بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل  {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين

 أما بعد: أيها الإخوة :

أحيانا تخلو أقوالنا وأعمالنا من الرفق , ومن الشفقة , ومن الملاطفة , ومن لين الجانب , وتتسم بالخشونة والعنف والفظاظة والغلظة , وهذا مخالف للإسلام ,لأن الرفق والتسامح بالتعامل من خصائص الإسلام , ومن أصوله المرعية . دخل رجل من ولاة عمر بن الخطاب , دخل عليه ذات يوم فوجده مستلقيا على ظهره , وصبيانه يلعبون على بطنه, فأنكر هذا الوالي هذا الفعل , فقال له عمر : كيف أنت في أهلك؟ فقال : إذا دخلت البيت سقط الناطق, إذا دخلت لا يتكلم أحد , فقال له عمر ابن الخطاب : اعتزل , والله لن تعمل لنا عمل , إنك لا ترفق في أهلك , فكيف ترفق بأمة محمد- صلى الله عليه وسلم - . إذا كنت تمارس الخشونة والعنف مع أهلك , فكيف تتعامل مع أمة محمد؟ إنك لا ترفق بأهلك,  فكيف ترفق بأمة محمد؟ وكان عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه - له سياسة عجيبة في تولية الولاة  و عزلهم , فلقد عزل هذا الرجل , لأنه علم أنه فيه بذور عنف وأنه قاسي , وهذا لا يصلح , وكان يعزل الوالي الذي يظهر عليه الغنى بعد الفقر والاحتياج , من أين جئت بهذا المال ؟ فيعزله , ليس هذا فقط , بل كان يعزل من كان يظهر عليه السمن بعد الولاية ,  ويقول له لو كنت مهموما بأمور رعيتك , لما كان هذا حالك , له سياسة غريبة جدا , هي غريبة بالنسبة لنا , لكنها من صميم الإسلام,  وعندما ولي عمر ابن عبد العزيز - رضي الله عنه - الخلافة , استدعى رجلين مشهورين بالصلاح , وقال لهما أشيرا علي- انصحاني - ما السياسة التي ينبغي أن أتبعها في خلافتي ؟ فقال الأول : "يا أمير المؤمنين اجعل الناس أبا وأخا و ابنا , فينبغي أن تبر أباك , وأن تحفظ أخاك , وأن ترحم ابنك" , العنف ليس من أصول الإسلام ,  له دوائر استثنائية  نعم,  خاصة مع الأعداء الذين يهددون المجتمع الإسلامي من خارجه , إنما في العلاقات الداخلية الإسلامية , فلا مجال للعنف أو الخشونة , لا في قول ولا في فعل , هذا مخالف لأصول الإسلام , وهذا مخالف لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- , وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم – يقول:" اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا , فرفق بهم فأرفق به,  ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم , فأشقق عليه " , وهذا من تجليات الرحمة النبوية , بالمؤمنين رءوف رحيم , من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم , عاملهم باليسر , يسر أمورهم , سهل حياتهم فارفق به,  ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم, أعنتهم , قسا عليهم,  فشق عليه, وهذا دعاء من النبي- صلى الله عليه وسلم -لامته طوال الأمد , وعندما نرجع إلى القرآن الكريم -مرجعنا الأساسي -نجد أن نصوصه تؤكد هذا المعنى , معنى الرفق , أن الرفق وأن التيسير في القول والعمل , وفي كل المجالات , الرفق بين الحكومة والشعب,  الرفق في الأسرة, الرفق في دوائر العمل, بين الرئيس ومرؤوسيه , لماذا الخشونة والعنف والغلظة والفظاظة ؟!لماذا ؟! الرفق في النصيحة , في الدعوة إلى الإسلام والى الله , في الحوار , الرفق واليسر من خصائص الإسلام ومن أصوله المرعية , وعندما يحل العنف , وتحل الخشونة والفظاظة , محل القول اللين , ومحل العمل الرفيق , فإن هناك خللا ما في الفكر , أو السلوك , ولذلك يقول الله تعالى (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ), هذا هو الأصل , وعندما أثنى الله على نبيه صلوات الله وسلامه عليه , أثنى عليه بلين الجانب فقال تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} , اعف عنهم : عن أمتك , عن الضعفاء منهم , هم شركاء في السياسات العامة الخارجة عن النص , السياسات العامة التي لم يأت فيها نص من الله , هم شركاء , المسلمون شركاء في تقرير مصيرهم , لا ينفرد في تقرير هذا المصير الحاكم وحده , مهما أوتي من ذكاء , ومهما أوتي من عبقرية , ولو جاز لأحد أن ينفرد لانفرد النبي- صلى الله عليه وسلم - لكن القرءان الكريم يقول له {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} , ويقول أيضا وهو يخاطب النبي- صلى الله عليه وسلم - ليرسم له ملامح العلاقة بينه وبين أمته , وبين المسلمين بعضهم مع بعض,  {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }, كذلك {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} , هل تجد في هذه النصوص أي اثر للعنف , لخشونة الألفاظ , لفظاظة التصرف والسلوك , فمن أين جاءنا هذا البلاء  فيما بيننا؟  هذا صوته يعلوا على هذا , وهذا يصرخ في وجه هذا , وهذا يهدد هذا , من أين جاءنا البلاء ؟ أنا اعرف أن هناك جهلا بحقيقة الإسلام , فربما ظن بعض المنتسبين للتدين وأهله , أن الغلظة أثر من أثار الدين , هذا غير صحيح , من أسماء الله التي نرددها في كل صلاة الرحمن الرحيم {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} , فكيف حرفنا الكلم عن مواضعه , وتجادلنا بالتي هي أخشن , وليست بالتي هي أحسن , راقبوا الجدالات والحوارات و السجالات , الرفق هو الأساس في التعامل في القول والعمل  في المجتمع الإسلامي , وفي سورة طه , يحدثنا الله- جل جلاله -عن تجربة موسى , عندما واجه الفرعون الأكبر - وهو رمز الطغيان والعتو- قال لموسى وأخيه هارون  {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } , موسى كان آنذاك صفوة الله من خلقه , كان كليم الله , وصفوته ومصطفاه في ذلك الوقت , وذهب ليدعو رمز العتو والاستكبار , ومع هذا قال له {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى , فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } , أليس من باب أولى أيها الإخوة عندما يخاطب بعضنا بعضا , وعندما يدعو بعضنا بعضا , وعندما ينصح بعضنا بعضا , وعندما يحاور بعضنا بعضا, إذا كان هذا الشيء مطلوبا من موسى  و أخيه بمواجهة فرعون {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} لطيفا الملاطفة ودماثة الخلق , وحسن العشرة , هذا هو التدين , الخشونة العنف الفظاظة الغلظة الاستعلاء لا علاقة له بدين الله,  ربما وليد عقد معينة , وليد تجارب معينة , وليد بيئة معينة , لكن لا علاقة له بدين الله الذي نقرأه في كتاب الله وسنة رسوله . دخل واعظ على أحد الخلفاء قال له: " إني محدثك -أريد أن أعظك - لكني سأغلظ عليك ", فقال الخليفة -يبدو أن الخليفة كان أفقه من هذا الواعظ - قال له : " ليس لك هذا"  قال :"لم؟" قال :"لأن الله أرسل من هو خير منك , إلى من هو شر مني" {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى , فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } , لماذا تغلظ علي في القول ؟ إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني , بعث موسى وهارون إلى فرعون , فأمرهما أن يقولا له قولا لينا , إن كنت حريصا على فكرتك , وان كنت مخلصا للدين الذي تحمله , فلا ينبغي أن تمارس خشونة أو عنفا أو فظاظة مع الآخرين , إنما لابد أن تستهدي بقول الله تعالى (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) , وهناك آيات كثيرة لا يتسع الوقت لسردها , لكنني أنصح إخواني دائما , أن يرجعوا النظر في كتاب الله تعالى , والأحاديث النبوية , اسمع ماذا يقول- صلوات الله وسلامه عليه- في الحديث الصحيح :" إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله, وان الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف , ويعطي على ما لا يعطي سواه) , في كل الدوائر الاجتماعية , بين الحاكم والمحكوم , بين الرئيس والمرؤوس , بين الرجل وأهله , في أسرته الدعاة , الناصح الذي يقدم النصيحة للناس , إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله , وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف , يعني يتأتى من الرفق ما لا يتأتى من العنف , و إن خيل إليك ان العنف هو الطريقة المثلى لتحقيق الأهداف , لا , ربما إذا سلكت طريق الرفق تتحقق أهدافك -كما قال صلى الله عليه وسلم - ويقول أيضا :"من حرم الرفق فقد حرم الخير كله " ويقول -صلى الله عليه وسلم- :" ما كان الرفق في أمر إلا زانه (حسنة وجمله و زينه) وما نزع الرفق من شيء إلا شانه  وجعله قبيحا وجعل عاقبته خسرا " , في الحديث الصحيح في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إن رجلا بال في المسجد , انظر كيف الرسول عالج هذه المشكلة ؟ وكيف نحن نعالج المشكلات التي لا تقاس بهذه المشكلة أبدا  , من يبول في المسجد هذه الأيام؟!! لكن ربما خالفك في الرأي ,  ربما نازعك في موقف , إلى أخر هذه الأمور.... لكن الرجل في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال في المسجد , فقاموا إليه, أرادوا أن يقعوا فيه , أي أن  يضربوه أو يؤذوه ,  فقال- صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة والنعمة المهداة –قال: "لا تزرموه " معنى لا تزرموه : لا تقطعوا عليه بوله , دعوه فلما انتهى الرجل , أمر بدلو من الماء فصبه عليه -وانتهت المشكلة -ثم قال للناس :" لقد بعثتم ميسرين , ولم تبعثوا منفرين"  , وعن عائشة في الصحيح أيضا أن الرسول- صلى الله عليه وسلم-" ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما " , ألم تروا في حياتكم قوما وأناسا إذا خيروا بين أمرين , يختارون الأعسر دائما والأشق دائما, لماذا ما هذا المزاج؟ أو ما هذا النهج ؟ ما خير النبي- صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما , فان كان ثمة إثم كان أبعد الناس عنه, ثم وما انتقم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنفسه قط حتى تنتهك حرمة الله, فينتقم لله تعالى . هذه هي مبادئ الإسلام , وهذه خصائص دين الإسلام , ما انتقم رسول الله لنفسه قط , لا يجتمع توحيد الله مع دورانك على ذاتك , لا يجتمع توحيد الله مع إحساسك المتضخم بالذات , ما انتقم رسول الله لنفسه قط , إنه يريد منا أن نستمسك بالمبدأ , ألا نشخص الأفكار والمبادئ , لا , ما انتقم رسول الله لنفسه قط , يسامح في حقوقه الشخصية , ألا ترون أن كثيرا منا يقع في النقيض ؟! لا يسامح في حقوقه الشخصية , لكن بالحقوق العامة , بحقوق الله يغض الطرف , وما انتقم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفسه قط حتى تنتهك حرمة الله , فينتقم لله تعالى , ولعلكم سمعتم أيضا أو قرأتم قصة علي مع الكافر , الذي تمكن منه علي واستطاع أن يقتله , لكن لحظة أن هم به علي -وهو فارس الإسلام- بصق الكافر في وجهه , فقام عنه علي, حتى لا تختلط عليه الأمور, قال : "عندما هممت أن أقتله بصق في وجهي , فخشيت أن يكون قتلي إياه غضبا لي وليس لله" , نحن في حاجة أيها الإخوة لهذا القدر من الإخلاص . إن مصيبتنا الكبرى أننا نقدم ذواتنا وهمومنا ومصالحنا الذاتية , على الأفكار وعلى المبادئ العامة , وجاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له:" يا رسول الله , إني لأتأخر عن صلاة الصبح " -لا يصلي الصبح في المسجد –"إني أتأخر عن صلاة الصبح في المسجد , من أجل فلان مما يطيل بنا" لأنه يطيل الصلاة بنا فانا أتأخر عن صلاة الصبح , وهذا الحديث أيضا في الصحيح , يقول الراوي:" فوالله ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -غضب في موعظة قط , كما غضب يومئذ ,وقال أيها الناس :"إن منكم منفرين, من أمّ الناس فليوجز , فإن من وراءه الكبير والصغير وذا الحاجة" ,  بودي لو أمكنني الوقت, أن أشرح لكم شيئا مهما يتعلق بالانحراف الأخلاقي الفكري والحسي , باختصار شديد,  كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال الراوي : غضب غضبا لم يغضب مثله من قبل , إذا كان الانحراف مغلف بغلاف الدين , وصعب على الناس أن يكتشفوه , كان يغضب غضبا شديدا , وإذا كان الانحراف حسيا مما يدركه الإنسان , ومما يدرك أنه خطأ , وعندما يعود إلى بيته يتوب منه , كان يتعامل معه برفق شديد , فمثلا في موضوع الصلاة , غضب غضبا لم يغضب مثله من قبل , لماذا؟ لأن هذا الخطأ مغلف بغلاف الدين , رجل يطيل الصلاة رجل يقرأ كثيرا من القرآن,  ماذا تريدون بعد ذلك ؟ فأحب أن يكشف هذا الزيف , فكان كلما كان الخطأ مغلفا بغلاف الدين , كان غضبه أشد , لكن عندما جاءه رجل , وقال له : "يا رسول الله إني فعلت مع امرأة ما يفعل الرجل مع كذا وكذا , إلا إني لم أفعل , أعرض عنه , فجاءه المرة الثانية فأعرض عنه , فجاءه المرة الثالثة فأعرض عنه , ثم قال له: أصليت معنا , قال: نعم يا رسول الله, قال : اذهب فقد غفر الله لك " واقرأ إن شئت قول الله تعالى {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } , ولم تروي الرواية , أنه غضب غضبا لم يغضب مثله من قبل , لماذا؟  لأنه خطا أخلاقي حسي , أدرك صاحبه خطورته , وما جاءه إلا وهو تائب , لكن المشكلة في الخطأ الذي يتم باسم الإسلام أو باسم الدين ولا يدرك صاحبه الخطأ , إني لأتأخر عن صلاة الصبح , من أجل فلان مما يطيل بنا, فقال النبي : إن منكم منفرين , يسروا ولا تعسروا , هذه هي أصول الإسلام , وأخرج الإمام مالك في موطئه , عن عيسى عليه السلام : أن عيسى عليه السلام,  كان يقول لتلاميذه كلاما يخرج من مشكاة واحدة , هو و وصايا الإسلام ,  كان يقول:" لا تنظروا إلى ذنوب الناس , كأنكم أرباب ( معصومون) ,  وانظروا إلى ذنوبكم , كأنكم عبيد, فإنما الناس مبتلى ومعافى , فارحموا أهل البلاء , واحمدوا الله على العافية , إن وقوع أخيك في خطأ,  ليس فرصة سانحة للتشفير به , ولا للاستكبار عليه, لا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب, وانظروا إلى ذنوبكم كأنكم عبيد, فإنما الناس مبتلى ومعافى,  فارحموا أهل البلاء , واحمدوا الله على العافية , وعندما أوتي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشارب الخمر,  كان يشربها كثيرا,  وضربوه يوم لم يكن هناك حد لشارب الخمر ,كانوا يحثون التراب عليه , و كانوا يضربونه , الخ ... فقال أحد المسلمين :" لعنه الله, ما أكثر ما يؤتى به " , كل يوم يؤتى به , غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- (رغم أن هذا الرجل قال ما قال غيرة على دين الله) فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم -فقال :" لا تسبوه , لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم , فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله " , وعندما مر أبو الدرداء- الصحابي المشهور - مر على قوم يسبون رجلا , وقع في ذنب,  نظر إليهم يسبون هذا المذنب , (انظر يا أخي من فهموا الإسلام كيف طبقوه انظروا أيها الإخوة , كيف فهموا الإسلام و كيف ترجموه في حياتهم )مر أبو الدرداء على قوم يسبون رجلا وقع في ذنب , فنظر إليهم , وقال لهم : " أرأيتم لو وجدتموه في بئر عميق , أكنتم مستخرجيه من البئر,  قالوا:  بلى,  قال:  فلا تسبوا أخاكم , و اسألوا الله العافية , فقالوا له:  أفلا تبغضه ؟ قال : لا إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي,  وضرب لهم مثالا رائعا:  قال لهم ما موقفكم منه إذا وجدتموه في بئر؟  قالوا ننقذه,  فهو في خطيئته في أكثر من بئر , وابن مسعود قال :" إذا رأيتم أخاكم يقارف ذنبا فلا تكونوا عونا للشيطان عليه , تقولوا اللهم أخزه , اللهم إلعنه,  لقد كنا أصحاب محمد , لا نقول في أحد شيئا حتى نعلم علام يموت , لا نصدر حكما على أحد حتى نعلم خاتمته , فإذا ختم له بالخير , علمنا انه قد أصاب خير , وإذا ختم له بالشر خفنا عليه " , التدين يا سادة : مشاعر رقيقة , رفق بالناس , رحمة بهم , حل لمشكلاتهم , لا ينبغي أن نكون عونا للشيطان على بعضنا البعض , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية:

 

  الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:

 

      من علامات العقل والحكمة , أن تفعل ما يغيض عدوك , وما يسر صديقك , إن فعلت ما يغيض عدوك , ويسر صديقك , فأنت عاقل وحكيم , وإن فعلت الأخرى : إن فعلت ما يفرح به عدوك , وما يستاء منه صديقك,  فهذا لا يقع فيه عاقل قال تعالى {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا} , هذا شأن الكافرين, ويقول الله تعالى في سورة التوبة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ} ,و هذه مواقف جهادية ليست بالسلاح فقط , { وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ , وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}  هل هناك من يجادل في أن سيئة الانقسام الذي نعاني منه كفلسطينيين وكعرب وكمسلمين , أن هذه السيئة يفرح بها العدو ؟ , هل هناك من يقول أن العدو لا يفرح بها ؟ فلماذا نحن متكاسلون في إنهاء هذا الانقسام, أو في التطهر من هذه السيئة التي يفرح بها العدو ؟ لماذا لا نقف الموقف الذي يغيض الكافرين ؟{ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ , وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}  من القواعد المقررة والمرعية بالفقه الإسلامي , أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح , هب أن لي مصلحة في الجهة الفلانية , لكن درء المفاسد هو أكبر مفسدة نواجهها نحن اليوم , أيها الإخوة , هذا الانقسام البشع والشنيع آن له أن ينتهي , و آن لنا أن نوحد أمتنا و أن نلتقي على تواصل مشترك فيما بيننا , فإن أعداءنا يختلفون , لكنهم يستطيعون أن يلتقوا في منتصف الطريق على قواسم مشتركة,  إن أعداءنا أجمعوا أمرهم وأعلنوا يهودية الدولة , وقال رئيس وزراء العدو بنبرة لا يخفى فيها التحدي , قال لزعماء العرب :" عليكم أن تصارحوا شعوبكم , وأن تكونوا صادقين معهم, لن يكون هناك سلام ما لم تعترفوا بيهودية الدولة " فهل هناك منا أو من زعماءنا العرب والفلسطينيين والمسلمين , من يرفع عقيرته بدولة القرآن ودولة الإسلام , لن يوقف هذا الزحف اليهودي والصهيوني,  لن يوقفه إلا زحف القرآن والإسلام , إلا وحدة المسلمين , إلا قيادات إسلامية حقيقية, تقدم مصلحة الإسلام ومصلحة الوطن , وتقدم مصلحة الإنسان على كل مصلحة أخرى , أو على كل هم آخر .