بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
فقد تحدثت سورة الإسراء في صدرها , عن تجربة بني إسرائيل في إقامة دولة لهم , وأشار القرءان أنهم تجاوزوا هداية التوراة , فالتوراة أنزلت على موسى -عليه السلام- دينا ودولة , وكما قال تعالى في أوائل سورة الإسراء {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً } , لكن بني إسرائيل لن يلتزموا بهذا الهدى , وساروا في دروب العلو والإفساد{ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً }, والعلو هو خلل في دائرة الأخلاق , والفساد هو خلل في نطاق الإدارة , وما من أمة تصاب بهاتين العلتين في الخلل الأخلاقي والاختلال الإداري, إلا وتدفع الثمن , يسلط الله عليها أمة أخرى ليردها إلى الصواب , و إلى الهدى الذي تجاوزته وتمردت عليه ولذلك قال تعالى {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً } , لكن في ختام الحديث عن تجربة بني إسرائيل , وعن المسألة المركزية في هذه التجربة , وهي الاختلال الأخلاقي والإداري , وكيف أن ثمنه احتلال أجنبي , وانهيار للسلطة أو انهيار للدولة , التي أصيبت بهاتين العلتين, ختم القرءان الكريم حديثه في السورة بقوله تعالى {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }, وأشار بعد ذلك لمصارع الأمم السابقة والتي تسرب إليها الفساد والذي هو غالبا ما يكون في دائرة الأخلاق ودائرة الإدارة , الفساد الإداري والفساد الأخلاقي كما رأينا في تجربة بني إسرائيل العلو والإفساد والله تعالى يقول {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}, فأشار إلى مصارع الأمم السابقة التي -كما ذكرت- تسرب إليها الفساد في هاتين الناحيتين , فقال تعالى في السورة نفسها {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً } , وبعد الختام بقوله تعالى إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ , والإشارة الى مصارع الأمم السابقة التي تنكبت طريق الحق , عرض القرءان جملة من الوصايا العظيمة , والنصائح المفيدة , التي تعصم الفرد والمجتمع من الزلل , وتقوده إلى الرشد , وتضمن له الرعاية الإلهية , هذه الوصايا التي تخللت سورة الإسراء , وجاءت بعد الحديث عن تجربة بني إسرائيل , وبعد الإشارة لمصارع الأمم السابقة , و بعد الحديث عن هدايات القرءان , وكأنها تقول لا ينجيكم من المصير المؤلم التي وقعت فيه الأمم السابقة ولا ينجيكم من دفع ثمن التجارب الفاشلة الا الاعتصام بهذا الهدي الإلهي, وبهذه الوصايا , و بهذه النصائح التي تحول بينكم وبين مصير الغابرين , الملاحظ على هذه النصائح أنها بدأت بتوحيد الله , وانتهت بتوحيد الله , بدأت بقوله تعالى {لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً } , وانتهت بقوله تعالى {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً } , وجاءت هذه الوصايا بين هذين التذكيرين العظيمين بضرورة التوحيد الكامل , لأنه طريق الاستقامة الكاملة { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} , فالاستقامة الكاملة مرتبطة بالتوحيد الكامل , ثم الأصل, أو الشرط في قبول الإعمال: الإيمان {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} , لا قيمة لعمل غير المؤمن مهما كان إذا قابل الله على غير التوحيد {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } , فالعمل المقبول عند الله هو العمل القائم على الإيمان , والقائم على التوحيد الخالص , فما هي هذه الوصايا , وهذه النصائح ؟ بدأت من قوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }, و الوصاة بالوالدين فريضة محكمة في القرءان , لقد ذكرت في القرءان في سبعة مواضع , في سورة البقرة {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }, وفي سورة النساء {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} , وفي سورة الأنعام{ قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا }, وفي سورة الإسراء الآية التي معنا{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} , وفي سورة العنكبوت , وفي سورة لقمان , و في سورة الأحقاف , والملاحظ أيضا أن الوصاة بالوالدين في غالب هذه المواضع , جاءت مرتبطة بعبادة الله وتوحيده{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }, {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} ,{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ , وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً }, وفي هذا إشارة الى المستوى الرفيع والسامق الذي خصصه الله لبر الوالدين , لمن هما سبب وجودك , وإذا لاحظت الآية التي هي معنا في سورة الإسراء تهتز لها القلوب , {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } , إن وجود أبويك أو أحدهما عندك في حالة الضعف , أو الكبر هو طريقك الى الجنة , هو طريقك إلى رضوان الله , إن هذا العاق لوالديه إنما يبوء بالخيبة في الدنيا والآخرة , { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً } , موقف واحد فقط أذن لك الله أن ترفض أمرهما {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} , فقط وما عدا ذلك, فطاعة الوالدين فريضة محكمة , حتى في الجهاد , لما رأى النبي- صلى الله عليه وسلم- شابا يافعا قد خرج معهم, سأله قال:" ألك أبوان ؟" قال:" نعم " , قال :"ارجع ففيهما فجاهد" , فقال الصبي :"لقد تركتهما يبكيان " فقال :" أضحكهما كما أبكيتهما " ,لا مجال أيها الإخوة , هذه بوابة الدخول الى الله , المهاد إلى الجنة , الطريق لطاعة الله ورضوانه {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } , هذه الوصية الثانية بعد الوصية بالوالدين , الأقارب والأرحام , وهذا جزء من الهداية القرآنية , التي أشار إليها القرءان قبل بضع آيات , لقوله تعالى{ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ , وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ} بعد بر الوالدين المرتبط بتوحيد الله, وبعبادة الله , وكأنه يقول لك :" لا تقبل لك عبادة وأنت عاق لوالديك , وأنت تنهرهما , و أنت تأفف في وجهيهما , لا قيمة لك " هذه فرصة كبيرة جدا لمن كان عنده أبواه أو أحد أبويه, ثم ينتقل الى العلاقات الاجتماعية والأسرية {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} الشرائح الفقيرة والمحتاجة , وكما أكرر , و أذكر دائما , الإسلام ليس شعارا نظريا , وإنما هو تطبيق عملي , الإسلام ليس عبادات مجوفة, مفرغة من المضمون {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً , إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً } , لماذا كانوا إخوان الشياطين ؟ لأن الشيطان كفر نعمة الله وجحدها , وهذا المبذر الذي يضع نعمة الله في غير موضعها , هو أخ للشيطان {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } , إنه ليس معك شيء , إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فاسعوا الناس بأخلاقكم {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } لا خير عندك تهديها ولا مال فيسعد النطق ان لم يسعد الحال
أم أن هناك أناسا يبخلون حتى بالنطق , القرءان يوسع عليك المجال , إن لم يكن معك , فرده ردا معروفا , ومرة أخرى التوسط في النفقة , و التوازن في تصريف الأموال {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً , إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً , وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} , وهذه كانت عادة عند العرب في جاهليتهم , لكن هذه العادة تطورت في مجتمعاتنا الحديثة , تحت عنوان ضبط النسل أو تحديد النسل , أو تنظيم النسل , هل تظنون أن الفقر الذي يعاني منه العرب والمسلمون اليوم , فقر أرزاق أم هو فقر أخلاق ؟ لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
والله يقول {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} , ان قطع السباب الولادة في أرحام الأمهات لا ينفع الشعوب الخاملة والبليدة ولا يجدي عنها فتيلا , ان الله سبحانه وتعالى يريد بدل أن تفكر في قطع أسباب الولادة , وتقليل النسل, -هذه السياسة التي وراءها ما وراءها- زد إنتاجك طور نفسك لا تلجأ الى الأسلوب السلبي {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً } , ثم يأتي النهي عن فاحشة مدمرة {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى} , لا تقربوا أسبابه , ودواعيه , الاختلاط المبالغ فيه بغير مبرر شرعي, الخلوات , تجاوز ضوابط الشريعة الإسلامية في الزي الذي حدده للمرأة {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً , وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً } , الحق المجمع عليه يتجلى في أمرين, إما أن يكون هذا القتل قصاصا, لمن اعتدى على نفس غيره, { أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ }, {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وإما أن يكون دفاعا عن النفس , في حال الاعتداء على النفس أو المال أو العرض , هذا هو الحق , ليس هناك مجال للاعتداء على النفس الإنسانية , إلا أن تدفع عن نفسك , من يريد سفك دمك , أو انتهك عرضك, أو أخذ مالك , قال يا رسول الله:" أرأيت لو أن أحدا دخل علي , يريد مالي؟" قال :"لا تعطه" , قال:" فإن قاتلني ؟" , قال :"قاتله ", قال :"فان قتلني؟" قال:" فأنت شهيد" , قال :"فإن قتلته؟" , قال :" هو في النار" , دفاع عن النفس والعرض والمال , هذا حق , القصاص حماية لحياة البشر , ما عدا ذلك , جريمة شنيعة لم يرد في القرءان وعيد كما ورد فيها {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } , {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ }, المسؤولية الاجتماعية عن هؤلاء الذين فقدوا أبائهم وأمهاتهم, وأصبحت وكيلا عليهم {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً} , كان يمكن أن يكون ابنك اليتيم, فكيف كنت تتمنى أن يتم التعامل معه {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً , وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ } , والوصاة باليتيم والمساكين وأبناء السبيل تكررت في القرءان الكريم , ليؤكد القرءان على البعد الاجتماعي للدين , و أن الدين ليس حركات جامدة {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ , فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ , وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} , ليس مجرد لا يطعم , يدع اليتيم, ولا يحض على طعام المسكين , لابد أن نحيي معالم الدين , لابد أن نفهم الدين بأسسه العقائدية والعبادية والاجتماعية {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } , إذا قاطعت عهدا فأوفي به كن صادقا لوعودك وعقودك وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ }, هذه معالم التدين الحقيقي , هذه هي الصفحة الوضيئة , لمن أراد أن يتدين , بر الوالدين , علاقات حسنة بالأقارب, اعتدال في النفقة والتصرف , وعي في واقع الحياة , احترام لحقوق الآخرين , احترام لدماء الآخرين , وأرواح الآخرين , الاعتناء بهذه الطبقات الفقيرة, { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ} , يا معشر المصلين , يا معشر المؤمنين, يا معشر المنتسبين للإسلام , التدين واقع , التدين ترجمة حية لمفاهيم القرءان, التدين ليس لقلقة باللسان , وهمهمة أسابيع وأيام وقرون , هذه الشعائر التي تعرفونها إذا وافقت أصلها من الإيمان والصدق , كانت مقبولة , أما إذا تناقضت مع أصلها {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} , التجار الذي ملأ قلوبهم الطمع والجشع , لا يكتفون بالربح البسيط , التجار الغشاشون , الطامعون , الجشعون الذين يتحكمون في غذاء الناس , و دواء الناس, وحاجات الناس الأساسية , هل يغنيهم أن يقولوا الله اكبر, وأن يركعوا وأن يسجدوا ؟ لا يغني ذلك عنهم من الله شيئا, لماذا؟ لان القرءان نفسه قال {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ , فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ , وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ , فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ , الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ , الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ , وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} , لا قيمة لهذه الصلاة , خفض للرأس , و رفع له, عندك دواء للناس , اتق الله فيه, عندك غذاء للناس اتق الله فيه , عند مواد أساسية يحتاجها الناس , إياك والاحتكار , إياك والاستغلال , إياك وغلاء الأسعار بلا مناسبة , وبلا تبرير شرعي , وإنما هو الطمع والجشع {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً , وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } , لا تقل ما ليس لك به علم , تثبت فيما تسمع, تثبت فيما تقول , لماذا تترك لسانك حبلا مرخى في يد الشيطان ؟ ولماذا تترك أذنك تسمع وتنقل كل ما تسمع ؟ لماذا؟ {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } , لا تتدخل فيما لا يعنيك , لا تتكلم فيما لم تحط به علما , الظن أكذب الحديث , من الطرائف التي قرأتها , أن رجلا اعترض الإمام مالك -وهو يدرس الحديث الشريف - وقال هذا حديث غير صحيح , فقال له الإمام مالك -رضوان الله عليه- يا ابن أخي ,هل قرأت حديث رسول الله كله ؟ قال لا , قال فنصفه ؟ قال لا, قال فربعه ؟ قال لعلي قرأت الربع , قال لعل حديثي في الثلاث أرباع التي لم تقرأها , لا تقف ما ليس لك به علم, الآن , أسألكم أيها الأعزاء , كيف يبني الناس مواقفهم من الأشخاص , والأفكار , والظواهر الاجتماعية أو السياسية , إن نسبة كبيرة من الناس تبني موقفها من الأشخاص والأفكار وغير ذلك من الأنشطة , على أساس من الظن والوهم , لا تتخذ موقفا من شخص الا بدليل , ويقين , هذا منهج الإسلام , هذا منهج للعقل والقلب , نحن نفتخر بذلك افتخارا عظيما , { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } لا تخجل , قل لا أدري , قل الله أعلم, إما أن تترك لسانك حبلا مرخى في يد الشيطان , أو أن- كما قال احدهم - يا له من ببغاء لسانه في أذنيه, كل ما تسمعه تطير به كل مطار , والغريب أن الباطل الكلام الباطل والإفك , خفيف على ألسنة الناس , والحق ثقيل قال : ان يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
لو أن الناس ينقلون الخير , كما ينقلون الشر , لكانت الأحوال لدينا أفضل وأحسن , ثم تختم الوصايا بقول الله تعالى {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً } , الله أكبر تعبير غريب جدا , تأمل من أنت حتى تتكبر , وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ , ما معنى هذا الصعر ؟ وهذه القرءان يرسم صورة كريهة للمتكبر , الصعر داء يصيب الإبل فيلوي أعناقها, فيمشي الجمل وعنقه الى الخلف , فكأن المتكبر كذلك , {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً } لماذا تذهب في نفسك هذا المذهب؟ إن الله يقول لقوم يوم القيامة , وهم في الأغلال والسلاسل {ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } , أعجبني الشاعر المهجلي إيليا أبو ماضي -وهو يتكلم عن الإنسان المتكبر - وسمى قصيدته الطين تذكير بأصل الإنسان الطين يقول :
نسي الطين ساعة أنه طين حقير فصال تيها وعربد
و كسى الخز جسمه فتباهى وحوا المال كيسه فتمرد
يا أخي لا تمل بوجهك عني ما أنا فحمة ولا أنت فرقد
أيها الطين لست أسمى ولا أنقى من تراب تدوس أو تتوسد
هذه الوصايا هل يلتزم بها شعب فيهزم ؟ هل تلتزم بها أمة فتخذل ؟ اللهم اجعل القرءان ربيع قلوبنا, ونور أبصارنا وذهاب همنا وغمنا , وجلاء حزننا , أقول قول هذا و أستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
من عاداتنا السيئة والقبيحة و التي توارثناها من عصور قديمة , تمت إلى الجاهلية بالصلة , ولا تمت إلى الإسلام ,من هذه العادات السيئة , التشبث بالحكم والسلطة , والنظر للسلطة والحكم على أنه مغنم لي ولذريتي من بعدي , أو لأتباعي الذين معي , وبالتالي لا نسمح اختراق لهذه القلعة , التي هي السلطة أو الحكم , ولعل هذا هو الذي يعنيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-عندما قال في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم :"إنكم ستحرصون على الإمارة, وستكون ندامة يوم القيامة , فنعمة المرضعة وبئست الفاطمة", قد تتمتع بها أول الأمر, في البدايات , لكن نهاياتها قاسية, وصعبة , لأنك تعاملت معها كمغنم, ولم تتعامل معها كمسؤولية , وكمغرم , في عنقك حقوق العباد , وسأقرأ نصا صغيرا جدا ذكره ابن خلون -في مقدمته الشهيرة - , وابن خلدون كان قاضيا وفقيها ومؤرخا وعالم اجتماع ضخم , والبعض ضمه إلى دائرة الفلاسفة أيضا, يتكلم عن العرب وعن طباع العرب , فيقول:" وأيضا فهم متنافسون في الرياسة, وقل أن يسلم أحدهم الأمر لغيره , ولو كان أباه او أخاه , اسمع هذه الرواية العجيبة ابن خلدون , قال الأعرابي الوافد على عبد الملك ابن مروان-الخليفة الأموي, كان مقره في دمشق - قال الأعرابي لما سأله عن الحجاج , حيث كان الحجاج واليا لعبد الملك في العراق , فسأله عن الحجاج عن أوضاعه , فأراد الأعرابي الثناء عليه عنده بحسن السياسة و العمران, كيف أثنى عليه ؟ فقال يا أمير المؤمنين تركته يظلم وحده , لا منافس له في الظلم , تركته يظلم وحده , هل عرفتم الآن , لماذا لم يفكر أحد من المسئولين العرب في الاستقالة؟ أو في ترك منصبه ؟ ولو جلب على أهله الكوارث ,لا يفكر في الاستقالة أبدا , عادة قبيحة , وإذا فكر أحدهم في الاستقالة , أو استقال لا يستوعبه أحد بل ربما اعتقد أحدهم, أن هذا بطولة أو انتحار , كيف استقال ؟ هذه بطولة كبيرة جدا , أو أنه قد انتحر.
مسالة أخرى أيها الأعزاء, بعد أيام قليلة سندخل العشرة الأوائل من ذي الحجة , وهي كما جاء بالأحاديث الصحيحة من أفضل أيام السنة , بل ربما أفضل أيام السنة -كما جاء في بعض النصوص -يقول -صلى الله عليه وسلم- ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب الى الله من هذه الأيام العشر , قالوا يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله , قال ولا الجهاد في سبيل الله , إلا رجل خرج بنفسه وبماله فلم يرجع من ذلك بشيء , ومن الأعمال الصالحة تلاوة القرءان , العبادة , الدراسة, طلب العلم , إصلاح ذات البين , التصدق على البيوت المستورة , تحركوا أيها الإخوة , هذه المياه الراكدة التي نحن فيها لابد أن تتحرك , أصلحوا ذات بينكم, ارحموا الفقراء والمساكين والأيتام , هذه الأيام مباركة , وكما جاء في كثير كتب التفسير أنها هي الأيام العشر , التي أقسم الله بها في سورة العشر وَالْفَجْرِ , وَلَيَالٍ عَشْرٍ , واستحب كثير من العلماء بما ثبت لديهم من نصوص , أن من أراد أن يضحي ودخلت عليه هذه الأيام العشر استحبوا له ألا يأخذ من أظفاره أو من شعره شيئا , استحضارا لأعمال الحج , وكأنه يشارك إخوانه حج بيت الله , والإحرام , فلا يأخذ من شعره شيئا ولا من أظفاره .
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون