بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

فقد روي عن بعض الصالحين أنه عندما حضرته الوفاة , قال:" مساكين أهل الغفلة , خرجوا من الدنيا , وما ذاقوا أحلى ما فيها" ,  قيل له:" وما أحلى ما فيها ؟" , قال :" معرفة الله والأنس به " , والحق أن الغفلة عن الله جريمة , و أن نسيان الواجبات المنوطة بالعنق خطيئة كبرى , والغفلة والنسيان والذهول عن أداء الواجبات وإتباع الشهوات أيضا مرض خطير,  وآفة قد تصيب الفرد والأمة الإنسان والمجتمع , ويدفع الجميع ثمن هذه الغفلة , تذهل عن واجبك , تغرق في أهواءك وشهواتك, وهمومك الذاتية والخاصة , تغفل عن وظيفتك , وتغفل عن التأمل في مبدأك  ومصيرك , من أين جئت ؟ ولم؟ والى أين المصير؟  من أين جئت ولأي غاية؟ ما هي وظيفتك في هذا العمر المحدود؟ ما هي مهمتك ؟ هذه أسئلة , الغفلة عنها  تقود إلى الهلاك في الدنيا والآخرة , لأنها بوابة من بوابات الشهوات , والشهوات بوابة النار, كما قال- صلى الله عليه وسلم - :" حفت الجنة بالمكاره , وحفت النار بالشهوات " , وهذا إلى ما أشرنا بعض منه في الجمعة السابقة , ونحن نتكلم ونذكر حكمة ابن عطاء الله , عندما قال :" أصل كل غفلة ومعصية وشهوة , الرضا عن النفس " , متى تغفل عن واجباتك  مالك وما عليك؟  تغفل عندما تغتر بنفسك , وعندما ترضى عنها, الذي يرضى عن نفسه لا يقبل النصيحة من أحد , ولا يستجيب للتوجيه من أحد,

 وعين الرضا عن كل عيب كليلة          ولكن عين السخط تبدي المساوي

   كيف تستمع لي عندما أنصحك وأنت راض عن نفسك ؟كيف تستجيب لتوجيهي , وأنت لديك الإحساس المتضخم بذاتك ؟ ولذلك نقرأ في القرءان الكريم , تحذيرا متكررا , تحذيرا كثيرا من الغفلة والنسيان , يقول الله تعالى  {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } , من نسي الله نسيه الله , إن الجزاء من جنس العمل , اذكر الله يذكرك  {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } , ونسيان الله يعني أن تنسى ما أمرك به, وأن تقع فيما نهاك عنه, أنت عندما تنسى الله تنسى الله من أجل نفسك , أنت عندئذ تكون عبد نفسك, فالله سبحانه وتعالى يقول لك :لا تكن عبد نفسك وإلا تركتك و ما باليت بك  {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } , هذا جزاء الغافلين , الإنسان ربما يفعل فعلا ثم ينساه , طبيعة الإنسان ورثناها عن  أبينا آدم عليه السلام  {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } , الإنسان ضعيف الذاكرة , وضعيف الإرادة , لكن السؤال: إذا نسي الإنسان فعله , هل ينساه الله؟  -من يظن ذلك - إن الله-سبحانه و  تعالى-  كما قال عن نفسه: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً }, وعندما سأل فرعون موسى , عن أخبار القرون الأولى قال  {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى } , فإذا نسيت أنت, فإن الديان لا ينسى  {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً } ,إحصاء , كشف , كتاب  { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} , {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً }وهيهات هيهات , يقول الله تعالى -وهو يحذرنا من الغفلة, ويذكرنا بالمصير الذي ننساه في غمرة هذه الحياة الدنيا, و حمى الركض والجري وراء الشهوات و الأهواء , و وراء زخرف هذه الحياة-  {وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ , وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ , هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} , { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى }, لا شيء يغيب , إياك أن تظن أنك إذا نسيت ما فعلت أنساه الله, كل شيء مكتوب , لا يمحى إلا مما محته التوبة , إن تبت من ذنبك كنت كمن ولدته أمك , {  إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ }, أما إذا مت مصرا على المعصية, فلابد أن تجد كل شيء محضرا , واسمع ما يقوله الله تعالى يقول  {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } , انظر إلى هذه المقابلة بين قوله تعالى" أحصاه الله" , " ونسوه " , والله على كل شيء شهيد , أنت نسيت والله أحصى , إذا هذه الغفلة نقيض ما يريده الله , الغفلة عن المصير , الغفلة عن الأهداف الكبرى , الغفلة عن مهمتك , عن وظيفتك , ما هي وظيفتك ؟ما هي مهمتك ؟ {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ }, أنت مخلوق في غاية شريفة , لمهمة عظيمة  {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } , فهل تقوم بوظيفتك ؟ أم أنت غافل عنها ؟ يقول الله- جل جلاله - وهو يحذرنا من هذا الذهول , وهذا النسيان , والغرق في هذه الدنيا , وزينتها , ومشكلاتها , والجري وراء الأهواء , و وراء الشهوات , إن أردت أن تعرف مقامك عند الله , فانظر فيما أقامك , في أي دائرة أنت ؟ في دائرة العبادة؟ في دائرة العلم؟ في دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ في دائرة التضحية ؟في دائرة الجهاد؟ في دائرة الصدق ؟ هذا يعكس مقامك عند الله , في أي دائرة أنت , أم في دائرة الأهواء والشهوات والأحقاد والمؤامرات , والجري وراء هذه الدنيا وزينتها , يقول تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } , عطلوا أدوات المعرفة لديهم,  لهم قلوب :عقول لا يستخدمونها , لا يحسنون الاستنتاج , لا يحسنون التأمل , لا يحسنون التمييز بين ما يسمعون, إن الله تعالى عندما وصف عباده الصالحين , قال: " يستمعون القول فيتبعون أحسنه " , إن لديهم ملكة إيمانية , وعقلية , يميزون بين الحسن والأحسن , لماذا عطلت عقلك؟ , { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا  }, لا يسمعون بآذانهم , لأن آذانهم مشغولة بالاستماع إلى ما لا يرضي الله , ولأن أعينهم مشغولة بالنظر إلى ما لا يرضي الله, ولأن قلوبهم مشغولة بما لا يرضي الله , فهم في غفلة , فهم كالدواب , هذا الغافل دابة , إنه لا يفكر في مستقبله , بل هو أسوء من الدابة , لأن الله خلق الدابة هكذا , لم يكلفها بشيء , أما هو فقد كلفه وقد ملكه عقلا,  وأدوات للمعرفة والبحث , فعطل كل ذلك , ولذلك حق عليه قول الله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } , اسمع ما يقوله الله أيضا -في سورة الأعراف - وهو يتكلم عن الغافلين , اسمع وتأمل , وتدبر , وتفكر , وتذكر , يقول تعالى{ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا }, متكبرون جبابرة,  متعجرفون , الأدلة لا تتجاوب مع كيانهم الشهواني  {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً }  شئ غريب جدا جدا , تقول لهم هذا هو الصراط المستقيم , و تقيم لهم الأدلة عاى ذلك , أهوائهم , شهواتهم , مصالحهم , جعلت بينهم و بين الحقيقة حاجزا, و برزخا, {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ } , أيضا في سورة أخرى من القرءان , يحذر الله تعالى من أن تنقاد للغافلين , {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} لماذا أصيب بمرض الغفلة ؟ لأنه اتبع هواه , {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا  وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} ,  كحبات العنب عندما تنفرط عن أصلها, إن الغافل لا يتماسك له أمر , لا يثبت له حال , لا يجتمع له شمل , والمشكلة -أيها الإخوة- أننا نغفل, ولا يغفل عنا , أننا نغفل , ونحن قاب قوسين وأدنى من مصيرنا , إن نفسا واحدا بينك وبين الآخرة , أن ينقطع نفسك الآن , تنتقل إلى الدار الآخرة , من أجل نفس تعيش هذه الغفلة, ولذلك يلومنا القرءان الكريم , وهو يقول في تعبير مؤثر  {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ } , ما بينك وبين الحساب إلا أن ينقطع نفسك, فتنتقل إلى دار الحساب , هناك دار حساب,  ولا دار عمل , وتطوى صفحة هذه الحياة الدنيا, التي غفلت عن مصيرك من أجلها , يقول الله تعالى {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ }, الموت الذي يقهر العباد جميعا, سل أين صديقك فلان ؟أين أبوك ؟موت الأقران, من أهم النذر لاقتراب الأجل , الشيخ , التقدم في العمر ,المرض عندما يتسلل إلى البدن , اقترب حسابك يا أخي,  فلماذا تبقى في الغفلة ؟لماذا تبقى في الذهول ؟ {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ , وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ , وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ , لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } , تدبرت القرءان يا أخي , هل قرأته ؟ هل تأملته ؟ هل تأملت قضاياه؟ هل تأملت الأهداف الذي حددها لك في هذه الحياة الدنيا ؟ , يا من أنت مصاب بسعار المال , وسعار الدنيا , يا من أكلتك نار الأحقاد , و يا من أكلتك نار التسلط على العباد , ويا من أكلتك نار الظلم , لماذا تغفل عن مصيرك ؟ هل قرأت القرءان ؟ وهل عرفت أهدافك ؟ هل تأملت الأهداف التي حددها لك الله تعالى , {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ , وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ , وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ , لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } اليوم أنت وجها لوجه مع الحقيقة,  دقت ساعة الحقيقة , أنت أمام الحقيقة , تركت كل ما كان في الدنيا , تركته وراءك , ولذلك أيها الأعزاء اعتبرنا الغفلة جريمة , واعتبرنا الغفلة خطيئة كبرى , الغفلة مرض يهدد المجتمع , خذ مثلا : نحن اليوم بدأنا عاما ميلاديا جديدا , وقبل أسبوعين أيضا بدا عامنا هجري , الزمن يعمل فينا أيها الإخوة , فماذا نعمل نحن بالزمن؟ سنة تمر وتمضي , وسنة تأتي , ما قيمة الزمن والوقت في حياتنا , إن الله تعالى يقول  {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } , فالزمن هو المجال التي تتحرك فيه نحو وجه الله,  ليبين الله الناسي من الذاكر, الشاكر من الجاحد , ماذا عملنا في عامنا ؟ ماذا عملنا في سنتنا الماضية ؟ وماذا نحن عازمون عليه في عامنا الجديد ؟ هل سألنا أنفسنا ؟ إنه كما قال أحدهم 

أشاب الصغير و أفنى الكبير                مر الغداة وكر العشي

نروح ونغدو لحاجاتنا                        وحاجات من عاش لا تنقضي

 تموت مع المرء حاجاته                    وتبقى له حاجة ما بقي

 من يخرج من هذه الدنيا وقد حقق كل ما يريد, ومن عندما يواجه الحقيقة التي حددها القرءان , حقيقة الحساب يتمنى ليرجع إلى هذه الدنيا , ليبني أكثر مما بنى , أو ليكسب مالا أكثر مم كسب , ماذا يتمنى الإنسان؟ هل تعرفون أيها الإخوة؟  {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ , لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ} , {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ , وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ , وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} , أعجب ممن يفرحون لرؤوس السنوات, سنة مضت , وسنة ستأتي , يقيمون الأفراح , لو أنها كانت أعياد اعتبار وأفراح  اتعاظ , أعياد محاسبة ,أعياد مراجعة -لما اعترضت - , لكن كما قال أحدهم

 يسر المرء ما ذهب الليالي    وكان ذهابهن له ذهابا

 هذا من عمرك أنت تفرح بانقضاء بعضك , وإذا انقضى بعضك سينقضي كلك , الأيام تعمل فينا, فماذا نعمل فيها؟ هل اتعظنا واعتبرنا ؟

الإمام البصيري -المادح الأكبر للنبي صلى الله عليه وسلم -يقول كلاما جميلا- وهو يعاتب نفسه- يقول :                        فان أمارتي بالسوء ما اتعظت                             من جهلها بنذير الشيب والهرم

 اذا وخط الشيب رأسك , أي إذا وخط لحيتك , وإذا تسلل المرض إلى بدنك , وإذا مات أقرانك, فأنت يا أخي اقتربت , فاشتعل فيما بقي لك من عمر , فيما بقي لك من زمن, فيما ينفعك , جدد حياتك -يا أخي - , انهض من جديد, لا تترك اليأس يحطم روحك, انهض وجدد نفسك , استغفر الله تجد الله غفورا رحيما ,  اجعل كل يوم تطلع عليك شمسه ,كأنك ولدت فيه من جديد , انهض حاسب نفسك , ماذا فعلت بالأمس ؟وماذا ستفعل اليوم ؟ وعلام تعزم غدا ؟ إن الله تعالى اعتبر هذا النموذج الذي يذهل عن آخرته , ومصيره , نموذج كالأنعام بل هو أضل,  خذ أيضا بجوار هذا النموذج الذي يغفل عن دور الزمن , الزمن -أيها الأعزاء- نهر جاري لا يتوقف لك ولا لغيرك ,

تقفون و الفلك المسخر دائر     و تقدرون و تضحك الأقدار ,  والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك , جدد حياتك -يا أخي- وانهض , انفض عن نفسك الغبار, ارفع هذا الركام عن قلبك وروحك وعقلك , انظر كيف يتحدث القرءان عن نموذج غافل آخر , وهو يحذرنا من الغفلة من السنن الاجتماعية , انظر يقول تعالى {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} , انظر إلى هذا الدكتاتور الأحمق هذا نوع من الغرور والكبرياء , خرجوا من عندك , فلماذا تتبعهم , هذا نوع من الغرور و التشفي و الكبرياء , لكن الله لهم بالمرصاد,  {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ , فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } , لكل ظالم مغرور , و كل متكبر متغطرس  لكن هل يعتبر الناس ؟هل اعتبر أنا؟ هل تعتبر أنت ؟ يغفلون عن حركة الزمن , ويغفلون عن تأمل السنن الاجتماعية .

 اللهم أخرجنا من ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة , ومن ذل المعصية إلى عز الطاعة , واستخدمنا فيمن يرضيك عنا , ولا تجعلنا من الغافلين , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.           

                                            

الخطبة الثانية

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 لدي نقطتان, النقطة الأولى: هي أن أعداءنا ماضون لتحقيق أهدافهم , لا يلوون على شيء , و أعتقد أن لديهم الفرصة الذهبية  بهذا الانقسام الذي يعيشه الفلسطينيون , والله تعالى يقول في كتابه العزيز{ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً }, ونحن أشهد أننا قد غفلنا عن أسلحتنا وأمتعتنا , إن قوتنا في وحدتنا , كيف نستطيع إحباط مخططات العدو؟ أم كيف نستطيع أن نواجهه المواجهة الحقيقية ؟ الكل يقول سنواجه, هذا ما نسمعه, وعلى أرض الواقع , كيف نواجه ؟ ونحن مصرون على ما نحن فيه, من شرذمة, وضعف , لم نصنع القوة الحقيقية , فرطنا في الانتماء للإسلام , فرطنا في أن يكون الإسلام أحب إلينا من أهلنا , ومن مالنا , والناس أجمعين, هذا مصدر قوة , انتماؤنا للإسلام , إن الإسلام هو شرط انتصارنا , ونهضتنا , { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً }  لقد سمعت أحد مسئولي اليهود يقول : إن الانقسام القائم بين الفلسطينيين هذا لمصلحتنا بشكل ممتاز", أما آن لنا -أيها الإخوة - أن نضحي في شيء من مصالحنا,  أو مكاسبنا الذاتية , و أن نرضي ربنا , ونبيض وجهنا أمامه , ونرفع رأس شعبنا , وأن نرفع رأس أمتنا ,وأن نحرر أهلنا من الاحباطات , والشعور بخيبة الأمل , أرجو أن يتحقق ذلك .

 النقطة الثانية : لها علاقة بأحد العلماء الكبار المجددين,  لكنه مغمور في زحام الأسماء الكثيرة , التي رفعتها وسائل الإعلام  و أمور أخرى , الشيخ عبد الجليل عيسى -عليه رحمة الله, وهو من كبار علماء الأزهر - , وضع عدة كتب في غاية الأهمية , من أهمها كتاب "ما لا يجوز الخلاف فيه بين المسلمين " ولهذا حديث آخر, المهم أن الرجل شارك في ثورة 1919م , وعرفه الزعيم المصري -سعد زغلول -فأراد أن يرشحه لانتخابات مجلس النواب في أول الانتخابات برلمانية في تاريخ مصر في أوائل العشرينات , وكأنه ضمن نجاحه, فقال هذا العالم -الذي يعرف قيمة العلم ,وأنا هذه القصة أقدمها لكم , ولإخواني العلماء والمشايخ , وأهل العلم والمفتين -, لأن العلماء هم الضمانة , ضمانة المجتمع,  يأوي إليهم القوي والضعيف , والظالم والمظلوم , والطائع والعاصي , قال هذا الرجل العظيم:  لا , أعتذر عن هذا , إن عالم الدين لا ينبغي أن يكون لفئة دون فئة, أو لحزب دون حزب , إن عالم الدين يحمل كلمة الله للناس جميعا".

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.