بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
أيها الإخوة المؤمنون : أعداء المسلمين لا يرحمونهم , فهل يرحم المسلمون بعضهم بعضا ؟ الملاحظ : أن المسلمين في معاملة بعضهم لبعض قساة ! , ولا يشعرون أو لا يعرفون أنهم ضحية قسوة الكبار!, نحن -أيها الأعزاء- ما نعيشه هو نتيجة لمؤامرات الكبار - أصحاب المصالح وأصحاب الأهداف الخاصة بهم - نحن ضحية قسوة العالم , ولذلك لابد أن نواجه هذه القسوة العالمية بالتراحم فيما بيننا , لكننا وكما ترون في أحيان كثيرة , كأننا المعنيون بقول الله تعالى {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ } , وهذه الآية نزلت في اليهود تصفهم , لكن واقعنا الذي نعيشه يجعلنا كأننا المعنيون بهذه الآية , وبقول الله تعالى أيضا {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} , الدم الإسلامي يلون وجه الأرض اليوم , الدم الذي يسيل ويغطي أجزاء كبيرة من العالم هو دم إسلامي, ولو أنك أحصيت إحصاء دقيقا الدماء التي أهدرت , بسبب نزاعات داخلية , وقارنت بينها وبين الدماء التي أهدرها أعداءنا التقليديون , ربما وجدت العدد متساويا , إن لم يكن عدد الأنفس التي أهدرت من جراء النزاعات الداخلية فائقا على العدد الآخر, لماذا أيها الإخوة ؟ ما هي الأسباب التي تكمن وراء هذه الصراعات الدموية , التي نراها ولا تخفى على أحد في أجزاء كثيرة من العالم العربي والإسلامي ؟ صراعات دموية ومواجهات وتفجيرات ودماء , إذا غلغلت النظر في الأسباب التي تكمن وراء ما يحدث , لا تجد إلا قضايا صغيرة , وأمورا تافهة , إذا قيست بأهداف الإسلام التي أناطها بعنقي وعنقك . إن الإسلام أرادنا أمة شاهدة , و أرادنا أمة صاحبة رسالة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ }, إنه ربطنا بأهداف عليا سامية , تتسامى على هذه الدنيا, تتسامى على أهداف مثل الوصول إلى السلطة , مثل التربع على كراسي الحكم , {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } , إن خالد ابن الوليد -رضي الله عنه- عندما عزله عمر عن القيادة تلقى الأمر بصدر واسع , ولم يفكر في رفض الأمر, ولم يفكر في انقلاب على عمر , ولم يفكر في أن يتخذ أي موقف سلبي , لماذا ؟ لأن المفاهيم عند خالد غير المفاهيم عندنا, إنه يعمل لله , يعمل لله قائدا , ويعمل لله جنديا , ولقد كان هو القائد الذي لم يهزم في معركة قط , لقد كان سيف الله المسلول , وعندما جاءه أمر عمر بعزله تلقاه بصدر رحب , ولم يفكر لا في تمرد , ولا في انقلاب , لماذا ؟ لأن الرجل يعرف وظيفته.
على مدار التاريخ - أيها الإخوة- كانت انتصاراتنا الكبرى مرهونة بتماسك جبهاتنا الداخلية , كلما تماسكت جبهتنا الداخلية وتساندت , وتوحدت صفوفها , حققنا الانتصارات الرائعة والعظيمة على الجبهات الخارجية , و دوما كانت الجفوات والفجوات فيما بيننا, وكانت الصراعات الداخلية فيما بيننا , دوما كانت هي الثغرة التي يتسلل منها العدو , هي الفراغ الذي يتحرك فيه أعداؤنا , و اقرأ تجربة الغزو المغولي , و اقرأ تجربة الغزو الصليبي , و اقرأ تجربة الغزو الأوروبي الحديث , وما نعانيه نحن الآن , عندما تتوحد جبهتنا وتتراص صفوفنا الداخلية , نغيض عدونا , وعندما ننقسم ونتراشق بالسلاح والألفاظ القاسية , هذا ما يسر عدونا , و أعتقد كما تعتقدون أنتم : أننا نحن الفلسطينيين الآن في حال لا تسر صديقا ولا تغيض عدوا , إننا منقسمون على أنفسنا , -و كما قلت - الصراعات الدموية الواقعة , أو المتوقعة , هي المهيمنة على كثير من بقاع العالم العربي والإسلامي , وكأننا نسينا وظيفتنا, ونسينا مهمتنا ,ونسينا أعداءنا, كثيرا ما أسأل نفسي , هذا السؤال: هل المتنازعون يفكرون في خطط عدوهم , أو عدونا الرئيسي ؟ كما يفكر بعضهم في بعض, أو كما ينشغل بعضهم في بعض , كلما تماسكت جبهتنا الداخلية انتصرنا , إن انتصارنا و إن تحريرنا وإن استقلالنا و إن نيلنا لحقوقنا مرهون -أيها الأعزاء- بتماسك جبهتنا الداخلية.
في حروب المسلمين مع الروم , أرسل ملك الروم جاسوسا يتجسس على المسلمين , لينقل أخبارهم إليه , فجاس هذا الجاسوس خلال المسلمين ثم عاد إلى ملك الروم , قال له: كيف وجدت المسلمين ؟ قال له : "وجدتهم رهبانا بالليل , فرسانا بالنهار " في الليل يركعون ويسجدون ويصلون ويتلون القرءان ويتوجهون إلى الله بالدعاء , يستغفرونه ويتوبون إليه , وفي النار يجالدون أعداءهم , هذه واحدة , ثم قال له :" ووجدتهم لو سرق ابن ملكهم لقطعوه" إذا هم جمعوا بين العبادة والتضحية والجهاد , وأقاموا مجتمعهم على قواعد من المساواة , لا محاباة , ولا محسوبيات , قال الملك -عندما سمع هذا الكلام - :" لان صدقت ليملكن موضع قدمي هاتين " , وفي مواجهة المسلمين مع الفرس علق القائد الفارسي على الجيش الإسلامي تعليقا ذا بال , تعليقا مهما , نظر إلى المسلمين , والى النظام الذي يحكمهم , والى العلاقات المحكمة فيما بين القيادة والجيش , فقال - عبارة لا تخفى دلالتها على متأمل – قال:" لقد أكل عمر كبدي , علم الأعراب الأجلاف النظام " , عندما تكون الجبهة جبهة عبادة , و جهاد , و تضحية , ونظام ,و وحدة , إنها تحقق الانتصار الكبير, وعندما تقوم على الفوضى , فإنها لا تكيد عدوا , و لا تحقق نصرا . قبل نشوب موقعة اليرموك نظر أحد المسلمين إلى جيش الروم , فوجده زهاء ربع مليون- مائتين وأربعين ألف مقاتل -ثم نظر إلى الجيش الإسلامي -الذي ينتمي إليه - فوجده ستة وثلاثين ألف مقاتل , فقال لخالد - القائد الأعلى للجيش - قال له:" ما أقل المسلمين , و ما أكثر الروم؟" فقال له خالد :" لا تقل هكذا, بل قل: ما أكثر المسلمين ,و ما أقل الروم , إنما تكثر الجنود بالنصر ,و تقل بالخذلان " , وهذا استبطان للقرآن , لحقائق الإيمان , لقوله تعالى {إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ } , و فيه إشارة إلى قوله تعالى -وهو يخاطب أولي الألباب , أصحاب العقول غير العادية - ولقد من قبل , إن الحديث عن أولي الألباب في القرآن تكرر ست عشرة مرة , هناك قضايا , وهناك حقائق لابد من إعمال العقل فيها , و إنها تحتاج إلى عقل غير عادي , على كل حال , والمسلمون ينبغي أن يكونوا في القمة في التفكير العقلي , ولذلك كان في قول خالد إشارة إلى قوله تعالى {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } , العبرة في الإسلام بالكيف -أيها الإخوة -لا بالكم , إن القلة المنظمة -هكذا أكد التاريخ , تجارب التاريخ الإنساني والواقع أيضا - , إن القلة المنظمة تغلب الكثرة الفوضوية , إن الله تعالى عندما تكلم عن ملامح الجبهة الداخلية , أو المجتمع الإسلامي الذي وعده بالنصر , رسم له ملامح معلومة , يعرفها كل من يقرأ القرآن الكريم , اقرأ مثلا في سورة التوبة -والله يتكلم عن خلاصة المجاهدين - , ومن خلال الحديث عنهم, يتكلم عن طبيعة الجبهة الداخلية ما الذي يشغلها؟ كيف هي؟ {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } , لكن ما طبيعة هذا المجتمع الذي تمثله هذه الفئة المناضلة , والمجاهدة , والتي تقاتل , فتَقتل وتُقتل , وعدها الله بالفوز العظيم {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } , هذا جزء من ملامح هذا المجتمع الذي وعده الله بالنصر , اقرأ مقطعا آخر في سورة المائدة {يأبها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }, وهذا لا يتحقق إلا في ظل مستوى رفيع من العبادة والاستقامة , يحبهم ويحبونه طبيعة العلاقات فيما بين أبناء هذا المجتمع {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ , إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ , وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ }, انظر في سورة الحشر والقرآن يتكلم أيضا عن خصائص المجتمع الإسلامي , الإسلام أيها الإخوة هبة عظيمة , الإسلام لابد أن نقدر قدره, ليس كلمة تقال, وليس شعارا يتردد , انظر ماذا يقول القرآن عن خصائص هذا المجتمع المحترم الجدير بالانتصار؟ يتكلم عن المهاجرين {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } , ثم يتحدث عن الأنصار شريحة أخرى من المجتمع {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } , ثم يتحدث عن الأجيال القادمة , التابعين الذين يتبعون هؤلاء الناس , الذي تحدث القرآن عنهم {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } , أرأيتم أيها الإخوة , هل فهمتم هذه الدلالة ؟ {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا } , كيف سينتصر مجتمع يحمل أفراده الغل في قلوبهم على بعضهم البعض ؟ , هل يعقل هذا ؟ هذه رؤية القرآن للمجتمع أو للجبهة الداخلية الجديرة بالانتصار , الحقيقة -أيها الأعزاء- أن مشكلة المسلمين في التاريخ , والواقع مشكلة داخلية ,أكثر مما هي خارجية , و اسمع قول الله تعالى {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } , و الصبر والتقوى معناه تماسك الجبهة الداخلية , تماسك المجتمع من داخله, والنبي -صلى الله عليه وسلم- دوما كان يحذرنا من النزاعات غير الموضوعية , التي قد تسوقنا إلى صراع دموي, يقول -صلى الله عليه وسلم -فيما أخرجه الإمام مسلم في حديثه :"إن الله زوى لي الأرض, فرأيت مشارقها ومغاربها ,( وهذه معجزة للنبي صلى الله عليه و سلم و أنه أنبأ أن دينه سوف ينتشر في المشرق و المغرب , ربما أكثر مما هو بين الشمال و الجنوب ) وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها , وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض (في إشارة إلى الثروات والمقدرات المادية التي تملكها الأمة) و إني سألت ربي, ألا يهلك أمتي بسنة بعامة (أي بقحط أو أزمة اقتصادية ) وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم, فيستبيح بيضتهم, و إن ربي قال :" يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد , وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكم بسنة عامة (ألا تهلك هذه الأمة جوعا , أو بحاجة اقتصادية ) وألا أسلط عليهم , عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم , ولو اجتمع عليهم من بأقطارها( لا يستطيع احد إبادتهم ) حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا" " فالمشكلة إذا داخلية -أيها الإخوة - ,لابد أن نصلح هذا الداخل , لابد أن نصلح هذه الجبهة , إياكم أن يظن أحد أن هذا قدر لا مفر منه , إن النبي- صلى الله عليه وسلم- يحذرنا من هذا الانحراف الذي يدفعنا إلى أن يقاتل بعضنا بعض في داخلنا الإسلامي , لا يخبرنا عن قدر أن الأمة سوف تهلك بهذا الأسلوب , لكن النبي أعطى ضمانة أنها لن تهلك بعدوان خارجي , و لو اجتمع عليها من بأقطارها , إن عدونا -أيها الإخوة- اتخذ قراره بذبحنا , و نحن كمن حكم عليه بالإعدام , لكنه ينتظر تنفيذ الحكم , والعدو ينتظر الوقت المناسب , ماذا يفعل المحكومون بالإعدام , وهم ينتظرون الحكم بالموت ؟! ماذا يفعلون؟ يضحكون !!.. يلهون!!.. يتقاتلون!!.. يتخاصمون!!.. تشغلهم القضايا التافهة , والأمور الصغيرة !!.. , إن المسلمين عليهم أن يفكروا في مستقبلهم, يجب أن يخجل كل من يثير العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع, يجب أن يخجل كل من يعرف أن موقفه يسوق أبناء أمته وأبناء مجتمعه نحو هذا المصير الأسود , الذي نتوجه إلى الله -سبحانه و تعالى -أن يحمينا ويحفظنا ووطننا وأهلنا والمسلمين جميعا منه , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم .
الخطبة الثانية
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
إن تجربة الأندلس -أيها الإخوة - ينبغي أن تكون ماثلة, لكن هناك تجارب كثيرة ربما تجربة الأندلس أكثر هذه التجارب وضوحا , كيف دخل المسلمون إلى الأندلس ؟ وكيف أخرجوا منها؟ دخلوها خلائف , وخرجوا منها طوائف , كانت الأندلس مركز إشعاع علمي وثقافي ومعرفي للعالم كله , حتى إذا استحكمت الشهوات والنزاعات والفرقة , وتسربت الرغبة المجنونة لحكم التفرد بالسلطة , إلى قلوب أمراءها تفرقوا أي بسبب , وانتشرت الأهواء والشهوات , وأترف الحكام, وأصبحوا يتعاون أحدهم مع الأجنبي , على أخيه المسلم , وكل ذلك تمسكا بما يسمى السلطة , أو النفوذ وكرسي الحكم , سألني أحدهم , قال لي -من الأقوال المأثورة للصوفية - يقولون : إن آخر ما يخرج من قلوب الصالحين حب الرياسة " قلت نعم , هذا كلام حقيقي, قال إذا كان هذا آخر ما يخرج من قلوب الصالحين , فكيف بقلوب الطالحين؟! سلطة , حكم , نفوذ, شيء رهيب جدا, فدفع المسلمون في الأندلس ثمن ذلك , و راج الكذب في تلك الفترة , و أنا أعتقد أنه في كل فترات التخلف والإنحطاط التي يروج فيها التملك والنفاق , يكون الكذب في الخطاب والإعلام والدعاية هو سيد الموقف -كما يقولون - وكان هناك مجموعة من الشعراء , كبعض الصحافيين وبعض الإعلاميين في عصرنا هذا , والقنوات الفضائية , وغير ذلك , يعني مجموعة حمالي الحطب , النافخين في النار , و كان هناك صراع حول الألقاب في الأندلس , وبعض الشعراء الماجنين كانوا يتملقون وينافقون لهؤلاء الحكام المهزومين , يقول أحدهم -وهو يتحدث عن كيف أن الحمام يمتدح هذا الأمير أو هذا الملك- قال :
إن الحمام بأيثها تشدو هل قد علم أو قد عهد أو كان كالمعتصم والمعتضد ملكان
وهذا مما دفع شاعرا حكيما بصيرا بأقدار الرجال يقول:
مما يزهدني في أرض أندلس ألقاب معتصم فيها ومعتضد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا كصولة الأسد
ما قيمة الألقاب والمواكب والهيئات , وطنك محتل والسكين على عنقك , إن قوتك لا تقاس بمدى قوتك على أخيك , إن قوتك تقاس بمدى مواجهتك على عدوك , بمدى دفاعك على أبناء وطنك , أنت قوي إذا دافعت عن وطنك وأبناء شعبك , أنت ضعيف إذا استقويت على أبناء وطنك وشعبك , ما قيمة الألقاب ؟ هذا معتصم وهذا معتضد , وهذا , وهذا ... والأندلس كلها ضاعت , وكما تعرفون غرض أدبي أو من أغراض الشعر الأدبي , اسمه رثاء المدن في الأندلس رثائيات كثيرة:
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف كما بكى لفراق الألف هيمان
على ديار من الإسلام خالية قد أكفرت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان
أعندكم نبأ من أهل أندلس فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
ما هذا التقاطع في الإسلام بينكم و أنتموا يا عباد الله إخوان
ألا نفوس أبيات لها همم أما على الخير أنصار وأعوان
لا خيار أمامنا أيها الإخوة إلا أن نبحث عن وسائل الوحدة والتماسك, حتى نتمكن من مواجهة من يريد قتلنا وذبحنا وضياع حقوقنا.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.