بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
يقول الله تعالى {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } , هناك ناس يرون كل ما يأتونه حسنة , يفعلون ربما أسوء الفعل, لكنهم لا ينتقدون أنفسهم, ولا يشعرون أنهم أخطئوا ,كل ما يفعلونه في نظرهم خير , و على الناس أن تقر بذلك , حالة من الرضا على النفس والغرور والعجب , تسد منافذ المراجعة الذاتية , هذه الحالة النفسية من الغرور, والرضا عن النفس , والعجب بالذات , تسد منافذ المراجعة النفسية , لا تترك لصاحبها مجالا ليراجع نفسه , لماذا أراجع نفسي؟{أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً } لذلك عندما قتل عبد الرحمن بن ملجم -علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه - لم يشعر الرجل أنه فعل جريمة نكراء , ليس هناك جريمة أكبر من القتل , خاصة إذا كان القتل , قتل علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه , لكنه كان يرى أن قتل علي من الدين , ولذلك امتدحه صاحب هذا القاتل , فقال قولا عجيبا قال :
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فاحسبه أوفى البرية عند الله ميزانا
أي وفاء وقد قتلت أمير المؤمنين , لقد قتلت علي ابن أبي طالب , لكن هذا نتيجة الرضا عن النفس , و الإحساس المتضخم بالذات , لا يوجد مجال للمراجعة , -وكما قلت - هذا الشعور أو هذا الإحساس له نتيجتان , يسد منافذ المراجعة النفسية, ليس هناك إمكانية أن أراجع نفسي , و أن أحس بها إحساسا متضخما , النتيجة الثانية أنني أنسب كل خير لي, و أنسب كل شر لخصمي , أو لمن يخالفني , وهذه الآفة الحقيقة أنها رائجة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية , وهي على كل حال , خلق فرعوني , ورثه فرعون عن إبليس, ثم ورثه عن فرعون من ورثه, ما هذا الخلق الفرعوني الذي عبّرت عنه بأنه آفة رائجة في مجتمعاتنا , و ورثه فرعون عن إبليس , ثم ورثه عن فرعون من ورثه , الإحساس المتضخم بالذات , الرضا عن النفس, الغرور, العجب, التي تنشأ عنه كل الآفات التي يمكن أن تتخيلها , إبليس عندما أمر بالسجود لآدم -كما تعرفون –أبى, وعندما قال الله له كما قال في القرءان {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } , إن إبليس أول من ابتدع التفرقة العنصرية , خلقتني من نار , وخلقته من طين , لاحظ أن صاحب هذا المرض لا يعتد بقيم ذات فضيلة ,أو بقيم فضائلية , أو بقيم كسبية اكتسبها بجهد, وإنما يعتز بأمور لا دخل له فيها , الذي خلقه من نار هو الله , والذي خلقه من طين هو الله سبحانه وتعالى, فبما تعتد وتعتز؟ - كما قلت - ابتدع إبليس التفرقة العنصرية , انظر إلى فرعون إنه قال لقومه {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } , لأنه معتد بنفسه , راض عن نفسه , فهو يرى أن الحقيقة ملكه , لا , الحقيقة موزعة بين البشر , أنت لا تملك الحقيقة كاملة , لديك جزء من الحقيقة , عرفت شيئا , وغابت عنك أشياء , و لدي أنا جزء من الحقيقة , فلنتباحث وليقترب بعضنا من بعض , الغرور يقيم سدودا بين الناس, عندما ترضى عن نفسك أنت و أرضى عن نفسي أنا لن نلتقي, لن نلتقي, سأكتفي بما لدي, وستكتفي بما لديك , و سأقوم بإدانة الآخرين , وأنت تقوم بإدانة الآخرين, ولن نستطيع أن نلتقي على خطة سواء , لأن أفق مراجعة النفس قد سد, { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى }, لكن الله سبحانه وتعالى قال الحقيقة في حق فرعون قال {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى } , الكذاب قال {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }, والله سبحانه وتعالى يقول {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى } , انظر أيضا موقفا لفرعون يعتز بماذا؟ {وَ نَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ , أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ } , تحقير الناس , الرضا عن النفس , تزكية النفس, الإحساس المتضخم بالذات, يجعلك لا تكترث بالآخرين, يجعلك تحقر الناس الآخرين , لا قيمة لهم عندك , مهما كانوا وجهاء , إن موسى -عليه السلام- قال الله عنه{ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً , وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً } , وهذا الغبي الأحمق المغرور يقول{ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ } , و أنا اقرأ هذه الآية وأحس كيف يحقر المغرورون بأنفسهم , الراضون عنها , المزكون لها , كيف يحقرون الآخرين ؟ تذكرت قول الطرماح ابن حكيم وهو يقول :
لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ غير طائل
و أني شقي باللئام ولا ترى شقيا بهم إلا كريم الشمائل
لا قيمة له , هو في حقيقته تافه , مفرغ من المضامين, هو شكل بلا محتوى , لكن يتجاوز حقوق الآخرين ويحقرهم , ولعلكم تحفظون ما قاله المتنبي :
و إذا أتتك المذمة من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
فرعون يتوجه بالتحقير لنبي الله الوجيه الكليم -موسى عليه السلام - لماذا ؟ الرضا عن النفس , الغرور , لماذا قتل ذلك الخارجي علي ابن أبي طالب؟ الغرور, لماذا امتدحه صاحبه , واعتبر أن قتله علي , علامة من علامات التقوى ؟ الرضا عن النفس , الغرور , الإحساس بأنه يمتلك الحقيقة , فلذلك أيضا , عندما تحدث القرءان الكريم عن هذا النهج الغير أخلاقي , حكا لنا قصص أمم سبقتنا , {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} لمــــاذا ؟ { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ }, الأميين هم غير اليهود في نظر اليهود { وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} , إذا طالما هم غيرنا , يخالفوننا , { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } أموالهم مستباحة لنا , يجتاحون غيرهم , ويستبيحون حقوقهم لمجرد أنهم يخالفونهم , هذا من جراء الرضا عن النفس {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } , نحن نجتاح حقوقهم , ونستبيح حرماتهم , و أموالهم , فليس لهم علينا سبيل, أنهم يخالفوننا , و أموالهم حلال لنا, هذا خلق يهودي فرعوني , لا يجوز أن يتسم به مسلم, { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} , أيضا تمييز عنصري , أنت لست أولى بالله مني إلا بالعافية والتقوى{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} , لست أولى مني برسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا بمدى إتباعك لنهج النبي وسنته {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } , هذه هي الحقيقة , هذا القصص الذي يقصه القرءان علينا, ليحذرنا من أن نقع فيما وقع فيه السابقون , ليس استهلاكا تعبيريا , و إنما يحذرنا أن نقع فيما وقع فيه السابقون , أن يحس فريقا منا أن الجنة له , و أن الدين له , و أن كل شيء له, و أنه يستطيع أن يفعل كل شيء , لا, إياك يا أخي, {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ }, حاسب نفسك الرضا عن النفس يقودك إلى المهالك {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ , بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } , هذه هي الحقائق , الحقائق لا تصنعها أنت بإحساسك المتضخم بذاتك فردا كنت أو حزبا أو قبيلة أو رجل دين أو رجل دنيا, أيا كنت , لا ينبغي أن يدفعك إحساسك المتضخم بالذات أن تهضم الآخرين و أن تهضم حقوقهم {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً , انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً } , لا تتورط في هذه الآفة ولذلك أيضا نحن المسلمين , واجهنا القرءان بالتحريم مباشرة عندما قال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } , الفضل لله ليس لك { قل الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} , الفضل لله ليس لك , الله هو الذي هيأك للهداية , و لو خير بينك و بين الذنب ما سلمت , لكن الله- سبحانه و تعالى- هو الذي هيأك للهداية { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ} الحمد لله عندما تحس بهدايتك , اشكر ربك يا أخي , عندما تحس بأنك مهتد , لا تعير أخاك بذنب , لا تشمت به , لا تتشفى فيه , هذه أخلاق المسلم , لا تعير أخاك بذنب , لا تشمت به , لا تتمنى له الوقوع في الخطأ , باعتبارك مهتد كبير, {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً }, يقول الله تعالى في سورة المؤمنون -وهو يصف نماذج راقية من المؤمنين- يقول {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } , يصلون , و يصومون , و يحجون, و يأمرون بالمعروف, و ينهون عن المنكر , و يقيمون الليل,ويتصدقون , و يحبون الناس , ولا تنطوي قلوبهم على كراهية , ولا على بغض , ولا على حقد , و قلوبهم وجلة , لماذا ؟ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ , أنهم يفعلون ما يفعلون من خير , وهم خائفون ألا يقبل منهم, أنهم منكسرون أمام الله , مفتقرون إليه , كفعل الرجل الصالح -حاتم الأصم - عندما سئل : كيف تكون إذا صليت؟ فقال الرجل : إذا صليت جعلت الله قبل وجهي , وكأن الصراط تحت قدمي, "يتمثل حقائق الإيمان " , وكأن ذنوبي محيطة بي , و كأن الجنة عن يميني , وكأن النار عن يسارى , و كأن ملك الموت آخذ بناصيتي , ثم أصلي صلاة لا أدري أيقبلها مني , أم يردها علي " , تواضع وهضم للنفس , ربما فتح لك باب العمل و باب الطاعة, و ما فتح لك باب القبول , لماذا هذا الكبر ؟ لماذا هذا الغرور؟ لماذا هذا الاستعلاء؟ هذه المشاعر التي يتولد عنها الحقد , والانتقام , وكراهية الآخرين , والاستعلاء عليهم , و عدم الاكتراث بحقوقهم , وتحقيرهم, بل ربما تمنيت في ظل هذا المرض, ربما تمنيت للناس أن يقعوا في الأخطاء حتى تشفي غليلك , هذا ليس من الدين في شيء -أيها الأخوة- { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ} .
توفي الصحابي الجليل وهو من صلحاء الصحابة رضوان الله عليهم , ومن السابقين في الإسلام , هاجر إلى الحبشة , أبو السائب -عثمان ابن مظعون - توفي فدخل عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- عند وفاته , وإذا بامرأة تقول له : أشهد يا أبا السائب أن الله أكرمك, كان صالحا عابدا , مناضلا , هاجر إلى الحبشة, وتحمل أذى كبيرا ," أشهد يا أبا السائب أن الله أكرمك ", فنظر النبي -صلى الله عليه وسلم- نظر المغضب , وقال : "ما يدريك ؟", فقالت المرأة: " فمن من أكرمه الله إن لم يكن أكرم عثمان ؟", فقال لها معلم البشرية الخير -صلى الله عليه وسلم - قال لها : "أما هو فقد جاءه اليقين , وإني والله لأرجوا له الخير , و إني و أنا رسول الله , لا أدري ما يفعل بي؟ " لنتعلم أيها الأعزاء منطق الإسلام , التدين إن خلا من طيبة القلب , ودماثة الخلق , وصدق اللسان , وحسن الأداء, ليس تدينا, تدين انبثقت عنه روح العدوانية , واستعلائية, وتكبر وغرور ,هذا لا علاقة له بدين الله , و إني و أنا رسول الله , لا أدري ما يفعل بي , فقالت المرأة :" إذا والله لا أزكي أحدا بعده " , ما من جهة أو فرد يعمل عملا , إلا ويملأ الدنيا ضجيجا , أين أنتم من أخلاق الإسلام ؟ تواضعوا, تحرروا من العجب, والغرور , والرضا عن النفس , حتى يبارك الله لكم في أعمالكم .
في الصحيحين -البخاري ومسلم - حديث عجيب جدا , يروى عن أبي موسى الأشعري -وهو يحدث الناس عن سبب تسمية غزوة ذات الرقاع بهذا الاسم - يقول -رضوان الله عليه - :" إننا خرجنا في ستة نفر على بعير نعتقبه,( نتداول الركوب عليه ) و كانوا حفاة , فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي , وسقطت أظفاري , فكنا نلف على أرجلنا الخرق , فمما كنا نلف على أرجلنا الخرق , سميت غزوة ذات الرقاع " , يقول الراوي الذي روى عن أبي موسى يقول :" ثم كره ذلك " انظر إلى الحساسية المرهفة , يا من تملأ الدنيا ضجيجا بالحديث عن نفسك , ويا من تملأ الدنيا إعلانات بالحديث عن نفسك , يا من تستعلي على الآخرين بعملك , تواضع لله , قال: " فكره أن يكون شيئا من عمله أفشاه " , أنا فعلت هذا لله, ثم قال أبو موسى:" وما كنت أصنع بما أذكره ,والله يجزي به " , ما فائدة أن أذكر ماذا فعلت , وماذا و ماذا , الرضا عن النفس مشكلة كبرى -ايها الأعزاء- ولذلك يقول ابن عطاء الله السكندري- رحمه الله-:" أصل كل معصية, وغفلة , وشهوة , الرضا عن النفس, و أصل كل عفة , ويقظة , وطاعة , عدم الرضا منك عنها , ولأن تصحب جاهلا لا يرضى عن نفسه , خير أن تصحب عالما يرضى عن نفسه " , اللهم بصرنا بعيوبنا , وهب لنا من الجرأة والشجاعة ما يمكننا من مراجعة أنفسنا , والاعتراف بأخطائنا, أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فتكملة لموضوعنا أحيانا يستغرب الإنسان , وهو يرى سلوك الأجانب والعظماء منهم, وهو ينظر إلى سلوكهم , وسلوك عظماءنا وزعماءنا , يرى هناك- أحيانا- دماثة الخلق , يرى مسئولا كبيرا يحمل أوراقه تحت إبطيه ويمضي , يحمل حقيبته بيده ويمضي , ليس هناك من يمشي بين يده ولا من خلفه , لا يبالغون في المواكب , مما يلفت نظر الإنسان في سلوكهم أنهم لديهم دماثة في الخلق , ولطف في المعشر, قلة تكلف,سهولة الطبع, لكن إذا نظرت ناحيتنا , ماذا ترى ؟ تعاظم وعجرفة , وتكبر , ونحن متسولون على موائدهم, لقد حدثني بعض من زار بلادهم, فوجئ بأن أحد المسئولين في نظام الدول المانحة , فوجئ -قال لي هذا الأخ - بأن مكتبه الذي يجلس فيه , ربما كان أقل تكلفة من مكتبي الذي أجلس فيه هناك في غزة , فسألته هذا المكتب لا يليق بك , قال لي :" لأنه ليس لدينا دول مانحة تمدنا بالمال " , أراد أن يرسل هذه الرسالة القاسية, قال أنا مكتبي هكذا , فيه تواضع , ليس لدينا دول مانحة تعطينا كما تعطيكم انتم , عجرفة هنا , وليس من الكبار جدا , بل كل من تسلم منصبا ووظيفة , استكبر على أبناء دينه و أبناء جنسه , لا.
أيها الأعزاء : إن الذين بنوا تاريخنا , وحققوا الانتصارات العظيمة لنا , و أسسوا لنهضتنا الإسلامية التي استمرت ألف عام , امتازوا بأمرين, امتازوا بالقدرة الفائقة لعظمة الكفاءة لديهم , اقتدار في الأعمال التي توكل لهم , ليسوا تافهين , و الأمر الثاني نكران الذات , ليسوا عبيدا لأنفسهم , لهذا صنعوا لنا التاريخ , و أسسوا لنا النهضة , وحققوا الانتصار , كانوا أكفاء , وكانوا مخلصين , كان لديهم اقتدار على العمل , وكفاية , وكانوا مخلصين إخلاصا يدفعهم إلى التضحية بما يستطيعون { الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى , وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى , إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى } , لعل قول الله في هذا, يشير إلى هذه الخصائص العظيمة , ثم أيها الأعزاء يعيش العالم الإسلامي والفلسطينيون على وجه الخصوص , ذكرى الحرب البشعة التي شنها اليهود على هذه البلدة , ليست هذه الحرب هي الأولى ولن تكون الأخيرة , لكن انتصارنا يجب أن يكون معلوما للجميع , مرهون بتوحد جبهتنا الداخلية على أساس من عقيدتنا الإسلامية وديننا , نحن نعيش ذكرى الحرب , ونعيش ذكرى الهجرة النبوية , والله سبحانه وتعالى ألمح إلى أسباب استرداد الأرض المسلوبة في كتاب الله -جل جلاله -عندما قال {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } , من هؤلاء الذين يستحقون أن يعودوا إلى الديار؟ من هؤلاء المؤهلون للتحرير ؟ من هؤلاء المؤهلين لتحقيق النصر, والعودة المظفرة ؟ كما عاد النبي- صلى الله عليه وسلم- هو و أصحابه{ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ }, اقرأوا القرءان أيها الناس {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } , هذه الآيات جاءت في سياق الحديث عن الإخراج من الديار , وعن تحقيق النصر, { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }, هذه هي شروط العودة , إن النبي- صلى الله عليه وسلم- ومن معه من الصحابة الكرام , اخرجوا من ديارهم , فكم لبثوا في دار الهجرة , سنوات معدودات, في السنة الثانية للهجرة خاض المعركة الكبرى مع قريش , وبعد ذلك بسنوات معدودات , عاد إلى بلاده وفتح مكة ظافرا, واستطاع أن يصفي مكة من كل جيوب الشرك ,نحن في الشتات لنا عقود , أكثر من نصف قرن , بدأنا بالنصف الثاني , أو في العشر السنوات من النصف الثاني من القرن , ماذا نفعل -أيها الإخوة- في ذكرى الهجرة ؟ في ذكرى الحرب ؟ ينبغي أن تتوحد صفوفنا , ينبغي أن نمتلك الشجاعة لنقد أنفسنا , لا لقرع الطبول والتصفيق و المديح للذات و النفس , لا, يجب أن يكون لدينا الشجاعة لنقول أخطأنا هنا , أخطأنا هناك , أن نعلم أبناءنا و أجيالنا و أن نعلم أتباعنا و أحبابنا الحوار , و أن الحقيقة موزعة بين الناس . في ذكرى الهجرة النبوية -أيها الإخوة - يؤلمني , بل أحس بخجل , وأنا اقرأ أنباء هجرة المسلمين إلى ديار الغرب , و لا أرى أحدا من الغرب يهاجر إلى ديارنا, يهاجر كثير من أبناءنا بحثا عن لقمة العيش, بحثا عن الحرية , بحثا عن العدالة, لماذا؟ لأننا لم نطبق الإسلام في بلادنا , هل رأيتم من يهاجر منهم إلى..؟ هذه الخواطر ينبغي أن تثيرها في عقلك ذكرى الهجرة النبوية , أما أن نظل نبكي على الأطلال -أيها الأعزاء- , الحرب دمرتنا , الحرب فعلت بنا, ربما فعلنا بأنفسنا أكثر مما فعلت الحرب بنا,
لا يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه
ذكرى الحرب تقول لنا توازنوا ,عودوا إلى أنفسكم , اقبضوا على شروط الانتصار , وعلى أسباب النهضة , لماذا فرطتم في عقيدتكم , وشريعتكم , ونظامكم , و في وحدتكم , لماذا جرأتم الآخرين عليكم , وفي ذكرى الهجرة ينبغي أن نتذكر عدل الإسلام وقيم الإسلام والكرامة التي وفرها الإسلام للبشر .
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.