بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد:           

  أيها الإخوة:  هناك بيئات تكره الحق , و تصد عن سبيله , و ترفضه , و تحارب أهله , وتؤذيهم . ولكراهية الحق أسباب كثيرة , منها: الاستكبار , والجحود, والعرب كانت تعرف أن رسول الله صادق فيما يقول , و رغم ذلك ناوءوه العداء , لا لأنهم يعتقدون أنه يقول غير الصدق , بل بدافع الاستكبار والجحود {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ } , ويقول تعالى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْما و علواً }, جحدوا بها , مع أنهم موقنون بها , بآيات الله , وهناك أسباب أخرى منها الجمود , والتحجر في مواجهة الفكرة الجديدة {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } الجمود , التحجر , والناس بالمناسبة يحبون كل جديد , يحبون البيت الجديد , والثوب الجديد , والسيارة الجديدة , لكنهم يتوجسون خيفة من الفكرة الجديدة . الفكرة الجديدة تهزهم , لأن الإنسان بطبيعته , فيه ميل لاستصحاب ما كان على ما كان , لا يحب التجديد على مستوى الأفكار , والعادات , أو بتعبير القرءان : التغيير {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }, فإذا كانت الفكرة تتناول تغيير ما في النفس , و ما في العقل , يتوجس الناس منها خيفة , و من أسباب كراهية الحق أيضا: المصالح , والمكاسب , فالذي وطّن نفسه في بيئة معينة , يحقق منها المكاسب الذاتية , و يحفظ مصالحه,  فانه لا يحب التغيير مهما كان حقا {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ , قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ } , أصحاب مصالح , الآن : البيئة التي واجهها النبي -صلى الله عليه وسلم- بيئة قريش , كانت فيها هذه المواصفات , استكبار , و جحود , و مصالح , و مكاسب , و جمود , و تحجر على أفكار , وعلى عقائد ورثوها عن آباءهم , فكرهوا الحق الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم - وهذا الكلام أنا أقوله لتعرف الجهد الجبار الذي بذله النبي-صلى الله عليه وسلم- في إحداث التحول والتغيير في حياة أولئك الكارهين للحق , و كيف انتقل بهم هذه النقلة البعيدة , من وثنيين إلى موحدين , من همج إلى أساتذة للدنيا, ما هذا الجهد الجبار الذي بذله رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  في هذا التغيير ؟ , لتعرف أن الدعوة في الإسلام , هي الجهاد الحقيقي , و أن القتال الذي يطلق عليه الجهاد , هو فرع من فروع الجهاد , وليس الجهاد بالمعنى القرآني الواسع , إنما هو قتال , لكن الجهاد الحقيقي هو الدعوة إلى الإسلام , بمعنى ترسيخ عقائد الإسلام وشرائعه وأخلاقه في النفس والعقل , أن تتمكن هذه العقائد وهذه الشرائع و هذه الأخلاق في نفسك , {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}, فالجهاد هو الدعوة إلى الله , هذا هو الجهاد الحقيقي , و بهذا جاء القرءان الكريم {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } , أي بالقرءان {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ , وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } , والآية هنا مكية , و هي تتكلم عن الجهاد الدعوي , و أنا حزين لأني أعرف أنه في ظل التخبط والضوضاء التي نمر بها في مرحلتنا هذه , خفت صوت الدعوة, لصالح أصوات أخرى , أو خفت الخطاب الدعوي, لصالح خطاب آخر,  مناكف ,خطاب صراعي , خطاب انشقاقي , إلى آخره , {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } أي جاهدوا في إقامة الحق , جاهدوا في إحداث التغيير, جاهدوا في تغيير العقل والقلب , في تغيير الفكر والشعور , {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }, كما قلت , البيئة العربية آنذاك كرهت هذا الإسلام , كرهت هذا الحق , بسبب ما ذكرت من تحجر , و من استكبار, و جحود , و مصالح , وهي هي الأسباب التي تجعل فريقا من الناس , يقف أمام الحق في كل زمان ومكان . خذ مثلا هذه النماذج القرآنية , التي تصور كراهية قريش لدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكيف صمد النبي البطل في مواجهة هذه الكراهية البشعة , التي لا مثيل لها , إنه لا يطلب جاها , و لا يطلب علوا في الأرض , و لا فسادا , و لا يطلب منهم أجرا , ولا مالا , إنما يريد أن يرتفع بمستواهم المادي والأدبي , كيف واجهوه؟ اسمع هذه النماذج القرآنية {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ , وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } , هل تعتقد أن هناك بشرا يكرهون الحق إلى هذا المستوى؟ , {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } المنطق أن يقولوا فاهدنا إليه , لكنهم استهزئوا به أولا , ثم تكلموا بنبرة غبية , يظنون التحدي , في موضع آخر من كتاب الله يقول البيان القرآني {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } , { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } العبوسة و الكراهية و الموقف البشع , يسطون : أي يبطشون , تخيل يا أخي العزيز , النبي -صلى الله عليه وسلم -وهو يواجه هذه البيئة المدججة بالحقد وبالكراهية وبالتحدي للحق والحقيقة,  في سورة الزمر , يقول تعالى وهو يصف هذه الكراهية أيضا بالحق ,يقول {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ , قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } , أدب الإسلام , تخيلت {إِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } , في سورة فصلت , اسمع أيضا هذا التعبير القرآني عن هذا الموقف النفسي غير المبرر {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ, قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ } , كيف واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- هل تظنون أن الإسلام وصل لنا هكذا, بلا جهود ,وبلا تعب,و بلا كد ؟! كيف استطاع نبينا العظيم , في هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبيا , أن يحول هذا المجتمع , هذا هو الإصلاح ,هذا هو التغيير , نهج الأنبياء , لقد عرضوا عليه فيما عرضوا أن يكون ملكا عليهم , عرضوا عليه مالا , عرضوا عليه جاها , عرضوا عليه سلطة, لكنه يتحرك بوحي الله {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } , بكل الوسائل يتصدون للنبي -صلى الله عليه وسلم -أكثر من ذلك اقترحوا عليه اقتراحات غاية في الغباوة , اقتراحات هي شكل من أشكال التحدي , اسمع يا أخي {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً, أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً , أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً , أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً } , ما هذا؟ تخيلت! أنا أريد أن أضعك في الصورة التي واجهها النبي , حتى تعرف واجبك في التغيير , و تعرف واجبك في الدعوة , و أن الجهاد الحقيقي هو الدعوة إلى الله , وتغيير الأنفس , وتغيير العقول , وليس الجهاد هو فقط هذا المفهوم الذي رسخ في أذهان أبناءنا, فأهملنا التغيير , وأهملنا الإصلاح والدعوة. من مقترحاتهم الغبية أيضا يقول الله تعالى في سورة يونس {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ} , لماذا يبدل القرءان ؟ وهل القرءان من عند محمد ,حتى  يغيره أو يبدله ؟! ولماذا يغير ويبدل ؟ لم يتقدموا بحوار أو نقاش موضوعي لما سمعوه من هذا القرءان, {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي }, إن محمدا ليس لديه يد في القرءان , إنما يلقاه من الله من لدن حكيم عليم {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } , تخيل هذه البيئة , و تخيل حوار النبي , حتى تعرف هذا الجهد العبقري , هذا الجهد الجبار , الدعوة ليست خطبة , ولا درسا , الدعوة في الإسلام ليست شعارا , الدعوة ليست صيغا لفظية , الدعوة في الإسلام جهاد حقيقي لتمكين عقائد الإسلام , و شرائعه , و أخلاقه في قلوب الناس , وعقولهم , متى تتشكل أجهزة للدعوة داخل المجتمع ؟  لتعرّف الناس بربهم , وتعرف الناس بعقائدهم , لتمكن هذه العقائد من قلوب الناس , ومن عقائدهم, حتى نغادر هذه الصيغ الشكلية من التدين , التي أساءت للإسلام والمسلمين , تدين وفوضى , تدين وكذب , و تدين وكراهية , ما هذا؟  لابد أن تتشكل أجهزة حقيقية , مهمتها الجهاد الحقيقي المتمثل في الدعوة المتمثلة في تغيير الأنفس , والعقول , ولذلك لاحظ كيف أمر الله -سبحانه و تعالى- نبيه أن يواجه مثل هذا المنطق القبيح والأعوج  {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ , وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } , الدعوة للإسلام تقوم على الإقناع الحر , لا أثر للإكراه فيها, ولا أثر للعنف فيها, إنما هو خطاب مباشر واضح للعقل والقلب {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} , أي تكرههم على الإيمان ,  ثم ماذا ؟ من أساليب الدعوة الإسلامية التي يعلمها الله لنبيه {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } , في آل عمران في أول السورة وهو يجادل أهل الكتاب ويجادل المشركين {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ , فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} , اسمع بالله عليك هذا الكلام الجميل الرائع الرباني في سورة سبأ , اسمعه وانتبه جيدا حتى تعرف عظمة دينك , عظمة قرآنك , الذي احتفى بالعقل والعلاقات الإنسانية , واحتفى بالإنسان وكرمه , كيف كان يدعوا النبي في هذا الجو الملبد بالكراهية , المدجج بالحقد , كان يلفت أنظارهم إلى أدلة , هي بين أيديهم , ليست أدلة فلسفية ذهنية مجردة , في سورة سبأ  {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } , تخيل يا عزيزي الله يأمر نبيه أن يقول للمشركين تعالوا نتحاور حول هذه الحقائق , وحول هذه المسائل التي نراها , و إما نحن أو أنتم على هدى , أو في ضلال مبين  {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ , قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ , قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ , قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } , كيف يصل إلى نتائجه من خلال مقدمات هم لا ينكرونها , تعالوا نتناقش , اترك الإرهاب والعنف جانبا,  اترك السلاح جانبا , هذا هو منهج الحوار في الإسلام , في أول سورة الأحقاف كلام رائع جدا , وكلامي هذا كله لا قيمة له إذا انفتح قلبك وعقلك على القرءان , اترك ما سمعته مني, وانفتح على كتاب لله مباشرة , يقول تعالى في أول الأحقاف  {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ , قُلْ أَرَأَيْتُم(نقاش و حوار إثارة للعقل , إثارة للقلب , الإسلام يكره الخمول و يكره التعصب ) مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} , لا مجال للأسطورة والخرافة والدجل , لا مجال , علم وكتاب وأدلة , {اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في سورة الشورى اسمع هذا البيان الذي يأخذ بالألباب  {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } , وهكذا تتوالى هذه الآيات , ويزوده الله تعالى بالصبر , ويقول له  {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً } , {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ , فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ , وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} , هذا هو زادك في مواجهة التخلف والجمود والجنون أحيانا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً , فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً , وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً , وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } , اقرؤوا آخر سورة ق وآخر سورة الغاشية , آخر سورة ق { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } , الإسلام لا يسوق الناس بالعصا , وفي الغاشية {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ , لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} , آن لنا أيها الإخوة أن نقرأ ديننا قراءة قرآنية ونبوية , قراءة متعمقة, آن لنا أن نتجاوز التقليد والجمود والتعصب , أقول قولي هذا و أستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

فحياتنا مزدحمة بالأحداث , ولا يدري الإنسان من أين يبدأ؟ وأين ينتهي؟ لكننا سنبدأ من أمريكا , التي لا ينطبق عليها مثل أكثر من قول الله تعالى  {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } , الله -سبحانه وتعالى- حذرنا أيها الإخوة من موالاة الكافرين, مهما كان كلامهم حلوا , أو معسولا , والله يقول {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ }, المسلمون والعرب من عجزهم وضعفهم وتفرقهم,  يتحلى ريقهم لكبراء القوم من رؤساء الدول الكبرى , الرؤساء السابقين واللاحقين والحاليين , وهذا عجز وضعف في الوضع العربي والإسلامي ,   {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } , العجيب أيها الأعزاء , أن هذا العجز والضعف الذي نعيشه , يدفع البعض منا لأن يبحث عن حل مشكلته عند عدوه , وكما قال أبو الطيب المتنبي                         ومن نكد الدنيا على الحر أن                            يرى عدوا له ما من صداقته بد

 إن بريطانيا هي صانعة نكبتنا, والأمريكان هم الذين يمدون هذا الكيان بكل ما يحتاج , فكيف أصبح هؤلاء الناس محايدين أو نزيهين أو أو .. الى أخره , حتى نلقي بأنفسنا وقضايانا بين أيديهم, كيف؟ , كيف نلقي كما يقول المثل ببيضنا كله في سلتهم ؟ ثم نقلب أكفنا على ما أنفقنا فيها وهي خاوية على عروشها , تقول لي وما الحل ؟ هم بيدهم الحل والعقد , وبيدهم أمور الناس وأصبحنا نحن كقبيلة تيم التي يقول عنها الشاعر

ويقضى الأمر حين تغيب تيم                          ولا يستأمرون وهم شهود

 قبيلة ضعيفة , و إذا حضروا لا أحد يسألهم , أصبحنا هكذا , لكن هل نحن ضعفاء حقا -لمن يسأل ما هو الحل - ؟ , إن لدينا مقدرات مادية كثيرة ولدينا تاريخ عظيم جدا , وكنا أساتذة للحضارة العالمية, وكنا العالم الأول لمدة ألف سنة , نحن الذين فرطنا في أسباب قوتنا , وشروط انتصارنا , ونهضتنا , الحل يكمن في الاعتماد على الله أولا , ثم الاعتماد على أنفسنا , على وحدتنا وعلى شعوبنا , وعلى مقدراتنا وعلى خططنا , العرب والفلسطينيون والمسلمون , إياك أن تظن أن هذه العداوات الرهيبة لا تكمن وراءها أسباب دينية , كلا إن أسبابا دينية تكمن وراء هذه العداوات الرهيبة , والذي يخالف في ذلك , عليه أن يقرأ التاريخ , وعليه أن يقرأ الواقع جيدا , اقرأ واسمع تعبيرا إعلاميا شائعا يقول :" إن أمريكا تنحاز, انحيازا أعمى لإسرائيل " , غير صحيح , إن أمريكا تنحاز انحيازا مبصرا لإسرائيل , إنما انحيازنا نحن هو انحياز أعمى لأمريكا , ثم نقلب أكفنا على ما أنفقنا فيها وهي خاوية على عروشها هؤلاء لا يريدون لنا الخير , أنا اعرف أننا ضعفاء , وأننا عاجزون , وأننا متخلفون , والدليل قائم إننا أعجز من أن نحل مشكلة في وطن صغير , ومحتل أن ننهي خلافاتنا, فكيف سنكون مؤهلين لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر , وتحرير بيت المقدس , كيف أيها الناس ؟.                            

 

اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.