعة من المتنفذين , يجبون باسمه الأموال , يفعلون ما يريدون , هذا الخليفة طلب مبلغا من المال في يوم من الأيام , فرفض المتنفذون أن يقدموه له , لا قيمة له عندهم , هم باسمه يجبون الأموال , وباسمه يعيشون , فكان الخليفة شاعرا , تأثر عندما طلب هذا المبلغ ولم يعط , فقال:

 وتأخذ باسمه الدنيا جميعا                            وما من ذاك شيء في يديه

  إليه تحمل الأموال طرا                          ويمنع بعض ما يجبى إليه

  أليس من العجائب أن مثلي                     يرى ما قل ممتنعا عليه

   هو مسكين يعتب , خليفة حتى المبلغ القليل لا يصله, أنا تذكرت  أنه باسم الشعوب تجبى الأموال , وباسم الشعوب, رأيت في بعض البلاد يسمى قصر الرئيس قصر الشعب , الشعب لا يعرف طريقه إليه , لكن اسمه قصر الشعب , وتأمل ما من حزب إلا وتكلم باسم الشعب , لمصلحة الشعب , نضحي في سبيل الشعب , الشعب , الشعب , الشعب,  لكن الشعب مكتوم الأنفاس , لكن الشعب منتهك الحقوق , لكن الشعب مطموس الآمال , هذا حال شعوبنا , وأحزابنا , وحكوماتنا في منطقتنا العربية والإسلامية , عدونا شرس وقوي , ويمتلك العلم والمعرفة والقوة , هل نستطيع مواجهته بهذا التفرق أو هذه الحزبيات أو بالشعارات فقط ؟ لا نستطيع ذلك , إلا إذا حشدنا كل طاقاتنا , و وحدنا صفوفنا , وحددنا أهدافنا وغاياتنا و وسائلنا , إننا نريد  - أيها الإخوة- من نخبنا السياسية و أحزابنا السياسية في العالم العربي , وفي منطقتنا مزيدا من الصدق , ومزيدا من الجدية , و مزيدا من نكران الذات , لا نستطيع وأدواتنا متضخمة , ونحن متفرقون متصارعون , أن نواجه عدوا يمتلك العلم والمعرفة والقوة , لا نستطيع , وددت - أيها الأعزاء- لو أن استفتاء حقيقيا وحرا تم حول سؤال واحد في المحيط العربي والإسلامي كله , سؤال واحد بحرية, ويكون المستفتى - المواطن - آمنا حتى تعرف الأحزاب حجمها الطبيعي,  هذا السؤال :هل تعتقد أن الأحزاب تعمل لمصلحة الشعب حقيقة أم لمصلحتها؟.

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.