بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
فلربما يتساءل بعضنا, لماذا شرع الله زيارة البيت الحرام؟ نحن نعلم من ديننا أن الإسلام أوجب علينا الحج مرة في العمر, نطوف في البيت, ونسعى ونقف على عرفة , فلربما تساءل البعض, لماذا أوجب الله زيارة هذا البيت , والطواف به؟ بمراجعة القرءان الكريم, نجد , أن هناك صلات و روابط تاريخية , و روحية , توجب زيارة هذا البيت , هناك ذكريات ترتبط بهذا البيت , توجب تكريمه وتشريفه , فالبيت الحرام كما قال تعالى (هو أول بيت وضع للناس ) أول بيت بني على وجه الأرض للتوحيد , على أنقاض الوثنية والشرك , أو في مواجهة الوثنية والشرك, قال الله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } والتوحيد هو دين الأنبياء جميعا , بل هو الدين الذي لا يرتضي الله سواه , كما ينبغي ألا يعبد أحد مع الله في ملكه , إن الحكم إلا لله ’ و إلهكم إله واحد {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ , اللَّهُ الصَّمَدُ , لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } فالمسجد الحرام أول بيت وضع للتوحيد , {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنا} وعندما ننظر لمن بنى هذا البيت , فإننا نجد نبيين قد مثلا التوحيد أعظم توحيد , قد بلغا في إخلاصهما للتوحيد القمة -إبراهيم وإسماعيل - {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} إبراهيم في سبيل التوحيد ألقي في النار فما تردد , {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ } في سبيل التوحيد , في سبيل العقيدة والإيمان بالله , ولذلك استحق هذا الثناء العظيم عليه من الله في أكثر من موضع في القران الكريم , { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} وتذكروا هنا قول الله تعالى له في سورة الصافات , يا إبراهيم { قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } لتستوعب وصفه بالصديقية , { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} واقرأ إن شئت قول الله تعالى في أخر سورة النحل وهو يتحدث عن أبي الأنبياء- إبراهيم الخليل- {وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }, {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ } تأمل هذا الثناء الإلهي على إبراهيم {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , شاكرا شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ , وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } أما إسماعيل فقد بلغ القمة -أيضا في التوحيد- عندما قدم عنقه للذبح في سبيل التوحيد, و في سبيل الإيمان بالله { يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } وما قرأت هذه الآية مرة إلا وقفت متعجبا, يؤمر بالذبح فيستجيب, طالما الأمر لله رب العالمين , التوحيد, طالما كان ذلك في سبيل الله , وانظر إلى طمس البصر والبصيرة , عندما يؤمر أحدهم بالوضوء –مثلا- بالصلاة , بالصيام , فيأبى عليك, أليس القول شاسعا بين من يؤمر بالذبح أن يذبح فيستجيب ,لأنه يعلم أن هذا في سبيل الله, و أن هذا تنفيذ لأمر الله -جل جلاله- , وبين من يؤمر بغسل وجهه ويديه, وأن يطهر جبهته بسجود الله , ولعل نموذج هؤلاء الناس ما ذكره الله في سورة أخرى عن ابن نوح, نموذج طمس البصيرة, { يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء } هذا يدعى إلى النجاة فلا يستجيب, مطموس البصيرة , وهذا يدعى إلى أن يقدم عنقه للذبح فيستجيب , ولذلك استحق إسماعيل -عليه السلام - الثناء من الله- جل جلاله- عندما قال عنه في سورة مريم {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً , وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } ثم نجد أن إبراهيم وإسماعيل قد دعوا ربهما أثناء بناء البيت , بدعوة استجبت لهما, {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} نحن الأمة الإسلامية التي تعيش هداية التوحيد , وتعيش هذا الإيمان الكبير بالله وكتبه ورسله , نحن استجابة لدعوة إبراهيم {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } فالأمة الإسلامية ونبيها استجابة لدعوة إبراهيم , فالبيت إذا أول بيت للتوحيد , ونحن استجابة لدعوة أبينا إبراهيم , أفلا يستحق هذا البيت التكريم ؟ أفلا يستحق الزيارة والارتباط به؟ هذه صلات تاريخية و روحية بهذا البيت ,ثم أيها الإخوة إن الله تعالى اختار هذا البيت قبلة لنا , بصلواتنا ومساجدنا, فالمساجد جميعا في القارات الخمس تتوجه إلى هذا البيت, وما من مسلم يقف بين يدي الله إلا ويتوجه إلى هذا البيت , الجهات كلها لا تعني شيئا, والحجارة ليست مكرمة لذاتها , وكما قال تعالى {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } وكما قال تعالى -أيضا عندما ثار لغظ حول القبلة من السفهاء- قال {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }ولكن اتخاذ هذا البيت قبلة لنا , هو إجراء الهي , وتنظيم الهي , يشعر أبناء الإسلام أنهم أمة واحدة , ولهم هدف واحد , ولهم وجهة نظر واحدة ,لا ينحرفون عنها {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } هو قبلتنا , هو أول بيت وضع للتوحيد في الأرض , نبينا ونحن استجابة لدعوة بناته -بناة البيت - لأول مرة , أفلا يستحق البيت إذا أن نرتبط به؟ و أن نتوجه إليه ؟ و أن نطوفه؟ هذه هي الصلات التاريخية والروحية بيننا وبين هذا البيت . أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
أريد أيها الإخوة أن أذكر ببعض الأخلاق -التي بدأت تتقلص وتغيب من حياتنا السلوكية - , من هذه الأخلاق: خلق اللين والرفق , هناك فظاظة في التعامل, هناك غلظة , هناك جلافة , وليسمح لي البعض, أو يسامحني, أن كثيرا من المنتسبين للتدين , تظهر عليهم هذه الفظاظة , والغلظة , ربما للإحساس بأنهم مهتدون , و أن الآخرين ضالون, يقول صلى الله عليه وسلم:" إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة , من تركه الناس اتقاء شره " , إن خاف الناس من لسانك , أو خاف الناس من بطشك, فتذكر هذا الحديث, إن القرءان يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم -{وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} لا تكن يا أخي فظا , لا تكن غليظا , إن كان لك حق فاطلبه بالتي هي أحسن , و إن كنت ناصحا فانصح بالرفق واللين , وإن كنت آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر , فاقتد بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا فيما يتعلق بالرفق واللين والفظاظة والغلظة والجلافة في الحديث .
الأمر الثاني: يتعلق بالتماس الأعذار , وحسن الظن , هناك من الناس من لا يقبل العذر, ومن يفسر الأمور على أسوء تفسير ,ويحمل أقوال المسلم وأفعاله على أسوء محمل , هذا لا يجوز , الحياة تضطرب إذا انتشرت مثل هذه الأخلاق, فاقبل عذر أخيك , التمس له العذر, وأحسن ظنك به , بهذا تستقيم الحياة , قالت إحدى الزوجات لزوجها الحكيم , كان هذا الزوج حكيما ,قالت له:" ما رأيت ألئم من أصحابك" , قال :"وكيف ؟" , قالت:" إذا أيسرت لزموك , و إذا أعسرت تركوك " , فقال لها الرجل الحكيم:" والله هذا من حسن أخلاقهم, أنهم يأتوننا في حالة القدرة منا على مساعدتهم , ويتركوننا في حالة العجز على مساعدتهم " , لا يريدون أن يحرجونا , هذا من حسن أخلاقهم , أرأيت يا أخي ! هل أعجز أنا أو تعجز أنت أن نكون في هذا المستوى من إعذار الناس؟ أقبل أعذار الناس, التمس لهم الأعذار, أحسن ظنك بالآخرين, وإلا فان حياتنا سوف تتحول إلى جحيم من وراء هذه الظنون السيئة , يقول أبو الطيب المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم
وعاد محبيه بقول عداته وأصبح في ليل من الشك مظلم
ما معنى هذا ؟الرجل المسيء يسيء الظن بالآخرين , طبعا , إذا كان المرء الإنسان سيئا في ذاته , فان أول ما يتبادر إليه -وهو يفسر مواقف الآخرين- الظن السيئ , وما ينقله له أعداءه يصدقه , ويعادي إخوانه ومحبيه, فما أعظم توجيه القرءان -وهو يقول-{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ} التمس الأعذار , أحسن ظنك , كن لينا , كن رفيقا , وإلا فكيف سنصلح جبهتنا أيها الإخوة الأعزاء ؟ كيف سنستطيع أن نقف على أرض ثابتة, لنحقق أهدافنا. في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم – قال:" رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق" فقال له :" أسرقت؟" فقال الرجل:" كلا والله الذي لا اله إلا هو" , فقال عيسى:" آمنت بالله وكذبت عيني" .
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.