بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد:
لقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر يرى حفيده الحسين يعثر في أثوابه , فينزل من على المنبر فيحتضنه , لأن الرفق كان خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان ربما صلى وهو يحمل حفيدته - بنت زينب , رضوان الله عليها - فإذا ركع أو سجد وضعها , وإذا رفع رأسه حملها ثانية - صلى الله عليه وسلم- . كان رفيقا في أمره كله - صلى الله عليه وسلم - في قوله , و في فعله , كان رفيقا بالأطفال , كان رفيقا بالنساء , كان رفيقا بالخدم , وكما مّر معنا الحديث الذي يقول فيه - صلوات الله وسلامه عليه - :" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فأرفق به , ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فأشقق عليه" , فهو رفيق بأمته في حياته وبعد مماته - صلوات الله وسلامه عليه - والرفق -كما ذكرنا من قبل - سمة أساسية من سمات الإسلام, وهو يصل الى أهدافه , ويحل مشكلاته عن طريق الرفق , أما العنف والغلظة والجفوة والجلافة والخشونة , فهي ليست من خصائص الإسلام , ربما يحتج بعضهم بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} , ربما يحتج البعض بمثل هذه الآيات على أن العنف و أن الغلظة أسلوب معتمد في الإسلام , هذه الآيات تتحدث عن مواجهة المنافقين , أو الكافرين , بعد استنفاذ جميع الأساليب , فهي من باب
والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم
فبعد أن تستنفذ أساليب اللين والملاطفة والرفق , ولم يبق إلا مركب الأسنة , اذا أنت هنا مضطر لركوب الصعب - كما يقولون- لكننا نتحدث عن الأصل في الإسلام , وهو اللين والرفق , وأن تصل إلى أهدافك عن طريق الملاطفة واللين , ولذلك القرآن الكريم حذر من نتائج الغلظة والفظاظة , في قوله تعالى -وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم- {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} , وأكد على أن الرفق ولين الجانب , ولين القول , ولين الأسلوب والسلوك , يزيد الأمر جمالا وبهاء, وأن غياب الرفق وحلول العنف والغلظة والخشونة , إنما يزيد الأمر قبحا وبشاعة , وهذا هو معنى حديث سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" ما كان الرفق في شيء إلا ما زانه, وما نزع الرفق من شيء إلا شانه" أي جعله قبيحا بشعا , فينبغي أن نتواصى فيما بيننا بالرفق , في الأسرة , وفي كل دوائر هذه الحياة , الرفق بين الحاكم والمحكوم, والرفق بين أفراد الأسرة , وفي كل دوائر المجتمع , وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في سفره مثلا , عندما ينشد الحُداء يقول لهم:" رفقا بالقوارير" لأن الحُداء يدفع الإبل الى السرعة في سيرها , ربما أثّر هذا على النسوة اللاتي على ظهور الإبل, فيقول- صلوات الله وسلامه عليه - :"يا أنجشة , رفقا بالقوارير" , وعندما نعد إلى القرآن الكريم لنتأمل خطاب الأنبياء, خطاب حملة الرسالات , خطاب دعاة التغيير الاجتماعي , نجد أن كل حملة الرسالات , أن الأنبياء , أن دعاة التغيير الاجتماعي – كما ألمحت - , يعتمدون الرفق وسيلة , وأسلوبا , لأن العنف ينفر الآخرين من دين الله , يصدهم عن دين الله تعالى, خذ مثلا هذه النماذج , وبالمناسبة القرآن الكريم زاخر بهذه المواقف , والأمثال , والقصص , والأدلة التي تثبت أن الرفق وسيلة الإسلام في الوصول الى أهدافه, وأن الأمر كما قال نبينا -صلى الله عليه وسلم - :" إن الله يعطي على الرفق , ما لا يعطي على العنف " , أي أنك تستطيع أن تصل إلى نتائج ايجابية ومثمرة ونتائج جيدة بانتهاج نهج الرفق, في حين أن العنف لا يقودك إلا إلى السيئ من النتائج . اسمع مثلا ما يقصه القرآن الكريم , وما يحدثنا به في قصص بعض الأنبياء {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } , ماذا في هذه الدعوة ؟ إنه يدعوهم إلى عبادة الله وحده , ولاحظ إنه بدأ بالرفق, قال يا قوم إنه يذكرهم بالصلة بينه وبينهم, لسنا في حالة من القطيعة {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ , قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} , إذا تأملت القرآن -يا أخي -وجدت أن الذين يمارسون العنف هم قوى متجبرة , تريد الاستفراد , تريد الحفاظ على مصالحها , تريد هذه القوى أن تحكم الناس بغير إرادتهم, هذا نبي الله يدعوكم إلى التوحيد{ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ , قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} وهنا الملأ الأشراف , السادة, أصحاب المصالح , وماذا رد عليهم نبي الله ؟ ماذا رد عليهم صاحب الرسالة ؟ هل قال لهم انتم السفهاء ؟ ربما قلت أنا وأنتم هذا اقل ما يجب , لم يقل ذلك!! { قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ }, نفى السفاهة عن نفسه فقط , أرأيت {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ , أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } , حملة الرسالة , أمناء على الرسالة, أما هذا الذي يخاطب الناس بالعنف والخشونة والغلظة , كأن رسالته لا تهم , خذ مثالا آخر , شعيب الذي يذكر المفسرون أنه كان خطيب الأنبياء {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ , وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } , ذكرهم بنعم الله , وحثهم على دراسة التاريخ , وعلى مراجعة الأيام والأحداث, إلى أن ذكرهم بنعم الله تعالى , فماذا كان الرد من هؤلاء المستكبرين ؟ {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } , هذا ما ألمحت إليه أيضا بأن القوى المتجبرة المتكبرة , لا تملك إلا العنف والتلويح بالعنف , في مواجهة الحقائق , { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }, حذرهم , ماذا كان الجواب؟ لم يناقشوا موضوعيا ما طرح عليهم , هل ناقشوا فكرة الوحدانية ؟ هل ناقشوا ما ذكرهم به , من ضرورة الإيفاء بالكيل والميزان ؟ هل ناقشوه في دعواه ضدهم- أنهم يصدون عن سبيل الله- ؟ لا , لم يناقشوا ذلك كله , وإنما توجهوا إلى التهديد فورا {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} , انظر إلى منهج الرفق واللين {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } , هذا منطق الأنبياء في مواجهة العتاة والطغاة , انظر إلى ذلك الحديث الطلي , الحلو الهين اللين , في سورة مريم , على لسان إبراهيم وهو يحاور أباه {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً , إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً , يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } , هل لاحظت يا أخي قول إبراهيم {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } ؟ ما معنى هذا الكلام ؟ معناه يا أبت إنك جاهل , لكن هناك فرق , أن يواجه أباه بمثل هذه العبارة الفظة الغليظة , وبين أن يصوغ هذه العبارة , أليس هذا لينا في الحديث , ورفقا؟ أليس هذا حرصا على إيصال الرسالة ؟ أليس هذا حرصا على أن يكون منطق إبراهيم هينا لينا سهلا قريبا من القلوب والعقول ؟ {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً , يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً, يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً } , أمام هذا الخطاب الحنون اللين , ماذا أجاب ممثل القوى المتجبرة المتغطرسة ؟ ماذا قال؟ , {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً, قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً , وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً } .
وفي سيرة سيد الخلق نماذج ومواقف وأحداث , اقرؤوا السيرة أيها الإخوة, اقرؤوا سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم -اقرؤوا القرآن الكريم , والله إني أسمع عرضا للإسلام أحيانا ويصيبني من جراءه القلق , أقول تكاد صبغة الإسلام الدينية تختفي , كأن الإسلام مجرد نظام , أو فكرة, أو مذهب , أما الإسلام بعقائده وشرائعه وعباداته , الإسلام بأسسه الأخلاقية والإيمانية , الإسلام الذي جاء ليحيي في قلوب الناس الخوف من الله , والرجاء فيه , و الشوق إليه , والأنس به ,أين هو؟ ليس الإسلام حزبا , وليس مجرد حكومة , لا! , الإسلام: القلب والعقل لله , الخوف من الله, الرجاء في الله, الأنس بالله , الشوق إليه , التوكل , اليقين, كل هذه المعاني الإيمانية , أنا قلق وأخشى على الصبغة الدينية للإسلام , وأن يتحول الإسلام في ظل هذه الصراعات المادية الى مجرد مذهب , وفكرة , ونظام , تريد أن تصل إلى سدة الحكم وانتهى كل شيء , لا! , انظر إلي هذه القصة التي روتها كتب السيرة , هناك رجل يقال له- ثمامة ابن أثاد - وهذا كان سيد اليمامة- رئيس بني حنيفة -وكان عدوا للإسلام , وحارب الدعوة الإسلامية , ووقف في طريقها, وقتل بعض الصحابة , وحاول قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنه لم ينجح, و مر وهو في طريقه الى العمرة, اعترضه سرية من سرايا المسلمين فاعتقلته -قبضت عليه - , وربطته في سارية من سواري المسجد , فعلم بذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- فذهب إلى أهله , وقال لهم اجمعوا ما عندكم من طعام , فجمع طعام أهل بيته كله, وذهب به الى ثمامة , لأنه سيد قومه -رئيس اليمامة- وهو الذي حاول اغتيال النبي -صلى الله عليه وسلم -ثم أمر بناقته أن تحلب في الصباح والمساء , ويبعث اللبن إلى ثمامة , الى هذا الأسير المشرك الذي كان يفكر في اغتيال النبي , وفعلا قد قتل بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- ثم جاءه النبي , وقال له:" يا ثمامة ما عندك؟" وبدأ يعرض عليه الإسلام , فقال له ثمامة:" يا محمد عندي كل خير , إن تقتل تقتل ذا ذنب , وإن تنعم تنعم على شاكر, وإن تطلب مالا تعطى " , اختر, أما أنا فلن أختار الإسلام فأمامك , إما أن تقتلني, وإما أن تنعم علي , وإما أن تأخذ فدية, إن تقتل تقتل ذا ذنب , أي إن قتلتني فلقد قتلت منكم من قبل , وإن تنعم تنعم على شاكر, لن أنسى لك صنيعك هذا , وإن تسأل المال تعطى , فتركه النبي يومين,ثم عاد له في اليوم الثالث , قال :" يا ثمامة , ما عندك ؟" هل فكرت فيما قلت لك ؟ قال:" يا محمد عندي كلي خير , إن تقتل تقتل ذا ذنب , وإن تنعم تنعم على شاكر, و إن تطلب مالا تعطى" فنظر النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى من حوله فقال :" أطلقوا ثمامة " , فأطلقوه , فذهب الرجل حتى إذا بلغ أطراف المدينة , رأى ماء, وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في مخايل ثمامة , أنه قابل للإيمان, فعامله بهذه الرقة المتناهية , فرأى ماء فاغتسل , وتطهر , ثم عاد إلى المسجد , وقال :" أشهد أن لا إله إلا الله , وأن محمدا رسول الله" , بحريته وهذا معنى ما نردده دائما , أن الإسلام دين إقناع دين يقوم على طرح عقيدته , يقوم على الإقناع الحر, أشهد أن لا اله إلا الله , وأن محمد رسول الله, ثم ذهب إلى النبي وقال:" يا محمد والله ما كان وجه على الأرض, هو أبغض إلي من وجهك , و والله ما وجه على الأرض اليوم , هو أحب إلي من وجهك, يا محمد والله ما كان دين على الأرض هو أبغض إلي من دينك, واليوم والله ما من دين على الأرض هو أحب إلي من دينك , يا محمد والله ما من بلد كانت أبغض إلي من بلدك , وما من بلد اليوم هي أحب إلي من بلدك " هذا التحول الذي حدث في نفس ثمامة , من ماذا أيها الإخوة؟ لابد أن يسكن الإخلاص قلوبنا , ولابد أن يتسم أداءنا بالرفق , ونحن نتعامل فيما بيننا .
خرج عمر بن الخطاب -وهو واضعا يديه في أذنيه- ويقول :" يا لبيكاه, يا لبيكاه , يا لبيكاه" , فلما سأله الناس , قالوا ما بك؟ قال:" لقد جاءه بريد عن بعض أمراءه , أنه أمر رجلا أن يكتشف غور النهر -اعترضه النهر , وهو في الجهاد في سبيل الله, ويريدون أن يتجاوزوه , لكنهم لا يعرفون عمق هذا النهر, فأمر الأمير رجلا شيخا كبيرا في السن أن يجتاز هذا النهر , ليرى عمقه , فاعترض الرجل بالبرد, لكن الأمير أكرهه على ذلك , فدخل الرجل في البرد في النهر , وعندما أحس بدنو أجله أخذ يصيح يا عمراه يا عمراه , يصيح بالحاكم, لكن الرجل مات من البرد, فبلغ ذلك عمر بن الخطاب , فأخذ عمر يصرخ ويقول: يا لبيكاه يا لبيكاه, لهذا المواطن المسكين الذي لا يعرف عمر اسمه , ولا يعرف عمر من هو؟ - وأرسل للأمير , ولما جاءه أعرض عنه أياما , هكذا كان يفعل مع الأمراء المخطئين , أعرض عنه عمر أياما, ثم قال له حدثني , ماذا حصل ؟ قال يا أمير المؤمنين , اعترضنا نهر , وأحببنا أن نعرف غوره , ولقد فتحنا كذا وكذا وكذا , وفعلنا كذا وكذا , يريد أن يفرح عمر بالفتوح, بالتوسع , فقال عمر:" والله لرجل مسلم واحد , أحب إلي مما حوت فارس والروم , والله مسلم واحد أحب إلي من كل ما فعلت , اخرج فلا أراك , واذهب إلى أهله , فأعطهم ديته" كان رفق بالرعية , رفق بالمدعوين , يرفق الناس بعضهم في بعض , يا ليتنا أيها الإخوة تستقر وتستكن هذه الأخلاق في ضمائرنا , والحديث يطول أيها الأعزاء أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فحديثي أيها الإخوة مع السجانين , والى السجانين على وجه الأرض , إلى كل من يحرم إنسانا حريته , إلى كل من يعذب الإنسان الذي كرمه الله , نحن أيها الإخوة , أبناء حضارة إسلامية, يقول نبيها- صلى الله عليه وسلم -:" دخلت امرأة النار في هرة, فربطتها (وفي رواية سجنتها), فلا هي أطعمتها إذ حبستها , ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض", هذا ديننا , هذه حضارتنا , هذا هو نبينا , هذه هي كرامة الإنسان في ثقافتنا الإسلامية , وفي تراثنا الإسلامي المقدس , هرة إذا حبستها, وتجاوزت القانون معها , انك تدخل النار , دخلت امرأة النار في هرة حبستها , فماذا يفعل السجانون الذين يغطون وجه الأرض بالمظلومين والمقهورين ؟ هذا لا يعرف أين , وهذا يخرج بلا استجواب وبلا سؤال ولا جواب , وهذا يخرج مريضا , وهذا يخرج ثم يموت , وهذا يخرج وآثار التعذيب على بدنه, ليسمع الذين يتهمون الإسلام بالعنف والإرهاب , ربما كان لهم العذر , من تجارب جلبت علينا مثل هذا اللغو , مكنت أعداءنا من أن يبسطوا ألسنتهم فينا وفي ديننا, ربما , لكننا نقول أن إسلامنا, إن نبينا , إن حضارتنا الإسلامية بريئة من ذلك , معي كتاب الخراج , لأبي يوسف -أشهر تلاميذ أبي حنيفة - , وهذا الكتاب كتبه أبو يوسف -رحمه الله- لهارون الرشيد -الخليفة الشهير , والذي كان يلقب بكبير ملوك الأرض آنذاك- , وكتبه لهارون في السياسة المالية , لكنه لم يقف عند هذا الموضوع , وإنما توسع في موضوعات أخرى لها علاقة بحقوق الإنسان , وبحقوق المواطن المسلم, وتكلم عن حقوق السجناء , وقبل أن أتكلم عن هذا الموضوع مباشرة , أقرأ بعض فقرات من مقدمته , وهو يخاطب هارون الرشيد, ويذكره بمهمته ومسؤوليته , فيقول له :" أقم الحق فيما ولاك الله , وقلدك , ولو ساعة من نهار , فإن أسعد الرعاة عند الله يوم القيامة راع سعدت به رعيته , وكن من خشية الله على حذر , واجعل الناس عندك في أمر الله سواء , القريب والبعيد , ولا تخف في الله لومة لائم " , العلماء ليسوا موظفين عند الحكام , ولو كانوا خلفاء , لو كان الحاكم خليفة , فالعالم ليس موظفا عنده , العلماء الذين يسيرون في ركاب السلطان, إنهم يرتكبون جريمة في حق العلم , وفي حق الثقافة الإسلامية ," احذر أن تضيع رعيتك , فيستوفي ربها حقها منك , ويضيعك بما أضعت , وإنما يدعم البنيان قبل أن ينهدم, وإنما لك من عملك ما عملت فيمن ولاك الله أمره , وعليك ما ضيعت منه , فلا تنسى القيام بأمر ما ولاك الله أمره , فلست تنسى , ولا تغفل عنهم عما يصلحهم , فليس يغفل عنك "ويقول كلاما في غاية الأهمية في المقدمة, لكنني أريد أن انتقل فورا إلى موضوع السجناء , وكيف يتناولهم أبو يوسف -هذا الفقيه العظيم الذي هو أشهر تلاميذ أبي حنيفة ,والذي عاش في عصر الخليفة هارون الرشيد- بلغه أن هناك تجاوزات في سجون هارون الرشيد ’ فلم يسكت هذا العالم, ماذا قال ؟ يقارن بين الأسرى عند المشركين , والأسرى في سجون المسلمين , هو الذي يقارن -أبو يوسف - فيقول :" والأسير من أسرى المشركين , لابد أن يطعم ويحسن إليه , حتى يحكم فيه , فكيف برجل مسلم قد أخطأ أو أذنب ", إذا كان المشرك نحن نحسن إليه , ونعطيه حقوقه , فكيف برجل مسلم قد أخطا أو أذنب , لاحظ معي أن أبا يوسف يتكلم عن السجناء الجنائيين -بالمعنى الاصطلاحي أو بالمدنيين- ليس هناك سجناء سياسة بالمناسبة, ليس هناك سجين إبداء رأي , إبداء الري في الإسلام , ولو كان سب الخليفة نفسه , لا يعتبر جريمة , اتصل أحد الولاة بعمر بن عبد العزيز , قال له :" إن فلانا يسبك من الخوارج - وكانوا يمثلون معارضة سياسية - إن فلان يسبك" فقال عمر :" وماذا تريد أن تفعل معه؟" قال :إني أريد أن أقتله – و أن أصفيه بالتعبير المعاصر - أن اقتله " , هل تعلمون ماذا أجاب عمر بن عبد العزيز؟! قال له:" والله لإن قتلته , لأقتلنك , فلا يقتل أحد بسب أحد, إلا من سب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-" , إبداء الرأي في الإسلام لا يعتبر جريمة أبدا , إذا كان هناك خروج مسلح على النظام العام , هذا له حكم آخر, "والأسير من أسرى المشركين, لابد أن يطعم ويحسن إليه حتى يحكم فيه , فكيف برجل مسلم قد أخطأ أو أذنب يترك يموت جوعا ؟!" , ثم يقول وحدثنا بعض أشياخنا عن فلان ابن فلان, كتب إلينا عمر بن عبد العزيز , (عمر يكتب إلى ولاته , إلى رؤساء السلطة , وأجهزة الشرطة يوصيهم كيف يتعاملون مع المواطنين) قال كتب إلينا عمر بن عبد العزيز :
"لا تدعن في سجونكم أحد من المسلمين في وثاق , لا يستطيع أن يصلي قائما, ولا تبيتّن في قيد إلا رجلا مطلوبا بدم -إلا القتلة - , وأجروا عليهم ما يصلحهم من الصدقة , ما يصلحهم في طعامهم و أدمهم , والسلام" ثم يقول أبو يوسف لهارون:" فمر بالتقدير لهم ما يقوتهم في طعامهم وأدمهم , وصير ذلك دراهم تجري عليهم في كل شهر, يدفع ذلك إليهم, فانك إن أجريت عليهم الخبز, ذهب به ولاة السجن والجلاوزة -أي رجال الشرطة يسرقوا الطعام- ثم يقول:" -وكان هذا للاسف الشديد , تجاوز كبير كان شرطة هارون الرشيد يتركون السجناء يخرجون بالسلاسل والقيود , يطلبون الصدقة من الناس -فيقول :" وأغنيهم عن الخروج بالسلاسل يتصدق عليهم الناس , فان هذا عظيم أن يكون قوم من المسلمين , قد أذنبوا أو أخطأوا وقضى الله عليهم ما هم فيه, فحبسوا يخرجون بالسلاسل يتصدقون, و والله ما أظن أهل الشرك يفعلون هذا بأسارى المسلمين الذين في أيديهم , فكيف ينبغي أن يفعل هذا بأهل الإسلام " , ثم يقول له :" ومر بالإجراء عليهم ما فسرت لك من طعام وشراب وكسوة وأموال , من مات منهم ولم يكن له ولي ولا قرابة غسل وكفن من بيت المال , وصلي عليه , ودفن فانه بلغني وأخبرني به الثقات , أنه ربما مات منهم الميت الغريب , فيمكث في السجن اليوم واليومين حتى يستأمر الوالي في دفنه, وحتى يجمع أهل السجن من عندهم , كي يتصدقوا من يحمله إلى المقابر فيدفن بلا غسل ولا كفن ولا صلاة عليه , ما أعظم هذا الإسلام وأهله !ثم يقول يبين له سبب تراكم السجناء في السجن :" ولو أمرت بإقامة الحدود لقل أهل الحبس , ولخاف الفساق وأهل الدعارة , ولتناهوا عما هم فيه , وإنما يكثر أهل الحبس لقلة النظر في أمرهم -لا أحد يسأل عنهم- و إنما هو حبس , وليس فيه نظر , فمر ولاتك جميعا بالنظر في أمر أهل الحبوس في كل يوم , فمن كان عليه أدب أدب وأطلق , ومن لم يكن له قضية خلي عنه " , لماذا تبقي السجناء عندك؟ لماذا يا هارون تبقى السجناء عندك؟ من كان عليه أدب أدبه وأطلقه , من كانت عليه قضية حاكمه , من ليس له قضية خلي عنه , هكذا يخاطب أبو يوسف هارون الرشيد," ومن لم يكن له قضية خلي عنه, وتقدم إليهم ألا يسرفوا في الأدب ولا يتجاوزوا بذلك إلا ما لا يحل ولا يسع فإنه بلغني (تخيل هذا هو النائب الحقيقي للشعب , العالم الصادق هو النائب الحقيقي للشعب , أبو يوسف يقول لهارون الرشيد بلغني كذا وكذا عنك , ) فإنه بلغني أنهم يضربون الرجل في التهمة , والجناية, ( في التهمة غير الثابتة , والجريمة الثابتة, وهذا لا يجوز) يضربون الرجل في التهمة , والجناية, الثلاثة مئة والمئتين , وأكثر , وأقل وهذا مما لا يحل , ولا يسع, ظهر المؤمن حمى, ظهر المؤمن حمى , فلا ينبغي أن يقترب منه أحد إلا من حق بفجور, أو قذف أو سكر أو تعزير لأمر أتاه لا يجب فيه حد , وليس يضرب في شيء من ذلك, كما بلغني أن ولاتك يضربون , و أن رسول الله قد نهى عن ضرب المصلين , حدثنا بعض أشياخنا عن فلان عن أنس قال أبو بكر -رضي الله عنه- نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن ضرب المصلين", وهناك بقية لا يتسع الوقت لها , فقط أريد أن يعرف القاصي والداني , وأن يعرف العالم كله أننا أبناء حضارة إسلامية , تحترم الإنسان, أن ديننا رحمة مهداة , ديننا يقدم عقيدة تملأ القلب والعقل , وشريعة تضبط الأداة والسلوك , البشرية لا ينتهي شقاؤها إلا في ظل هذا الدين , وفي ظل هذا الإسلام, فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون , كم أتمنى أن يفهم أبناء الإسلام هذه الحقائق, وأن يعرفوا أن دينهم بريء من هذه التهم التي يلصقهم به الأغبياء والحاقدين.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.