بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:             

 

أيها الإخوة ينبغي أن نعرف ديننا, وأن ندرس خصائصه , و أن نحسن عرضه , ونحن نقدمه للناس .الإسلام دين يقوم على العلم, ويقوم على العقل, رسالته علمية, ومعجزته علمية , وأمته أمة متعلمة, طبيعة الإسلام تأبى الجهل , وتأبى الخرافة , لأنه دين طبيعته -كما قلت- علمية وعقلية , و انظر إلى القرءان الكريم - وهو يتحدث عن مهام الرسالة- فيقول جل جلاله  {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } , هذه مهام ثلاثة للرسالة الإسلامية , منها{ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } الارتفاع بمستوى العقل , دين لا مجال فيه للظنون والأوهام , والتقليد والتعصب,  والشعوذة والخرافة , يربي أتباعه على الربط بين المقدمات والنتائج , والأسباب والمسببات. حقائق هذا الدين من أصول وفروع تقوم على العلم, عقيدة هذا الدين وشريعته يقومان على العلم , والعقل أساس في تدبر كل من العقيدة والشريعة , والله تعالى عندما قارن بين العابدين القانتين الخاشعين , الذين وصلوا إلى عبادة الله عن طريق العلم والمعرفة , وبين الغافلين الذين اختاروا طريقا آخر غير طريق عبادة الله , عندما قارن بين هذين الفريقين عقب على هذه المقارنة بقوله تعالى{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }, ما هي المقارنة التي عقب عليها القرءان بهذا التعقيب ؟ المقارنة هي قوله تعالى  {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } , فالذين يعلمون هم الذين اختاروا طريق الله , والذين لا يعلمون (الجهلاء ) هم الذين ضلوا الطريق , واختاروا السبل الأخرى,  وانظر إلى هذا التعبير في كتاب الله يقول تعالى  {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } , فالناس قسمان : يعلم وأعمى , فالذي يعلم أن ما أنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الحق , هو العالم , هو المبصر , الإسلام بطبيعته لا يمكن أن يكون أتباعه جهلاء , لأنه- كما قلت - رسالة تعليمية , لأنه رسالة علم , ورسالة عقل, انظر كيف حمل القرءان على الآفات التي تهدد التفكير العلمي, وتهدد التفكير العقلي , الظن : لا يجوز أن تبني مواقفك على الظن {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } , الهدى :العلم , العقل , المعرفة , الاستدلال , أما هؤلاء الكافرون فإنهم يتبعون الظن وما تهوى الأنفس , الظن والهوى {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً } , المسلم لا يبني مواقفه من الأشكال والأشياء والناس على الظن , وإنما يقدم بين يدي موقفه الدليل والبرهان , يستدل,  يصل إلى النتائج الصحيحة من خلال مقدمات صحيحة , يربط بين الأسباب والمسببات -كما ذكرت - . الإسلام كما يحارب الظن والهوى,  يحارب التقليد , أن تسلم عقلك لغيرك , الإسلام لا يقبل أن يقال:" أغمض عينيك ثم اتبعني" ,  لا يمكن هذا في الإسلام {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا }, كيف تتنازل عن عقلك , كيف تعطل عقلك , من أجل تقليد الآباء , من أجل الانتماء إلى القبيلة , إلى الحزب , إلى غير ذلك  {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } , حتى لو كان هؤلاء آبائك , فلا ينبغي أن تكون أسيرا لأفكار القبيلة , أو لأفكار الآباء والأجداد , أو لأفكار الحزب –مثلا- ,  لا يجوز , الإسلام دين يدعو إلى إعمال العقل , والى الاستدلال والبرهنة , انظر أيضا , كيف يحارب آفة أخرى من الآفات -وهي آفة القول بغير علم - ؟ التقحم على الأشياء , الإسلام يحث أهله على ألا يتحدثوا في مسألة من المسائل لم يحيطوا بها علما,  كيف تتكلم في شيء أنت لا تحسنه ؟ إن الله تعالى يقول {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } , لا تتكلم فيما لا تعرف , هناك كثيرون منا فضوليون يهرفون بما لا يعرفون , إن فتحت السياسة تحدث فيها , إن فتح الحديث في الأدب تحدث فيه , في العلوم تحدث فيه , يا أخي :احترم نفسك , إن الله تعالى لا يرضى من المسلم أن يقتحم كل ميدان, اسمع هذه الآية  {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } , لديك دليل , لديك بينة, لديك علم , أنت متخصص في هذا الميدان , أرئيتم أيها الإخوة , كم هو عظيم هذا الدين؟ كم هو عظيم هذا الإسلام ؟ لربما يسألني بعضكم فيقول : والجهلاء الذين لم يحصلوا نصيبا من العلم , ان مرجعيتهم العلم {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }, اسألوا المتخصصين , انظر كيف يؤسس الإسلام , الإيمان واليقين على دعائم عقلية , ودعائم علمية , الإيمان,  ليس في الإسلام خرافة ولا أسطورة ولا وهم ولا شعوذة و لا دجل. إقرأ معي الآن أوائل سورة الجاثية , وافتح عقلك وتأمل هذا الدين , يقول الله تعالى {حم , تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} , ما هي الأدلة الإيمانية التي يدفعنا الإسلام للولوج فيها ,حتى نؤسس الإيمان, حتى نؤسس اليقين {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ , وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ , وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} , إن القرءان الكريم يتكلم عن ضرورة الإيمان , لكنه يضع بين يديك الحديث عن السماوات والأرض , وعن الخلق وما بث من دابة , وعن الأمطار , وعن الرياح , وعن الليل والنهار , وكلها آيات لله كونية , لا يكتمل إيمانك ويقينك إلا اذا تأملت , ولقد جمع القرءان في سورة البقرة و0هو يتحدث أيضا -عن الإيمان وعن العقل ,هذه الأدلة الثمانية في آية واحدة, إقرأ قول الله تعالى في سورة البقرة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } , هل اقتنعتم أيها الإخوة , ان الإسلام يؤسس يقينه الديني,  يؤسس الإيمان على أسس علمية , وعقلية؟ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} للأسف في مرحلة التخلف والانحطاط -التي نعيشها - لا نعرف شيئا عن السماء والأرض , الذي يعرف عن السماء والأرض هم الذين لم ينزل عليهم القرءان , أما الذين أنزلت عليهم هذه الآيات فهم عن آيات الله معرضون , والله جل جلاله يقول  {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } , وهذا أيضا تعقيب على قوله تعالى في سورة العنكبوت  {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } , وهناك قصة للعنكبوت بعد ذلك قال {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } , لا ينبغي أن يكون أتباع الإسلام جهلاء , الإسلام رسالة تعليم , الأمة الإسلامية أمة متعلمة , أول ما أنزل عليها  {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } , هل سألت نفسك , لماذا يقرؤون هم ولا نقرأ نحن ؟ لماذا يهبطون على الكواكب ولا نهبط نحن؟  هل سألت نفسك هذا السؤال ؟ نحن أمة القرءان أولى لأن هذا في كتابنا يقول الله تعالى  {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ } , من الذي يستطيع أن يستوعب الحكم والأسرار الكاملة وراء اختلاف الألوان , والألسنة , واللغات , هذه علوم لها أساتذتها , ولها جامعاتها , ولها مختبراتها , ونحن أموات غير أحياء , هم الذين يدركون ويعرفون , واسمحوا لي أيها الأعزاء أن أقرأ لكم هذه الواقعة العجيبة , التي أثبتها المفكر الإسلامي -وحيد الدين خان - في كتاب له شهير اسمه "الإسلام يتحدى " يقول وحيد الدين خان, رواية عن عالم هندي -عالم في الطبيعة والرياضيات , و أول من عرض فكرة القنبلة الذرية وهو عناية الله المشرقي -يقول :" كان ذلك يوم أحد من أيام سنة 1909 , وكانت السماء تمطر بغزارة , وخرجت من بيتي لقضاء حاجة ما, فإذا بي أرى الفلكي المشهور - السير جيمس- الأستاذ بجامعة كامبردج , ذاهبا إلى الكنيسة والإنجيل والشمسية تحت إبطه,  فدنوت منه وسلمت عليه , فلم يرد عليّ,  فسلمت عليه مرة أخرى,  فسألني ماذا تريد مني ؟ فقلت : له أمرين يا سيدي , الأول هو أن شمسيتك تحت إبطك رغم شدة المطر , -في حالة من الذهول كان يشغل عقله أمرا آخر ربما - شمسيتك تحت إبطك , رغم شدة المطر , فابتسم السير جيمس وفتح شمسيته على الفور, فقلت له: أما الأمر الآخر فهو ما الذي يدفع رجلا ذائع الصيت في العالم مثلك , أن يتوجه إلى الكنيسة , (عناية الله يستغرب من تدينه) ,  كيف أنت عالم فلك وشهير وعملك في الطبيعة , وظواهر الطبيعة , ثم تذهب إلى الكنيسة,  قال : ما الذي يدفع رجلا مثلك ذائع الصيت في العالم , أن يتوجه إلى الكنيسة ؟ وأمام هذا السؤال توقف السير جيمس لحظة , ثم قال : عليك اليوم أن تزورني في المساء , وعندما وصلت داره في المساء, ودخلت عليه في غرفته , وجدت أمامه منضدة صغيرة , موضوعة عليها أدوات الشاي , وكان الرجل منهمكا في أفكاره, وعندما شعر بوجودي, سألني: ماذا كان سؤالك ؟ ودون أن ينتظر ردي بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية , ونظامها المدهش , وأبعادها , وفواصلها اللا متناهية وطرقها ومداراتها وجاذبيتها وطوفان أنوارها المذهلة , حتى أنني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله -وهو يشرح عالم الفلك  - أما السير جيمس نفسه, فوجدت شعر رأسه قائما , والدموع تنهمر من عينيه,  ويداه ترتعدان من خشية الله , وتوقف فجأة ثم بدأ يقول: يا عناية الله عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله, يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي , وعندما أركع أمام الله وأقول له : إنك لعظيم, أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء , و أشعر بسكون وسعادة عظيمين , وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة , أفهمت يا عناية الله خان , لماذا اذهب إلى الكنيسة ؟ ثم يضيف العلامة عناية لله قائلا : لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفانا في عقلي, وقلت له يا سيدي : لقد تأثرت جدا في التفاصيل العلمية , التي رويتموها لي , وتذكرت بهذه المناسبة آية من كتابنا المقدس -القرءان - فلو سمحتم لي لقرأتها عليكم , فهز رأسه قائلا بكل سرور , و قرأت عليه الآية القرآنية من سورة فاطر  {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ , وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} , فصرخ السير جيمس قائلا :ماذا قلت؟ (إنما يخشى الله من عباده العلماء) مدهش وغريب , وعجيب جدا , إن الأمر الذي كشفت عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة,  من أخبر محمدا بها , من أنبأ محمدا به , هل هذه الآية موجودة في القرءان حقيقة , إذا كان الأمر كذلك , فاكتب شهادة مني:  أن القرءان كتابا موحا من عند الله " , هذا ديننا أيها الإخوة أما ان لنا ان نقبل عليه دراسة ووعيا وتطبيقا,  أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 

عندما أقرأ بعض الآيات , كالآية التي قرأها عناية الله على العالم الفلكي , تحس كأن هذه الآيات نزلت عليهم ولم تنزل علينا, خذ مثلا عندما يقول الله جل جلاله  {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ , وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } , أي فلك تجري في البحر ؟ هل تجري فلك المسلمين ؟ ألم يعترض اليهود سفينة من أكبر السفن ثم ساقوها بحمولتها ؟ أين بوارج المسلمين ؟ أين غواصات المسلمين ؟ من الذي يستولي على البحار ؟ من الذي يستولي على الفضاء ؟ من الذي يستولي من ؟ إنهم يبحثون عن المياه في القمر , و نحن تقاريرنا تقول : أن ماءنا غير صالحة للاستخدام البشري , وهم يبحثون في القمر عن المياه , أسأل نفسي , هذه الآية نزلت علينا أم عليهم ؟ من الذي وضع يده على أسرار المادة وقوانينها , وسخر هذه القوانين وهذه لأسرار لمصلحته ؟ خذ آية أخرى أنزلت على المسلمين, لم تنزل على الألمان ولا اليابانيين, أنزلت علينا يقول تعالى {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } , إلى أي شيء تشير هذه الآية ؟ تشير هذه الآية إلى خصائص الحديد , الخصائص المتميزة والعظيمة في ميداني الحرب والسلام , هل درس المسلمون خصائص هذا المعدن , واستفادوا منها لمصلحة إنسانهم في المنطقة الإسلامية ؟ أم أننا -أيها الإخوة- ما زلنا في هذا الميدان عالة على أعداءنا؟ , ألم يقل نبينا- صلى الله عليه وسلم - :" اليد العليا خير من اليد السفلى"  , ألم يحس المسلمون في كل مكان بالخزي واليهود يقتادون السفينة المحملة , وكأنهم ملوك البر, وملوك البحر, وملوك الفضاء, وملوك الأرض , وما تحت الأرض , اليهود في العالم كله -أيها الإخوة - أقل من سكان دولة عربية واحدة متوسطة العدد , و رغم هذا يفكرون في الاستيلاء على مقدرات العالم الإسلامي كله, بعد أن تمركزوا في قلب فلسطين , و نحن مشغولون بنزاعاتنا , ومشغولون بدنيانا , أنا أراهن على أجيالنا الناشئة , على أبناءنا وطلابنا , أن يجتهدوا في الدراسة , وأن يجتهدوا في التحصيل العلمي , و ألا يلتفتوا إلى القضايا التافهة التي تورثهم الحزازات والكراهية , ابتعدوا أيها الشباب عن القضايا التافهة , أقبلوا على دراسة كتاب ربكم , إذا أردنا أن نخدم ديننا ودنيانا , فلابد أن نقبل على هذا العلم, و أن نفاخر بانتمائنا لهذا الدين , أحس بحزن كبير عندما أشعر أن أبناءهم- أبناء الأمم الأخرى - يلتهمون الكتب التهاما , وعندما أرى أبناءنا بينهم وبين الكتب, بينهم وبين القراءة, بينهم وبين العلم برزخ حاجز,  أنا أعرف أن هناك أسبابا كثيرة لهذه العزلة , و أن هناك من يشغل هؤلاء الشباب بقضايا تافهة , تضر ولا تنفع , وتورث الكراهية , و الحزازات -كما رأينا-  صراع كرة القدم بين دولتين عربيتين كبيرتين , ما الذي يحدث أيها الإخوة ؟ أما آن لنا أن نعود إلى هذا الدين العظيم , و أن نعرفه معرفة حسنة , أن نحسن فهمه وتطبيقه, أن نحسن عرضه.

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.