بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
أيها الإخوة : إن الله -سبحانه و تعالى- يفتح أمامنا أبواب الرحمة , وآفاق الأمل , حتى لا نيأس في هذه الحياة , وحتى لا ننطوي على أنفسنا , نحن نتعامل مع رب رحيم , و رسالة الإسلام كلها رسالة رحمة , وعندما يفتح الله أمامنا آفاق الأمل , إنما يريد منا أن نقبل عليه , و أن نتحرر من أخطاءنا و ذنوبنا , و أن نوطّن أنفسنا على طاعته , وعلى السير على صراطه المستقيم, إنه يدعوننا إليه , اسمع هذه الآيات يقول الله تعالى {وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , { وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } رحمة الله سبقت غضبه , أو غلبت غضبه -كما جاء في الحديث القدسي - هذه بشارة , وهذا نداء من الله , وهذه أبواب مفتحة لنلجها و لنسير نحو وجهه -سبحانه وتعالى- ليس هذا فحسب, بل إن الله سخر أطهر خلقه و هم الملائكة , ليدعو لنا وليستغفروا لنا, اسمع قوله تعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ , رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ , وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } , تأملت هذه الآية, ورأيت كيف أن الله تعالى جعل من وظائف الملائكة , ومن أطهر مخلوقاته جعل من وظائفهم , أن يستغفروا للمؤمنين , و أن يطلبوا من الله الرحمة لي ولك , {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (هذه وظيفة ) وَيُؤْمِنُونَ بِهِ (هذه أيضا وظيفة ) وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ , رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ , وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } هذا الذي جعل بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- يقفون عند بعض الآيات وقفة المتأمل , لا يمرون عليها سراعا, وإنما يتدبرونها ويتأملون مضامينها , عن ابن مسعود - وهو من علماء القرءان – أنه قال: " إن في سورة النساء لخمس آيات , ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها " , هناك آيات وقف عندها ابن مسعود , وهو يقول إني لو خيرت بين هذه الآيات وبين الدنيا وما فيها , لاخترت هذه الآيات , وكذلك روي عن ترجمان القرءان - ابن عباس رضي الله عنهما - مثل هذا القول , وزاد عليها ثلاث آيات , فقال - رضوان الله عليه- :" ثماني آيات في سورة النساء , هن لهذه الأمة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت " , وسر موقف هذين الصحابيين من هذه الآيات المباركات في سورة النساء الخمسة عند ابن مسعود, والثمانية عند ابن عباس , أن هذه الآيات تنضح بالبشرى , و أن هذه الآيات قد احتوت بفضل عميم بالله, وعلى إنعام عظيم , ما هذه الآيات ؟ نبدأ بالآيات الخمسة التي أشار إليها ابن مسعود , الآية الأولى من سورة النساء يقول الله تعالى فيها وهي من بشريات الرحمة , ومن نفحات الخير للمؤمنين السائرين على طريق الله , يقول الله تعالى {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً } , أليس هذه بشرى أيها الإخوة؟ اجتنب الكبائر , اذا اجتنبت الكبائر كفّر الله عنك سيئاتك من الصغائر , وأدخلك الجنة , والذنوب -كما نعرف - كبائر وصغائر, الكبيرة هي التي اقترنت بالتهديد والوعيد والعقوبة والتخويف و الترهيب , أو كما قال بعض أهل العلم : التي يترتب عليها حد أو أي عقوبة بنص قرءاني أو نص النبوي, ولعلنا نعرف الكثير من هذه الكبائر: شهادة الزور, عقوق الوالدين , ارتكاب الفواحش, الإضرار بخلق الله , هذه كبائر جاءت في القرءان الكريم , وجاءت في الأحاديث النبوية , أكل مال اليتيم , الظلم ......إلى آخر ما تعرفون . هذه بشارة , والصغائر لا يسلم منها أحد , ولا يخلوا منها سلوك أحد , فهذه الصغائر تكفر تلقائيا ما اجتنبت الكبائر , ولذلك ننصح إخواننا بعض المتدينين , أو المتعبدين ألا يسارعوا في اتهام الناس إن رأوهم على صغيرة من الصغائر , يتهمون بالفسق أو يتهمونهم بغير ذلك من الصفات الرديئة , إن الله أرحم منكم.
البشرى الثانية التي وقف عندها ابن مسعود , يقول الله تعالى فيها {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } , هل نخاف من ظلم الله ؟ لا , لا نخاف من ظلم الله , إنما نخاف من عدله , لأن الله لا يظلم الناس , لكن إن واجهك الله بعدله , اتضح تقصيرك , واتضحت أخطاؤك , تأمل يا أخي هذه البشريات , وهذا الفضل المضاعف , {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } , هذا فضل , وهذه بشارة لي ولك حتى نتخفف من هذه الأخطاء التي على كواهلنا , والتي على ظهورنا , وحتى نسير نحو وجه الله, راجين , آملين, محبين, خاشعين له سبحانه وتعالى {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } , لكن كيف نخاف من عدل الله؟ قال ابن عطاء الله:" لا صغيرة إن واجهك عدله (إذا حاسبك الله بالعدل فلا صغيرة ) إن كل معصية لله تغدو كبيرة , ولا كبيرة إذا واجهك بفضله " ونحن كما كان يدعو الصالحون , ندعو الله أن يعاملنا بفضله , لا بعدله , لأننا مقصرون ومخطئون , كيف تقابل الله يوم القيامة ؟ بم تستحق جنة عرضها السماوات والأرض؟ صليت , صمت , وهو أطعمك , وكساك , وحفظك , و حماك , و هو الذي أوجدك من العدم , وهو الذي وفقك الى هذه الطاعة , ألم تقرأ قول الله تعالى {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} , وهبك النفس , ومنحك المال , ثم اشتراهما منك تفضلا منه عليك , الله لا يظلم , ويضاعف الحسنات و يؤت من لدنه أجرا عظيما . والآية الثالثة يقول تعالى{ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} أنت سوف تلاحظ أن هذه الآيات الخمسة , أو الثمانية تدور حول محور واحد , هذا المحور هو بشارة المؤمنين بالرحمة العميمة , والغفران العظيم , حتى ينهض هؤلاء المؤمنون , ويتوجهوا إلى الله -سبحانه وتعالى- {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } , ليس هناك ذنب أو معصية تئود الله تعالى ,لا تيأس -يا أخي - , ولا تقنط , ولا تحبط , ولا تنطوي على نفسك , واصل السير نحو الله , مادمت موحدا ,
لو شاء أن تصلى جهنم خالدا ما كان ألهم قلبك التوحيد
اطوي قلبك على التوحيد , وعلى الإيمان به , على إجلاله وإعظامه , على استحضار عظمته وهيبته وجلاله وجماله, ثم ليكن أملك في الله كبيرا , كله مغفور بحوله وقوته , لكن الشرك : أن تجعل مع الله شريك , أن تتوجه إليه بالعبادة, أن تتوجه إليه بالسؤال , إلا أن هناك ذنوبا هي في مستوى هذا الشرك , الإلحاد: قد لا يكون شركا بالمعنى الاصطلاحي , لكنه أخطر من الشرك , أن ينكر أحد الناس وجود الله , و أن يتحول إلى مادي لا يؤمن إلا بالمحسوس, رفض مبدأ السمع والطاعة , أن يؤمن بوجود الله , لكنه لا يؤمن بشرائع الله , بدين الله , وبضرورة تطبيقه على الأرض وطاعته, هذه الذنوب تساوي الشرك , أو هي أخطر منه, أن يستحل ما حرم الله , أن يعترض على حدود الله, وعلى شرائع الله, أن يقول: أن القصاص عقوبة وحشية , أو أن عقوبة السرقة لا تتناسب مع ظروف العصر, أو أن عقوبة الزنا فيها قسوة, كل ذلك اعتراض على شريعة الله, إن لم يكن شركا بالمعنى الاصطلاحي , وهو يساوى الشرك , أن ترفض مبدأ السمع والطاعة , إن المؤمن أمام أوامر الله مستسلم لها , سمعنا و أطعنا ,غفرانك ربنا واليك المصير , وبعد ذلك إن سلمت من هذه العاهات , وهذه الآفات , و وقعت في ذنب هنا أو في خطيئة هناك , كل ذلك يغفره التواب الرحيم {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}. يؤسفني مرة أخرى : أن هناك من يظن أن بيده مفاتيح خزائن الأرض , وأبواب الجنة , ولقد حدثنا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بعض هذه النماذج: أن رجلا رأى رجلا على معصية , فقال:" والله لا يغفر الله لفلان " , من أنت ؟ إن الله تعالى هو مالك الملك , يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء, {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ما دخلك أنت ؟ وهذا حقه سبحانه وتعالى , فكيف تتألى على الله, قال :" والله لا يغفر الله لفلان" , فقال:" الله من ذا الذي يتألى عليّ, قد غفرت له , وأحبطت عملك " , أيها المغرور , ولذلك قال الرجل الطيب -ابن عطاء الله - :"معصية تورث ذلا وانكسارا , خير من طاعة تورث عزا واستكبارا " , تواضع لله , الله سبحانه وتعالى يفتح الباب لعباده , وأنت تغلقه .
البشرى الرابعة في قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } , وهذه الآية تكشف لنا مقام النبي -صلى الله عليه وسلم – و درجته , ومكانته , و أنه باب من أبواب التوبة والرجوع الى الله -سبحانه وتعالى - وهذا كان في زمن النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان المنافقون من حماقتهم يأبون ذلك {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } , التوجه للنبي -صلى الله عليه وسلم - من محبة وطاعة وتعظيم وإجلال , وإذا كانت الآية تصور أحوالا كان في زمنه- صلى الله عليه وسلم - فإن مكانته , و مقامه , و درجته بعد وفاته قائمة , والمسلمون في كل مكان يصلون ويسلمون عليه , في كل صلاة : السلام عليك أيها النبي , وما من لحظة تمر إلا وتلهج بالصلاة عليه ألسنة المؤمنين على وجه الأرض جميعا -صلى الله عليه وسلم - وهناك حكاية مشهورة يذكرها المفسرون , وتذكرها بعض كتب الفقه , تقول : أن رجلا كان جالسا في الروضة عند مقام النبي- صلى الله عليه وسلم- فرأى رجلا أعرابيا , جاء و وقف أمام المقام الجليل , و قال: يا رسول الله إني سمعت الله يقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } , واني جئتك يا رسول الله , مستغفرا لذنبي, مستشفعا بك إلى ربي , ثم أنشد يقول: يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع و الأكم
نفس الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف , يقول الرجل الذي رآه , فغلبتني عيني , فنمت فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : إلحق صاحبك الأعرابي وبشره أن الله قد غفر له . حب النبي -صلى الله عليه وسلم- إجلاله , الاقتداء بهديه وسلوكه- صلوات الله وسلامه عليه - .
أما البشرى الخامسة وهي تدور حول المحور نفسه , يقول الله تعالى{وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } , وهذه كأختها بسورة آل عمران عندما يقول الله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } , أبواب الله مفتحة , وآفاق الأمل لديه -سبحانه وتعالى- متسعة , فلنقبل أيها الإخوة على باب الله , ولنقبل على الله- سبحانه وتعالى - ولنتخفف من خطايانا , ولنتطهر , لأن القلوب كالأبدان , الأبدان يتراكم عليها الغبار , و يتراكم عليها القذر , فهي محتاجة إلى أن تغسل بين الفينة و الفينة , الثياب إن لم تغسلها تراكم عليها الغبار , فإن لم توارها بالغسل , أصبح هذا الوسخ جزءا منها , وعندئذ يصعب التنظيف , تابع قلبك يا أخي , و سر نحو الله تعالى , لن أستطيع أن أعلق على الآيات التي أضافها ابن عباس , لكني سأتلوها فقط وهي آيات ثلاثة , أضافها على هذه الخمسة , وتأملها جيدا يا أخي , وعد إلى بعض كتب التفسير , لتقرأ شرحها , يقول تعالى في آيات ثلاثة متتاليات {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ , وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً , يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} , اللهم علمنا ما ينفعنا , و انفعنا بما علمتنا , و زدنا علما , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
مما يؤسف له أيضا -أيها الإخوة الأعزاء - أن كثيرا منا لا يتذكر من الهجرة إلا أنها يوم عطلة , و أنا أستغرب من العطلة , يوم الجمعة , و وددت لو أن الدوام استمر , وخصص هذا اليوم في كل الهيئات والمؤسسات , للحديث عن هذا الحدث المهم , وما اشتملت عليه الهجرة , وما احتوت عليه من معان , ومن قيم , ومن دروس , لابد أن نقف عندها , الهجرة تضحية , ما ظنك برجل يترك ماله وبيته وولده ويقطع القفار محتضنا مبدأه وعقيدته , ما ظنك به, ألسنا في حاجة الى دروس تعلمنا الاعتصام بالمبادئ , والابتعاد عن التملك والمداهنة , والرخاوة في أخذ الدين , ألم يأمر القرءان الكريم أنبياءه أن يأخذوا الدين بقوة يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ , والذين يمّسكون بالكتاب ,الهجرة تضحية وانتصار وبذل, إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا , انتقلت الدعوة الإسلامية من دور الى دور , الهجرة أيضا من معانيها السريعة والموجزة أنها تردنا إلى ذاتنا , ما التاريخ الذي نستخدمه في حياتنا , في مدارسنا, وجامعاتنا , ومؤسساتنا ؟ انه التاريخ الفرنجي, تأتي الهجرة لتقول لنا: ما بالكم وهذا التاريخ المسيحي, لماذا لا تعودون الى ذاتكم -أيها الناس- ؟
مثل القوم نسوا تاريخهم كلقيط عي في الناس انتسابا
إن الذي ينسى تاريخه كاللقيط الذي لا يعرف من أبوه
مثل القوم نسوا تاريخهم كلقيط عي في الناس انتسابا
أو كمغلوب على ذاكرة يشتكي من صلة الماضي انقباضا
مقطوع الصلة لا يعرف له أبا , ولا يعرف له نسبا ,هذه معاني, كذلك الهجرة تذكرنا بما ينبغي أن نهجره في حياتنا , أليس كذلك؟ الهجرة انقطعت من مكة الى المدينة , لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهاد ونية , وإذا استنفرت فانفروا , والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه, والنبي -صلى الله عليه وسلم - يقول : "العبادة في الهرج , كهجرة إليه "أي أيام الفتن , أن تقبل على الله عبادة وخشوعا , وحبا و ولاء , وتلاوة , و ذكرا , هذه تساوي الهجرة الى النبي -صلى الله عليه وسلم- , العبادة في الهرج , كهجرة إليه , و ما ينبغي أن نهجره , أليس في حياتنا ما ينبغي أن نهجره ؟ بالله عليكم , أليس في حياتي وحياتك ما ينبغي أن نهجره , و أن نتركه ؟ , و إن فاتتنا الهجرة بأجسامنا , فلنهاجر إلى الله بأرواحنا , العادات الرديئة السلوكية والفكرية , العادات الرديئة , العلاقات السيئة , هناك أشياء كثيرة سيئة في حياتنا, جرب يا أخي العزيز , استعرض واقعك السلوكي , والفكري, هاجر إلى الله.
المسالة الأخرى -أيها الإخوة الأعزاء - : رحل عنا صباح هذا اليوم داعية كبير -وهو الشيخ محمود أبو خوصة عليه رحمة الله- وقد كان هذا الرجل فيما أعلم , غيورا على الإسلام محبا له , شجاعا في قول الحق , لم يكن حزبيا , كان يكره مراوغة السياسيين , كان يحارب البدع , و يبذل جهدا في إحياء السنة , قضى مرحلة طويلة من عمره في التدريس, كان داعية في المدرسة ,و المجتمع , و في المسجد , و في أخريات حياته , استقر في مسجده المعروف , يعلم تلاميذه بقدر ما يستطيع , نحن أحوج ما نكون في ظل هذه الضوضاء , و ظل هذا الضجيج الذي التبس فيه الحق بالباطل , إلى دعاة مخلصين , يعرضون الإسلام ناصعا نقيا مخلصا , غير مرتبطا بأهداف هنا , و أهداف هناك , نسأل الله لفقيدنا الراحل الداعية الكبير الرحمة الواسعة , والمغفرة العميمة والدرجات العالية عند الله تعالى.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.