بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد: أيها الإخوة :
أيها الإخوة : ما أحوجنا إلى رحمة الله , نحن محتاجون دوما لرحمة الله جل جلاله , فبغير رحمته نكون في دائرة البوار و الخسار والهلاك , ولا يستقر لنا قرار , ولا نحس بطمأنينة وسعادة إلا في ظل رحمته جل جلاله , نحن محتاجون إلى رحمته , محتاجون للنصر, محتاجون لأن يبارك الله لنا في أموالنا وأرزاقنا وأولادنا , وهذه تجليات رحمته جل جلاله , محتاجون أن يوحد الله صفنا , وأن يجمع قلوبنا , وهذه من تجليات رحمة الله أيضا, ونحن نعيش في هذا الكون كله برحمته, قال الله تعالى {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } , هذا النظام الذي أودعه الله هذا الكون , ومن رحمته سبحانه و تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} , نحن محتاجون إلى رحمة الله , محتاجون إلى هدايته , تملأ قلوبنا وتملأ عقولنا , محتاجون إلى البركة في حياتنا وفي أرزاقنا وفي أبداننا , محتاجون أن نخرج من هذا المأزق التاريخي الذي نحن فيه, وهذا لا يكون إلا برحمة الله {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} , بغير رحمة الله أنت في دائرة الخسران {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }, فهداية الله من رحمته {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ} , ولذلك أرشدنا القرآن الكريم إلى أن يكون فرحنا برحمة الله فقط , أن يكون كل فرحنا برحمة الله وفضله {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } , ما تفرح به بعيدا عن رحمة الله لا بقاء له {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} , لكن فرحك برحمة الله وهدايته وفضله هي فرحة بالخالد والباقي , {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} ولا ينبغي أبدا مهما كانت الظروف المحيطة بنا في لحظة من اللحظات قاسية وقاتمة , لا ينبغي أن نيأس أو أن نقنط من رحمة الله { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ } , {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } , لابد أن يبقى الأمل حيا في قلوبنا , ولا بد أن يكون الرجاء عظيما في وجه الله, في كل لحظة من اللحظات , مهما كانت قاسية ومهما كانت معتمة , لأننا نعلم من بيان ربنا أن رحمته لا يقف في وجهها أحد {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } , ومع ذلك كله أيها الإخوة يبين لنا القرآن الكريم أن رحمة الله يخصها الله بأسباب معينة وبأقوام معينين , فلا ينالها إلا من يستحقها , ولذلك كان النبي- صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يدعوا قائلا :" اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك " فما هي موجبات رحمة الله؟ ما هي أسباب رحمة الله ؟ الموجبات الأسباب التي توصل إلى رحمة الله , وتصبح بها جديرا أن تنال رحمته, " اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك " والقرآن يقول {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } , من يشاء: من ينال أو من يحقق موجبات رحمته , و من يسلك أسباب رحمته , {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } , { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ }, تعالوا معي أيها الإخوة : نرجع إلى هذا القرآن الكريم لنرى موجبات رحمته التي نحتاجها , والتي نسأله إياها ليل نهار, يقول الله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } , {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } موالاة المؤمن لأخيه المؤمن , المؤمنون أمة واحدة , { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ } والمؤمن لا يعرف السلبية , إنه شخص إيجابي , يملك رؤية في تقدير الأشياء والأشخاص , {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ } أرأيت ؟ هذا من موجبات رحمة الله , لأن الله يقول {أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ } عندما أطلب رحمة الله, أطلب رزقه , أطلب نصره , أطلب هدايته , أطلب بركته , لابد أن أضع هذه اللوحة أمامي , { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ} ويقول في موضع آخر -وهو يتكلم عن ضرورة أكل الحلال- لتبتعد عن الحرام , ولتبتعد عن الشبهات فيما تكسب في حياتك يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ , وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ , وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } , أكل الحلال , والابتعاد عن الشبهات , إتباع القرآن, كيف علاقتك بالقرآن؟ ما علاقتك بالقرآن؟ , علاقتك بالقرآن تحدد هل أنت تسلك موجبات رحمة الله؟ أم أنت تزعم ذلك زعما لا حقيقة له ؟ {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } , {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } , هذه موجبات رحمة الله , إن لرحمة الله موجبات , إن لرحمة الله أسبابا -أيها الأعزاء- لابد إن رجونا رحمة الله, أن نأخذ بهذه الأسباب , لا نقترب من الحرام , لا نقترب من الربا , لا نقترب من أكل أموال الناس بالباطل, لابد أن نكون ايجابيين , أن نأمر بالمعروف , وننهى عن المنكر, لابد أن تكون علاقتنا بالقرآن علاقة فعالة وايجابية , {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } , موضع آخر , يقول الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } , إذا الإيمان , الإخوة , إصلاح ذات البين, كيف ترجو رحمة الله وأنت توصد الأبواب ؟ لا تحيي إيمانا ولا تحيي أخوة , ولا تعمل من أجل إصلاح ذات البين, ثم ترجو رحمة الله بعد ذلك , أنت لم تسلك طريق موجبات رحمة الله , {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } كذلك من موجبات رحمة الله : الاستغفار , إن الله تعالى أجرى على لسان صالح -الذي أرسله الله إلى ثمود -أجرى على لسانه هذا القول قال {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } , احفظ هذه الآيات , هذه نماذج , القرآن زاخر بالآيات الكثيرة التي تدور حول هذا المعنى , أنا أريد أن يستقر في عقلك أن رحمة الله لها موجبات , كما كان يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- :" اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك " , ما أعظم هذا الدعاء, و ما أبلغه ؟! هيئ لنا يا رب أسباب الرحمة, هناك أسباب للرحمة, نحن محتاجون للرحمة , نعم محتاجون للنصر -كما قلت -محتاجون للرزق-كما قلت -, محتاجون للوحدة-كما قلت -, لكن هذه الرحمة أيها الإخوة لها موجبات وأسباب , هل سلكناها أيها الإخوة ؟ { لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ويقول الله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ , الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ , أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } , الصبر على مشاق هذه الحياة , الصبر على أداء الواجبات , الصبر على أداء التكاليف , عدم التذمر , عدم الضجر, مقابلة الأحداث بصدور واسعة , وابتسامات عريضة , طالما ما كنا متوكلين على الله سبحانه وتعالى, وطالما نطلب رحمة الله جل جلاله , الصبر , الجهاد , إن الله تعالى يقول -وهذا كله كما قلت أيها الإخوة حتى يرسخ في أذهاننا, إن الإسلام دين فيه فرائض , و واجبات, وفيه سنن , ونوافل, والأسباب مقدسة في دين الله , لكل شيء سبب , أنت تقول اللهم ارحمنا فانك بنا راحم, لكن يا أخي العزيز لابد أن تأخذ بأسباب الرحمة , وها أنا ذا أضع بين يديك بعض هذه الأسباب - إن الله يقول {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } , أولئك هم الذين يستحقون رحمة الله , الاعتصام بالله والتوكل عليه , والاعتماد عليه جل جلاله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً , فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } , الإصلاح في الأرض , رأينا الإصلاح ذات البين , الإصلاح الاجتماعي , ألا تكون مفسدا على أي مستوى من مستويات الإسلام , إن كنت حاكما لا تكن مفسدا على مستواك كحاكم وكرئيس , وإن كنت موظفا لا تكون مفسدا على مستواك, يقول الله تعالى {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ , وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } , والإحسان هنا هو عدم الإفساد ,لا تكن نماما لا تكن كذابا لا تكن حاسدا لا تكن ثرثارا , لا تضيع عمرك في اللغو, هذا كله إفساد, {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا }, ومن موجبات رحمة الله أيها الإخوة, أن تعكف في محراب الله , وأن تتوجه إليه , وأن تجثوا بين يديه, مستغفرا تائبا عابدا طالبا رحمته , انظر إلى البيان القرآني وهو يقارن بين ليل العابدين , وبين ليل الغافلين يقول الله تعالى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } , هذه بعض موجبات رحمة الله , نحن -أيها الإخوة- في هذا الوطن المظلوم, هذا الوطن المكلوم والمجروح , نحتاج إلى رحمة الله, فهل تذكرنا أن نسلك الطريق إلى رحمة الله , العبادة , الدعوة للخير والإصلاح في الأرض , الأمر بالمعروف , النهي عن المنكر , أم ستبقى كما قال تعالى عن أهل الكهف {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ }, هل سنبقى أيها الإخوة نفكر في أنفسنا فقط , هل ستبقى أنانيتنا وشحنا, تسيطر علينا؟ , آما آن لنا أن نأمر بالمعروف , وننهى عن المنكر , وأن نعلن ولاءنا لقضايا الإيمان , وقضايا الإسلام , وأن نقيم الصلاة حقا, وأن نؤتي الزكاة وأن نطيع الله ورسوله , كل ذلك موجبات رحمة الله, اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك , أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فلا أريد أن أكرر عليكم ما تسمعونه في وسائل الإعلام , في الفضائيات وفي المواقع الالكترونية فقط , أريد أن أقول: إننا -العرب - نقف عند النتائج , أكثر مما نقف عند الأسباب , النتائج التي نطالعها اليوم نتائج مذهلة وكارثية التي نعيشها , لكن لا ينبغي أن نقف عند هذه النتائج , كي نلطم الخدود ونشق الجيوب وندعو بدعوة الجاهلية, علينا أن نرجع لنفكر في الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه, هذه النتائج الكارثية التي نعيشها لها أسباب, لابد أن ندرس هذه الأسباب , إن الله تعالى يقول {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } , صحيح هذه الآية جاءت في حق المنافقين, لكن لا مانع أن تمثل مبدءا عاما للمنافقين وغير المنافقين, لكل من لا يراجع نفسه , لكل من يصل إلى مثل هذه النتائج , ثم لا يراجع نفسه , لا يراجع سلوكه , لا يراجع أفكاره , {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } والله أنا أحزن حزنا ايجابيا , عندما أرى بعض النائمين , إلى متى ستبقوا نائمين أيها الناس ؟ الوطن يحترق والسكين تقترب لكل عنق , إلى متى هذا شيء عجيب , أنا أعرف أن الدين عند كثير من الناس ليس ببؤرة شعورهم , أعرف أن الدين في هامش الشعور, وهذا تحدي كبير, كيف نستطيع كدعاة وعلماء دين , أن نجعل الدين في بؤرة الشعور ليس على هامش الشعور ؟ هل رأيتم في طوابير البنوك , نائما أو متثائبا؟ هل رأيتم في جماهير حفلات الغناء نائما أو متثائبا ؟ انظر إلى الطابور الذي يقف أمام البنك , هل رأيت فيه نائما قط ؟ هناك مصالح , هناك قضايا في بؤرة الشعور , فكيف يتحول الدين إلى بؤرة شعورنا , هذا هو التحدي الذي لا أستطيع أن أتجاوزه, لان أدواتي محدودة , السكين على الأعناق أيها الناس , والوطن يحترق , لا نقف عند النتائج فقط , لابد أن ندرس الأسباب , والآية التي تلوناها تؤكد هذا المعنى {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } , لماذا لا يتوبون ؟ هناك أخطاء سلوكية لابد أن نتوب منها , هناك أخطاء فكرية لابد أن نراجعها , قبل خمس وسبعين سنة , زهاء قرن من الزمان , جاء إلى القدس أحد أمراء العرب , و وقف بين يديه الشاعر الفلسطيني المشهور -عبد الرحيم محمود- آنذاك , و قال له :
المسجد الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودعه
قبل خمس وسبعين عاما , كان المسجد الأقصى مهدد بالضياع , ليس اليوم فقط ,
المسجد الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودعه
الشعارات سهلة , المسيرات سهلة , الكلام العاطفي سهل, وأيضا لازم وضروري , وأنا لا أقلل من قيمته , لكن لابد من التأمل فيما يفعل عدونا , الشعارات وحدها , والمسيرات والمظاهرات, خاصة عندما تكون لحسابات ذاتية , أو خاصة , وهذا شيء بشع وسيء جدا جدا, وآفة أوجدها في بلدنا الصراع الحزبي, فإذا نتحرك بشكل مبدئي, بشكل أخلاقي , نريد أن نتحرك بدوافع تحب الله ورسوله والمؤمنين والوطن , لا نريد أن نكتفي بهذه الشعارات , ولا أن نكون –كما حدثتكم من قبل -كالراعي الأحمق الذي سرقت إبله , ولم يفعل شيئا , ساقها اللص , وهو يشتمه وهو في مكانه , وعندما عاد إلى أمه سألته أين الإبل؟ قال" لقد أوسعته سبا وأودى بالإبل" , أنا شتمته بما يكفي وأين الإبل ؟, الإبل ذهب بها , ما الذي يحدث أيها الأعزاء ؟ انظر إلى موقف اليهود من القدس , والى موقفنا!! اليهود أيها الأعزاء, زعماءهم يقفون أمام القدس , ليرتلوا نصوصا من المزامير , تقول :" نسيتني ذراعي اليمنى إن نسيتك يا أورشليم , وليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك صباح مساء, وان لم أفضلك على كل فرح" هذه القدس أخذوها وحدوها وجعلوها عاصمة لهم , وبين الفينة والفينة يقومون بأفعال تحرك مشاعرنا, ربما لتفريغ الطاقة , ربما ليسجل بعضنا على بعض مواقف , ليزيد انقسامنا,أيها الأعزاء: لابد من خطط , لابد من مناهج , لابد أن نخطط وأن ندرس , لابد أن يتقدم الأكفاء بعيدا عن التهريج وعن الفوضى , وعن الغوغاء , وعن الحزبية البشعة البغيضة, يجب أن يتقدم الناس الأكفاء , الأمم لا تبنى بالشعارات , لا تبنى بالمهاترات , النصر لا يحرز بمجرد مسيرات, ومجرد هتافات والأصوات العالية , كل ذلك يحتاج إلى أسباب , إلى خطط , إلى دراسات , إلى جهود جبارة , إلى إمام صادق , أنتم أعرف مني بهم, هل تعرفون أيها الأعزاء , لعلكم تعرفونها أيضا -قصة الأم الصادقة والأم الكاذبة- الأم الصادقة نازعتها امرأة أخرى كاذبة في ابنها , قالت هذا ابني أمام القاضي , أحرجت الأم الصادقة , القاضي ماذا قال ؟ قال : أريد أن أقسم الولد بينكم , الأم الصادقة رفضت , قالت : لا لا لا , يبقى حيا أينما كان , الأم الكاذبة رضيت , من الأم الصادقة الآن؟ من أم الوطن الصادقة ؟ وأم الدين الصادقة ؟ التي تضحي بمصالحها الشخصية ومصالحها الحزبية من أجل أن يتوحد هذا الوطن , من أجل أن تبيض وجوهنا أمام العالم , من أجل أن نسير على طريق النصر , وطريق الحقيقة , النبي -صلى الله عليه وسلم- أيها الإخوة , يوم كان يأخذ البيعة من المؤمنين كان يأخذ السمع والطاعة , ولكن كان يبايع على مسألة مهمة جدا , وأنا أتمنى أن تسمعوها وتستوعبوها , كان يقول البيعة على السمع والطاعة , وعلى أثرة علينا : أي لو استأثر فريق ببعض المصالح عليك , استأثر بمصالح شخصية قد تؤذيك على المستوى الشخصي , وعلى أثرة علينا , لا ينبغي أن تشق الصف , وأن تقيم فتنة على أثرة عليك , حتى لو استأثر الآخرون بما تظن أنه حق لك , على أثرة علينا, ثم قال: أدوا الذي عليكم , وسلوا الله الذي لكم , نريد أن تتقدم الأم الصادقة , لا نريد أن نضع حجارة عثرة , هناك عشرات الآلاف من الحجارة العثرة, هل نريد أن نزيد هذه الحجارة حجرا أيضا ؟ نريد الأم الصادقة التي توحد هذا الوطن , وهذا الدين , وتوحد الناس, نريد من يعرف بيعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى أثرة علينا , نريد من يعرف موجبات رحمة الله , ماذا أقول أيها الإخوة ؟ ماذا أقول؟ لابد أن نستيقظ ولابد أن ننهض , لابد أن نتعلم كيف يحب بعضنا بعضا , لابد أن نواجه هذه المخططات الجهنمية بمخططات علمية , لا بتهريج ولا إعلام , كل ذلك هشيم تذروه الرياح , كل ذلك لا يفيد, أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض, انفعوا الناس , فكروا فيهم , أنا أقول لإخواني الأعزاء من الأطراف كلها , أنتم تختصمون ويكيد بعضكم لبعض لكن من الذي يدفع فواتير المعاناة والألم؟ الشعب المسكين نسيتموه جميعا , نريد أن يتقدم المخلصون الذين يضعون مصلحة الدين ومصلحة الوطن ومصلحة الإنسان قبل أي اعتبار.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون