بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، الحمد لله قاهر الطغاة الظالمين، الحمد قاصم الجبارين المستكبرين المستبدين، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ } وأشهد أن محمداً نصير المستضعفين ورائد المجاهدين الصادقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين
أما بعد: أيها الإخوة :
الإسلام قوة هداية عظمى , هداية للعقل والقلب , وهو يعتمد في إيصال الحقيقة للناس على الإقناع الحر , ولا يعمد إلى الإكراه , أو يلجأ إلى العنف , وإنما يخاطب عقول البشر ويخاطب قلوبهم , والله سبحانه و تعالى في كتابه يوجه النبي- صلى الله عليه وسلم- في خطابه لأهل الكتاب من اليهود والنصارى قائلا :{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ , يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } , هذه هي مهمة الإسلام , كشف الحقيقة (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ), الهداية (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ) هداية العقل و هداية القلب (وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ) , كل ذلك عبر الإقناع الحر, وعبر تقديم الأدلة و البراهين , و لذلك يعجبني أحمد شوقي -و هو يرد على من اتهم الإسلام بأنه دين قام على العنف , أو على الفتوحات العسكرية -يقول :
قالوا غزوت و رسل الله ما بعثوا لقتل نفس ولا جاؤوا لسفك دم
جهل وتضليل أحلام وصفصفة فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
هذا هو الإسلام , فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم, عندما وقفت قوى الطاغوت في مواجهة الإسلام لتمنعه من أن يصل إلى الناس كان لابد من مقاومة هذه القوى , وإلا فأداة الإسلام الأولى في تقرير مبادئه , و في إيصال حقائقه , هي الإقناع الحر , الدليل البرهان, مخاطبة العقل , مخاطبة القلب , وعندما نعود إلى القرآن الكريم نجد أنه حدثنا في مواضع متعددة عن مواجهات بين قوى ضالة , وبين قوى مهتدية , سواء أكانت هذه القوى جماعات أو إفراد , وفي حديثه عن هذه المواجهات بيّن لنا الأدوات التي تعتمد عليها كل جهة , وبين لنا دوافع كل جهة , ثم تكلم عن النتائج التي أرصدها لكل جهة من هذه الجهات المتواجهة , أو المتصارعة , يقول الله تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } , اللجوء إلى القتل هنا , ما الدافع وراءه ؟! المسألة واضحة, اثنان قربا قربانا نجح أحدهما وفشل الأخر, الفاشل فكر فورا في قتل الناجح , الدافع هنا الإحساس بالفشل , فلم يجد مخرجا له إلا أن يحكم على الناجح بالإعدام , {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ } قال لأقتلنك , (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) وهذه أول مواجهة , فالأداة هنا عند المنحرف منهج الانحراف في مواجهة منهج الاستقامة , فالأداة هنا عند منهج الاحتراف القتل , والدافع الإحساس بالفشل , في المقابل هناك فكرة , وكأن هذه المواجهات هي صراع بين الفكرة والقوة , أو إن شئت قلت بين قوة الفكرة وفكرة القوة , (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) عد إلى نفسك وابحث فيها لماذا فشلت ؟ بدل أن تتوجه إليه لتسفك دمه, (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )فورا غلب عليه الجانب الموضوعي على الجانب الذاتي , لم يقل له لا لن تستطيع , لم يقل له لأن حاولت قتلي لأقتلنك ,لا إنما قال له أولا إنما يتقبل الله من المتقين, ذكره بلب القضية , بجوهر القضية وهي التقوى, ثم قال له {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } , هنا ثقة في النفس , وثقة في الفكرة , في مواجهة التهديد بالقتل , في قصة يوسف وإخوته , اسمع ماذا يقول القران الكريم {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ , إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } , منطق متهافت , ما دخل الكثرة العددية أو ما دخل القوة المادية في أن يكتسب صاحبها الفضل ؟, الفضل له مقومات أخرى لا علاقة لها بكثرة العدد, ولا علاقة لها بالقوة المادية , هم يعتمدون منطقا متهافتا, لم يبحثوا عن السبب الحقيقي لهذا الإيثار, (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ , اقْتُلُواْ يُوسُفَ ) لاحظ دوائر الانحراف لا تفكر إلا في القتل دوما , الخيار الوحيد لديها القتل, لا خيار آخر , لأنها لا تمتلك أفكارا , لأنها لا تمتلك منهجا {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ , إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ,اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } , النتيجة إذا نظرت إليها في قصة ابني ادم ماذا كانت النتيجة {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ , فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } , وهو ندم الحسرة لا ندم التوبة , النتيجة هنا الخسران والندم , والنتيجة هناك في قصة يوسف وإخوته بعد أن اتخذوا هذا القرار الأحمق , (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ) ماذا كانت النتيجة؟ يتحدث عنها القرآن في آخر سورة يوسف عندما يقول {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } , وتصدق علينا, انظر هذه النهاية وهذه الخاتمة عندما يقف المتآمرون بالقتل , المتآمرون على قتل يوسف أمامه, ليقولوا (وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) ثم يتعرفون عليه وانه يوسف فيقولون {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ } , الآن عرفتم أنه آثره عليكم , الآن , ألم يكن هذا هو الدافع الذي دفعكم إلى التفكير في قتله , لكن القوة المهتدية التي يمثلها يوسف تستعلي على الأحقاد , وعلى الانتقام {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } , أرأيت منهج الانحراف ومنهج الاستقامة , منهج الانحراف القتل والمؤامرة, منهج الاستقامة الاستعلاء على الأحقاد مع امتلاك قوة الفكرة , والدليل والبرهان.
في قصة موسى وفرعون , تأمل معي جيدا يقول الله تعالى {فَلَمَّا جَاءهُم (أي موسى ) بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ} , لماذا؟ إنه جاء بالحق من عند الله, لماذا اللجوء إلى القتل ؟لماذا اللجوء إلى العنف ؟لماذا ؟لان دوائر الانحراف تعاني من الإفلاس دائما, {فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ} تأمل معي هذا الحوار بين موسى وفرعون في سورة الشعراء ,عندما جاء موسى إلى فرعون ودعاه إلى الله, قال فرعون {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ,( سؤال منطقي , ليكن فلابد أن يجيب موسى , لاحظ جبهة الانحراف في مواجهة جبهة الاستقامة) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ , قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ , قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ , قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ , قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} , انظر منطق الانحراف في مواجهة منطق الاستقامة ,ماذا في كلام موسى عليه السلام (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ) , (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) الجواب (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) واصل موسى عليه السلام في طرح الحقيقة , (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) , فماذا كان جواب قوة الانحراف ؟ ماذا كان الجواب في مواجهة هذا المنطق الوضئ؟ ( قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ), ليس هناك إلا التهديد والعنف والإكراه و القتل , الأداة واحدة , والدوافع هي هي, والنتائج كما سنرى ,ماذا كانت النتيجة لهذا المتغطرس ؟ في موضع آخر من سورة غافر {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } , تزوير وتحريف , وهذه أيضا من أدوات منهج الانحراف , لكن النهاية كانت كما قال تعالى (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَاب ), وكما قال تعالى في سورة يونس (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ) , خرج موسى مع قومه المؤمنين غادر مصر, لكن الطاغوت المغرور حاول أن يلحق بهم {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ , فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} .
إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام , انظر إلى هذا الحديث العجيب , إن الله تعالى يتكلم عن إبراهيم فيقول {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) ثم قال القرآن ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} , القتل القتل القتل , هذه المواقف في القرآن تّملك رؤية لتحليل كثير من الأحداث التي تراها في العالم , وهذا معنى كلامنا أن الإسلام وأن القران قوة هداية عظمى, تملأ العقل وتملأ القلب , تسلحك برؤية مستقيمة لتحليل المواقف والأشخاص والأفكار.
في سورة ياسين أيضا موقف عظيم لمنهج الاستقامة أو المستقيمين , في مواجهة منهج الانحراف الذي لا يملك إلا التهديد بالقتل , عندما جاؤوا المرسلون إلى القرية , هددوهم بالقتل (وقالوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) , ثم جاء الفدائي المجهول {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } , انظر يا أخي إلى هذا المنطق اتبعوا المرسلين {اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ , ( ليس له مصلحة) وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ , أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ , إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ , إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} , قتلوه عندما قال هذا , ومع هذا ظل يحمل لقومه في قلبه الحب , عندما انتقل إلى ربه بعد أن قتله قومه {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ , بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} , إن المواجهات التي يحدثنا عنها القرآن بين مناهج الانحراف ومناهج الاستقامة, تؤكد أن مناهج الانحراف دائما تعاني من الإفلاس , وتعاني من ضعف الفكرة , فتعوض ذلك باللجوء إلى القوة أو العنف والإكراه , لكن هل يفت هذا في عضد أهل الحق والهداية ؟ لا , إنما ينبغي أن يبقى أهل الهداية , وأهل الحق مستمسكين في قوة الفكرة , لا بفكرة القوة , معتمدين على ما لديهم من أدلة وبراهين, ومن قدرة على خطاب العقل والقلب , هذا هو منهج الإسلام, أقول قول هذا واستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله نكال الظالمين , الحمد لله غياث المستغيثين , الحمد لله صريخ المستصرخين , و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له القائل " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " و اشهد أن محمدا رسول الله وقف في وجه الطغيان و قاوم الظلم و الاستكبار , اللهم صل على سيدنا محمد و على اله و صحبه أجمعين , أما بعد:
فمقياس تقدم أي مجتمع من المجتمعات هو إنسانية الإنسان , مدى ما يتمتع به الإنسان في هذا المجتمع من كرامة وحرية وعدالة , المجتمع الذي يراعي حقوق الإنسان وكرامته , مجتمع متقدم , إنسانية الإنسان هي المقياس , المجتمع الذي يضرب فيه الإنسان على وجهه , ويحرم من حقوقه , هذا مجتمع متخلف , ولذلك جاء الإسلام يكرم الإنسان , إن الله يقول (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) والإسلام يؤكد على أن حرمة المسلم في دمه وماله وعرضه , أعظم من حرمة الكعبة , والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول :" إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا" وأمير المؤمنين -عمر ابن الخطاب رضي الله عنه- كان يقول لولاته :"لا تضربوا الناس فتذلوهم, ولا تجيعوا الناس فتكفروهم" الجوع يقود إلى الكفر ,والضرب يورث الذل والهوان , وكلاهما غير مقبول في الإسلام , فان أردت أن تحكم على مجتمع من المجتمعات فانظر إلى حال الإنسان فيه , هل تحققت إنسانيته ؟ أم أهدرت هذه الإنسانية؟ الإسلام أيضا -إن كان كلامنا هذا كافيا يشمل المرأة والرجل - لكن المرأة على وجه الخصوص , لها قيمة واعتبار كبير في الإسلام , بل حتى العرب قبل مجيء الإسلام , كانوا يكرمون المرأة , وكان لديهم اعتبار له, كان الفرسان يتخذون قرار الحرب عندما يحسون أن أذى أصاب المرأة , أو أن فزعا لحق بها , يقول عمرو
لما رأيت نسائنا يفحصن بالمعزاء شدا وبدت لميس كأنها قمر السماء إذا تبدى
وبدت محاسنها التي تخفى وكان الأمر جدا ( انكشفت محاسنها من الخوف و الجزع , اتخذ قرار الحرب و المواجهة , لأن المرأة المكرمة لحق بها الذعر و ما ينبغي أن تذعر هذه المرأة),
لما رأيت نسائنا يفحصن بالمعزاء شدا وبدت لميس كأنها قمر السماء إذا تبدى
وبدت محاسنها التي تخفى وكان الأمر جدا نازلت كبشهم ولم أر من نزال الكبش بدا
هم ينذرون دمي وأنذر إن لقيت بأن أشدا
تذكرت هذا الكلام وأنا اسمع أخبار الأسيرات اللاتي سيفرج عنهن -ولله الحمد - الأسيرات اللاتي سيبقين في السجن وهن عشرات أيضا , ولهن الله سبحانه وتعالى , في ظل غفلة العرب , وفي ظل إخلادهم للذل -للأسف الشديد-.
حاولت أن أرجع إلى التاريخ لأعرف , هل أثبت التاريخ حالة واحدة لامرأة مسلمة باتت في الأسر عند الأعداء , لم أجد!! طوال تاريخ الإسلام -ألف سنة , عشرة قرون - في حالة واحدة , عندما أسرت المرأة - صاحبة القصة المشهورة - وقالت وا معتصماه , وجيّش المعتصم الجيش وأنقذ المرأة, على مدار التاريخ الإسلامي , لم تبت امرأة مسلمة ليلة واحدة في الأسر, حتى عشنا هذه الأيام النحسات , أيام الهزائم المتوالية, في ظل غياب الإسلام عن التوجيه , في ظل موت حالة الجهاد في قلوبنا, في ظل التفرقة والتجزئة التي فرضها العدو علينا, في ظل غرس كيان وافد وغريب علينا في قلب قلوبنا في فلسطين , أسر الرجال وأسرت النسوة ويقضين السنوات الطوال , بل يلدن وراء القضبان , أي كرامة تبقت لنا؟! أيها الإخوة! أي كرامة بقيت للعرب ؟أي كرامة بقيت لأصحاب المواكب ؟! عندما أقارن بين مواقف أعداءنا ومواقفنا , أيضا نحس بالخزي أو الخجل, في كل حوار يتم ومفاوضات تبدأ , وكل صفقة تعقد , يتكلمون عن أسراهم, لهم أسير واحد عندنا , أقاموا الدنيا كلها ولم يقعدوها, وما زال حديثه عندهم حديث الليل والنهار , وفي كل صفقة -كما قلت - أو في كل حوار أو في كل مفاوضات , يفتحون ملفات الرفات الموجود عند البلد الفلانية , أنا أعرف أن جاسوسا إسرائيليا أعدم في بلد عربي ودفن هناك , لكن اليهود ما من مرة يتحدثون مع هؤلاء الناس مباشرة , أو عن طريق آخر , إلا وذكروا رفات جاسوسهم , بعض الناس عاتبني مرة , قال لي :" لماذا تعقد المقارنات التي تعكس في نظره هو أفضليتهم؟" قلت ليستيقظ النائم , ليعود إلينا الإحساس الذي مات فينا , نحن نعرف أنهم أعداءنا , ولا يضمرون لنا إلا الشر , لكن أيها الكسالى إذا عجزنا أن نستفيد من تاريخنا , ومن عظمة أبطالنا , ومن جهادنا , ومن قياداتنا العظيمة , فلنستفد من تجاربهم هم , ومن غيرتهم على حقوقهم , وعلى أسراهم , إنهم لا ينامون الليل والنهار , ما زالت المجتمعات العربية تحرص على مواكبها وعلى إجراءاتها التي تخص حكامها , والله لأن قلت إن الإجراءات الشكلية للمسئولين والحكام في بلاد العرب والمسلمين , ونحن جزء منهم , أكثر من الإجراءات التي يفعلها الأعداء لحكامهم ومسئوليهم , إنك لا تكون بذلك جاوزت الحقيقة , إننا نريد أيها الإخوة الأعزاء : أن يرجع إلينا ما مات من إحساسنا , يرجع إلينا وحدتنا و يرجع إلينا ديننا وترجع إلينا روح الجهاد التي قتلها الأعداء فينا , ويرجع إلينا المنهج الذي فقدناه , منهج الله, وجه الله سبيل الله , رضوان الله , هل نأمل في ذلك أيها الأعزاء ؟ الله هو المأمول , وهو المرجو أن يصلح أحوالنا ويعيدنا إلى الجادة , وأن يردنا إلى ديننا ردا جميلا وأن يهيئ للإسلام والمسلمين في أيامهم النحسات مؤيدا بنصره وبالمؤمنين.
اللهم املأ قلوبنا إيماناً، واملأ عقولنا وعياً، وآت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إننا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها الكفر وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى دينك والهداة إلى سبيلك وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون